توماس مان عبقرية تجاوزت الإبداع القصصي والروائي

الكاتب الألماني أحد الأدباء القلائل في تاريخ البشرية، والذين شرعوا أقلامهم في وجه الظلم والطغيان وقهر الإنسان. 


توماس مان تكبد آلام المنفى منذ أن رحل إلى سويسرا في عام ۱۹۳۳، وسحب النازيون منه الجنسية الألمانية في عام 1936


أسلوب توماس مان تميز بالكوميديا اللفظية الساخرة والغموض

يرى النقاد أن جائزة نوبل قد شرفت بذهابها إلى كاتب من طراز توماس مان، ولولا ذلك ما كان لها أية قيمة، وسواء فاز بها توماس أو لم يفز، ما توقفت مسيرته الإبداعية، وشهرته التي ضربت الآفاق كواحد من أهم الروائيين في النصف الأول من القرن العشرين.
فقد تجاوزت عبقرية الكاتب الألماني توماس مان ضفاف الإبداع القصصي والروائي، ليكون أحد الأدباء القلائل في تاريخ البشرية، والذين شرعوا أقلامهم في وجه الظلم والطغيان وقهر الإنسان. ولعل هذا هو ما دفع الحكومة النازية لإجباره على الرحيل من بلاده، ولم تشفع لديهم مكانة الرجل وفوزه بجائزة نوبل عام ۱۹۲۹.
 تكبد توماس مان آلام المنفى منذ أن رحل إلى سويسرا في عام ۱۹۳۳، وسحب النازيون منه الجنسية الألمانية في عام 1936، وظل هناك حتى وافته المنية في 16 أغسطس/آب عام 1956، مخلفاً وراءه تراثاً أدبياً ضخماً، ودرساً للأجيال اللاحقة عن دور الكاتب والمثقف في مجتمعه، ورفض الإغراءات الزائفة التي تعجل بنهايته. وهو ما أعلنه مان في مقالة "تأملات رجل غير سياسي" ۱۹۱۸، إنه لم يعد يؤمن بأن السياسة لا تهم الفنان، بل اعتبرها أخلاقاً عامة، وشيئاً يحتم على الفنان أن يشترك فيه للمحافظة على المجتمع الذي يسمح له بالخلق الفني.
ولد توماس مان في أسرة عريقة في يونيو/حزيران 1875، فالأب ينتمي لأسرة ارتقت المناصب الإدارية العليا، أما أمه فقد عشقت الفنون خاصة أنها عاشت طويلاً في البرازيل، واهتمت بالفنون البدائية في هذه البلاد وقد تأثر توماس بهذه المناخات الثقافية، وانصرف للقراءة والاطلاع في سن مبكرة.
وبعد وفاة أبيه عام ۱۸۹۳، اضطر توماس أن يترك الدراسة، وقرر أن يصبح أديباً، فسافر إلى ميونخ، ونشر مجموعته القصصية الأولى عام 1894، بمساعدة أخيه الكاتب المعروف هاینریش مان صاحب الرواية المشهورة "الملاك الأزرق". وقد جمعت بين الأخوين صداقة حميمة، حتى أنهما رحلا سوياً إلى برلين، حيث عمل توماس لدى دار النشر "فيشر"، وأقام الأخوان في إيطاليا لمدة عامين، وعاد توماس بعدها إلى ميونخ، ليواصل الكتابة القصصية التي لفتت الأنظار إلى موهبته المبكرة.

توماس مان عاش زهاء الثمانين عاماً، قضى منها أكثر من نصف قرن في إبداع متصل، ومحاولة لاكتشاف حقيقة النفس البشرية، واندلاع الحروب والويلات، واستطاع أن يكرس إبداعه للمشاركة في صنع القرار وتبصير شعبه بما يدور حوله من معضلات

وكانت قصة "السيد فريد مان الضئيل" ۱۸۹۸، من بواكير أعمال توماس التي حققت له الشهرة، وضمنت له قدراً من الاستقرار، فتزوج في عام 1905 من كاترينا برنجشام، التي سعت دوماً أن توفر له المناخ الملائم للكتابة والإبداع، خاصة أنها أنجبت له الكثير من الأبناء الذين كان يمكنهم أن يسببوا له الكثير من الإزعاج، لولا زوجته التي قدرت موهبة توماس، وحرصت دائماً على راحته واستقراره. وبهذا عد توماس من بين هؤلاء الكتاب المحظوظين الذين كانت زيجاتهم حافزاً لمزيد من الإبداع والتحقق الأدبي.
بدأ توماس حياته الأدبية مثل أغلب الأدباء في نهاية القرن التاسع عشر، بكتابة القصة القصيرة، حيث فتحت الصحافة الأوروبية أبوابها لهذا الفن الحديث، وشجعت كاتبيه على ممارسته، لجذب عدد أكبر من القراء وهواة القراءة الأدبية، لمطالعة هذه النصوص التي تشغل حيزاً محدوداً من صفحات الجرائد. وقد اقترنت أعمال توماس بالتحليل النفسي والاجتماعي خاصة مجموعته الأولى "منزل السيد فريد مان"، ثم كتب الرواية القصيرة والطويلة مثل "تريستان"، "وصاحب الجلالة"، و"الجبل المسحور"، و"الموت في البندقية"، وجميعها أظهرت شغف الكاتب بمشكلات المجتمع البرجوازي، وصلة الفنان بالمرض، والحياة والموت، والسخرية من العقول الميتة. وانعكست آراء توماس السياسية في قصصه ورواياته، وخطبه الأدبية، فقد عاصر الحربين الأولى والثانية، واختلف موقفه منهما، حيث وقف مع بلاده أثناء الحرب العالمية الأولى، ولكنه وقف ضدها في الحرب العالمية الثانية، مما تسبب له في الكثير من المتاعب، ودفعه لمكابدة آلام المنفى والهجرة خارج وطنه، والعيش لفترة طويلة في الولايات المتحدة، قبل استقراره في سويسرا ورفضه العودة مرة أخرى إلى ألمانيا.
قوة اللاشعور
لعبت "الرمزية" دوراً مؤثراً في كتابات توماس، وحاول المزج بينها وبين الأسطورة في رواياته، ومن حيث التحليل النفسي للحالات العقلية والجسمية للإنسان المعاصر، واتسمت شخوصه بالانطباعية، غير أن هذه الانطباعات تصبح أفكاراً تحمل في طياتها قوة اللاشعور. وقد سبرت رواياته العظيمة مختلف أوجه الحياة في عصره، مثل "بودن بروكز" ۱۹۰۰، وتدور حول المجتمع البرجوازي، و"الدكتور فاوست" 1947، وتتناول الشخصية والعقلية الألمانية في ظل الرايخ الثالث.
وتميز أسلوب توماس مان بالكوميديا اللفظية الساخرة والغموض، ولم يكن أسلوبه المعقد سوى انعكاس لتفكيره المعقد، ودراسته لتاريخ الفكر وتأثره بالفيلسوفين شوبنهاور ونيتشه، واهتمامه بدراسة النفس والأساطير دراسة هادئة، مما مكنه من الكتابة في السياسة والفكر والنقد، ولا تزال دراسته عن الشاعر جوته التي كتبها عام ۱۹۳۹، من أهم الدراسات التي تناولت حياة وإبداع الشاعر الألماني. 
في رواية "آل بدنبروك" يصف توماس انهيار أسرة ألمانية قامت ثرواتها على تجارة الحبوب، وتدور أحداث الرواية في عام 1835، ويكشف المؤلف على مدى أربعة أجيال متلاحقة كافة المظاهر الحياتية والاجتماعية، التي تعيشها الأسرة المتعددة الشخوص.
ودائما ما تأتي النهاية غائمة في لحظة سحرية غامضة، مثل "اشنباخ" الروائي العجوز في رواية "الموت في فينيسيا"، والذي يذهب إلى مدينة البندقية، وفي الفندق الذي ينزل فيه يتعرف على أسرة جاءت من أجل التنزه ولكن الطاعون يسيطر على المدينة، ويصاب الفنان بالمرض اللعين ويموت على شاطئ البحر. 

توماس مان
انهيار أسرة ألمانية 

وقبل فوز توماس بجائزة نوبل، بنحو أربعة أعوام، كان قد انتهى من كتابة روايته الشهيرة الضخمة "الجبل السحري" التي نشرها عام 1924. وبطلها ليس فناناً تلك المرة، ولكنه رمز بالغ التعقيد، يمثله شاب في بيئة بورجوازية، يكتشف السبيل إلى تحقيق إمكانيات حياته وسط المرض والموت في مصحة للدرن بين الجبال، وتدور فيها الأحداث عشية اندلاع الحرب العالمية الأولى.
وفي رواية "يوسف وإخوته" يترك توماس مان موضوعه الأثير "المرض والموت" ويهتم بدراسة النفس البشرية، ودوافعها وغرائزها المكبوتة. وهي ثلاثية كتبها في عشر سنوات بين ألمانيا وسويسرا والولايات المتحدة (1933- 1943). ولم يخف الكاتب موقفه من النازية، وذلك من خلال صياغة مختلفة لقصة النبي يوسف عليه السلام، وكشف أن البشر يملكون غالباً عقليات بدائية وقبلية.
ومثل بعض الأدباء الذين استلهموا أسطورة فاوست في أعمالهم، كتب توماس مان روايته "الدكتور فاوست" وهي رؤية معاصرة للأسطورة، فليس هناك اختلاف بين فاوست وبين أدولف هتلر، فكلاهما تعاقد مع الشيطان من أجل الوصول إلى الخمر الأبدي، وكلاهما يحمل جنونه الداخلي كي يصبه على العالم من حوله. وكانت آخر روايات توماس مان "اعترافات رجل الصناعة فليكس كرل" سرد لحياة رجل معاصر لتاريخ ألمانيا قبل وبعد الحرب العالمية الثانية، وهو من زمرة أبطال توماس الروائيين الذين يحملون دوماً هموم عصرهم فوق كواهلهم، أو مستعدون لتوقيع عقداً مع الشيطان من أجل تحقيق أهدافهم.
عاش توماس مان زهاء الثمانين عاماً، قضى منها أكثر من نصف قرن في إبداع متصل، ومحاولة لاكتشاف حقيقة النفس البشرية، واندلاع الحروب والويلات، واستطاع أن يكرس إبداعه للمشاركة في صنع القرار وتبصير شعبه بما يدور حوله من معضلات، فضلاً عن موهبته الفائقة في امتلاك تقنيات الكتابة القصصية والروائية. (وكالة الصحافة العربية)