تونس في زمن العدالة الناقصة

سياسيو تونس لا يجدون عيبا في تسلية المجتمع بحكايات لا تغني ولا تنقذ وليس فيها أي شيء ينبئ بالخلاص. ما تفعله هيئة الحقيقة والكرامة جزء من هذه التسلية.  

ما يحدث في تونس هو بمثابة تستر على حقائق الحاضر بحجة التعرف على حقائق الماضي وعدم الالتفات إلى مظلومية الأحياء بذريعة انصاف الموتى.

ذلك ما تقوم به هيئة الحقيقة والكرامة فعليا. وهو ما يلقي على مهمتها الكثير من ظلال الريبة ويُلحق توجهاتها بالكثير من علامات الاستفهام.

فالتونسيون الذين ثاروا بسبب سوء أوضاعهم المعيشية لم يكن يخطر في أذهانهم أن التغيير سيبدأ لإعادة كتابة التاريخ في المحاكم. كانوا يأملون أن يمس التغيير سبل عيشهم وينتقل بهم من مرحلة العوز الغذائي إلى مرحلة، يكونون فيها قادرين على المطالبة بتحسين الخدمات.

مبدئيا لم يكن يعنيهم مَن يحكم بعد نظام بن علي. كان اهتمامهم الأكبر يتمحور حول سؤال "كيف يتم الحكم وما هي برامجه العملية؟" وهو سؤال يتضمن الرغبة في الاطمئنان على مصالحهم. هذا ما فشلت حركة النهضة في مواجهته يوم حكمت فأغرقت البلاد بنزاعات عقائدية، كانت تونس بفضل الأسلوب البورقيبي في الحكم قد محتها على مستوى التربية المجتمعية ولم تعد هناك حاجة إليها.

النهضويون يومها أخطأوا في فهم المجتمع التونسي غير أنهم فضحوا في الوقت نفسه الكيفية التي ينظرون من خلالها إلى وجودهم في السلطة. وهو ما جعل التونسيين ينفرون منهم مفضلين عليهم التيارات المدنية، وذلك على أمل أن تكون تلك التيارات قريبة من فكرة العيش في الحاضر.

ماضوية حركة النهضة تركت بصماتها واضحة من خلال هيئة الحقيقة والكرامة. كان من الممكن أن تقوم الدولة الجديدة بتصحيح مسار الدولة القديمة قبل القيام بمحاكمتها بحيث يكون الشعب مستعدا لمتابعة تلك المحاكمة من جهة كونه قد حقق الغايات التي كانت الدولة القديمة تقف حجر عثرة في طريقها.

غير أن ما حدث أن الشعب الذي كان غاضبا من ماضيه وجد أن عليه أن يستعيد فصول نكبته في حاضره الذي صار أسوأ من الماضي على مستوى الأوضاع الاجتماعية وهو ما يسد أمامه سبل الأمل. فلم يعد يعنيه مَن قتل مَن؟ ومَن عذب مَن؟ بقدر ما تهمه معرفة إلى إين يذهب السياسيون بحياته وكيف يتم انفاق ثرواته؟

ما تفعله هيئة الحقيقة والكرامة لا علاقة له بأهداف الثورة. ولا أعتقد أن السياسيين الذين يتنافسون على الحكم لهم الحق في أن يحتكروا تلك الأهداف لأنفسهم فهم ليسوا مَن فكر بها وهم ليسوا مَن غامر في الصدام مع دولة بن علي من أجلها. سياسيو تونس الحاليون، جلهم من الطارئين على الثورة، وهم ليسوا من أبنائها.

لقد ورطت حركة النهضة الدولة التونسية بتلك الهيئة التي لا عمل لها سوى محاكمة الماضي. وهي مسألة من الممكن ارجاؤها إذا ما رغبت الدولة الجديدة في أن تكون في حجم الأهداف التي قامت من أجلها الثورة. غير أن أي طرف لم يعد في إمكانه بعد رحيل حكومة النهضة أن يوقف عمل تلك الهيئة لذلك فقد استمرت في عرض مسرحياتها التي كان الغرض منها الهاء الشعب عن حاضره المزري وتأجيل تنفيذ مشروع التغيير.

هناك لعبة خطيرة مفتاحها هيئة الحقيقة والكرامة.

فشغف النهضويين بالحقيقة لا علاقة له بكرامة الشعب. كما أن كرامة الشعب التونسي التي تتجسد من خلال أوضاعه المعيشية ليست لها محل على أجندات السياسيين الذين يتصارعون اليوم من أجل الانتصار في الانتخابات التشريعية والرئاسية.

الكذبة التي نجح النهضويون في اطلاقها صار سياسيو تونس يعملون على ترسيخها. وكما أرى فإن راشد الغنوشي وهو ثعلب سياسي ينظر إلى المشهد ضاحكا. ذلك لأن ما صنعه يمضي في طريقه. سياسيو تونس بغض النظر عن ميولهم العقائدية لا يجدون عيبا في تسلية المجتمع بحكايات لا تغني ولا تنقذ وليس فيها أي شيء ينبئ بالخلاص.