توفيق الطويل يفصل في النزاع بين الدين والفلسفة

أستاذ الفلسفة يكشف في كتابه المرجعي كيف تجمد التفكير الفلسفي أجيالاً بعد الفلاسفة  اليونانيين، وخضع فيها لسلطان الدين.


حركة التحرير كادت أن تقوض سلطان الدين، وتعصف بتقاليده وتجتاح نفوذ رجاله


العالم الأوروبي أخفق في إبداع فلسفة جديدة، حتى تيسر له التحرر من سيطرة الدين ونفوذ تقاليده

يكشف د. توفيق الطويل في كتابه المرجعي والمهم ”قصة النزاع بين الدين والفلسفة” كيف تجمد التفكير الفلسفي أجيالاً طوالاً بعد الفلاسفة  اليونانيين، وخضع فيها لسلطان الدين، ولما أقبل عصر النهضة كان العقل قد بدأ يستيقظ، وكادت حركة التحرير أن تقوض سلطان الدين، وتعصف بتقاليده وتجتاح نفوذ رجاله، فلما أشرق العصر الحديث في مطلع القرن السابع عشر، نزع العقل الجديد إلى إنشاء فلسفة عقلية مبتكرة، ومن هنا ظن الذين تخدعهم الظواهر، وتستخفهم النظرة العاجلة، أن العالم الأوروبي قد أخفق في إبداع فلسفة جديدة، حتى تيسر له التحرر من سيطرة الدين ونفوذ تقاليده. ولهذا الحكم دلالته على خوض الاستقراء التاريخي، شاهدًا على قيام التعارض بين الدين والفلسفة، وتعذر الإنتاج العقلي الناضج، مع الإيمان بالوحي الديني ومقتضياته، أي أن التفلسف يقتضي الإلحاد، والإيمان يمنع الابتكار! كما حدث مع فلسفة القرن السابع عشر.
يقول المؤلف: "أصبح من المساغ أن يرد الباحثون (الأصالة) في الفلسفة اليونانية، إلى استقلالها المطلق عن كل دين! كما قرر سانتهلير، وأن يرجعوا (عبقرية)، اليونان إلى ما تهيأ لهم من حرية واسعة النطاق في مجال الدين والسياسة معًا، كما قال لفنجستون. واذا جاز أن يصدق الرأي الذي أيده أمثال هؤلاء الباحثين في أصالة التراث اليوناني، فإن صدقه لا ينفي خطأ الوهم القائل بأن التفلسف يقتضي الإلحاد، وأن الإيمان يمنع الابتكار والإبداع، وسنرى في دحض هذا الوهم، أن حركة التحرر من الدين، كانت عنيفة واضحة في عصر النهضة، ومع هذا التحرر الذي أوغل فيه المفكرون إلى أقصى مدى، لم يستطع مفكرو ذلك العصر، أن يبدعوا فلسفة جديدة مبتكرة. وظل التفكير الفلسفي عندهم، نزاعًا إلى إنشاء العلم الطبيعي، ميالاً إلى ابتعاث المذاهب الفلسفية القديمة.”
ويعتبر المؤلف أن الفلسفة المبتكرة حقًا، لم تولد إلا في مطلع العصر الحديث وفي القرن السابع عشر، الذي اشتد فيه الإيمان بشريعة العقل، مع الإبقاء على قدسية الدين وحرمة تعاليمه. ويعطي د. توفيق الطويل مثالا عن  فرنسا، كيف كانت في القرن السابع عشر، أصدق مثال التعبير عن هذه الظاهرة؛ فقد كانت روح النهضة على تنافر ملحوظ مع روح العصر الوسيط، لأن حركة البعث قد أعلت صوت العقل، الذي كان قد خبأ في العصر الوسيط.

آثرت أن أنظر إلى موضوع بحثي، بمنظار العصر الذي أقوم بتأريخه، حتى يتيسر لي تصوره على أكمل وجه مستطاع

وفي توضيحه لأغراضه من وضع هذا الكتاب يقول المؤلف: لقد حرصنا على ألا يكون كتابنا مجرد سجل لما نزل بالفلاسفة من وجوه الاضطهاد. سجنًا ونفيًا وتعذيبًا وإعدامًا، بل توخينا أن نشرح المذاهب التي أثارت رجال الدين، وتحرينا أن نبين عن وجوه الخلاف في وجهات النظر عند رواد الفكر الحديث، وغلاة المتعصبين من رجال الكهنوت، وبهذا احتلت أسباب النزاع العقلي المكان الأول في دراستنا، وغلب الاهتمام بها عنايتنا بنتائج هذا النزاع، وكثيرًا ما كان هذا يضطرنا إلى الاستطراد في شرح المذهب طويلاً، ليتضح مكان الخلاف، وتتكشف مبررات الاضطهاد.
وعلى ذكر الاستطراد، نقول إن ما تضمنه الكتاب من نزاع في غير الميادين الفلسفية، له ما يبرره، فمن ذلك حديثنا عن محاربة اللاهوت للعلم في القرن الغابر، وقد أسلفنا الإشارة إلى أسبابه، وحرصنا على الحديث عن العلم الطبيعي في عصر النهضة وما بعده بقليل، يبرره تصور هذا العصر للبحث الفلسفي الحديث، ومدى إدراكه لموضوعاته، فالعلم الطبيعي لم يكن قد انفصل عن الفلسفة بعد، وكانت الأبحاث الفلسفية الحديثة – من ناحية أخرى – تتجه إلى ميادين العلم الطبيعي – كما تتصوره الآن، حتى لقد كان جاليليو، يسمى عند مؤرخيه "شيخ الفلاسفة"، وقد آثرت أن أنظر إلى موضوع بحثي، بمنظار العصر الذي أقوم بتأريخه، حتى يتيسر لي تصوره على أكمل وجه مستطاع.
يذكر أن كتاب "قصة النزاع بين الدين والفلسفة" لمؤلفه د. توفيق الطويل صدر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة. (وكالة الصحافة العربية)