ثروات القصة القرآنية

القرآن الكريم يحوي في طياته 20% من الأسلوب القصصي، وهذا يؤكد أنها الوسيلة الأعظم للتواصل وتوصيل المعنوي. 


القص العربي اكتسب رافدًا من الحديث الشريف


القصة أفضل وسيلة لتوصيل المعلومة لأي إنسان آخر

القرآن الكريم وتفسيره وقصصه، ينبوع الإلهام وروح العربية وفن القصة الآسرة، و"أحسن القصص"، هو يقع في شغاف قلب القصة الفنية، لأنها ذورة الموضوع والشغف من وجهة نظري، إنه الحديث المحبوب عن القرآن الكريم وفن القصة، ففي كتاب د. ساجد العبدلي، ورفيقه القارئ البارع عبدالمجيد حسين القيم المعنون "27 خرافة شعبية عن القراءة"، وصدّرها بالخرافة الشنيعة الأولى "قراءة الروايات تسلية رخيصة"، ويروج أصحاب هذا الغاز السام بتعبير الكتاب "لأن قراءة الروايات غير مفيدة للعقل ومضيعة للوقت"، وجاء الرد الجميل: "القصة أعظم قناة أو وسيط بين البشر"، وأن أكثر الكتب قراءة في العالم هي الروايات، لماذا؟ لأنها أفضل وسيلة لتوصيل المعلومة لأي إنسان آخر، وأنها أكبر نادي رياضي للخيال، لماذا؟ لأنها مبنية علي عالم واقعي مختلق، دقيق، بدرجة أننا نري أنفسنا نعيش فيه، ثم يختم تفنيد الخرافة بهذه العبارة: "هكذا هو كاتب الرواية، لا بد أن يكون مسرحي اللغة ومصنع الخيال وصوفي الشعور وطبيب الإنسانية". 
وقال عبدالمجيد: القصة أفضل وسيلة لتوصيل المعلومة لأي إنسان آخر، ألا نستغرب أن الله عز وجل يخبر البشر بانه أعظم من يقص القصص "نحن نقص عليك أحسن القصص". وأن القرآن الكريم يحوي في طياته 20% من الأسلوب القصصي، وهذا يؤكد أنها الوسيلة الأعظم للتواصل وتوصيل المعنوي. 

ترتيب الأحداث في القصص القرآني ليس قائمًا على الأساس التاريخي الذي يضطلع به المؤرخون وإنما يرجع إلي اعتبار بلاغي فني غايته تحريك العواطف والوجدانات بغية إثارة العقول والأذهان

يقول د. جلال أبو زيد (بتصرف): "يلتفت القرآن الكريم إلى عنصر القصة ويعتني به، وتتردد مادة "ق ص ص" فيه ستًا وعشرين مرة، وتحمل إحدى سوره اسم سورة القصص، وتقص سورة القصص الأقوام السابقين والأنبياء والمرسلين وغيرهم، وقد وجد عنصر القصة هوى في نفوس العرب، فأقبلوا عليه لجاذبية عنصر القصة من جهة، ولروعة الصياغة القرآنية والتعبير الإلهي عنها من جهة أخرى، وقد هال هذا الإقبال زعماء مشركي مكه، فاحتالوا لكي يصرفوا الناس عنها، وعن سماع القرآن الكريم وحاولوا إيجاد البديل فأخذ النضر بن الحارث يقص عليهم – عندما يراهم مجتمعين حول الرسول - صلى الله عليه سلم - قصصًا تدور أحداثها حول الفرس وحياتهم وملوكهم، وعن رستم واسبنديار وغيرهما من ملوك الفرس وقادتهم، ولكنه لم يصب نجاحًا، وقد بعثت قصص القرآن الكريم نهضة في القص العربي، ونتج عنها سيل من القصص، كما اكتسب القص العربي رافدًا من الحديث الشريف وما جاء فيه من أخبار عن الأنبياء والأقوام السابقين، وعن أفراد بعينهم، وكذلك من سيرة الرسول عليه الصلاة والسلام، وتفاعلات سيرها والأحداث التي ارتبطت بها والفتوحات، وتعددت المقولات الناجزة عن هذا الأمر القيم، تشكل مسكا للشغاف، ننتقى منها: 
فالوزير المفكر الأديب فتحي رضوان يوضح لماذا يعلم القرآن فن القصة؟ قائلا: "جاءت الأنباء والأخبار والأحاديث في القرآن الكريم، نموذجًا من نماذج الإيجاز الذي تخرج من الجمل: قصيرة غاية القصر، سريعة غاية السرعة، فمع ذلك فهي مليئة بالوقائع من جهة، وفياضة بالحركة من جهة أخرى"، ويقول أيضًا في كتابه حول "القصة القرآنية" من سلسلة كتاب الهلال: "أن خاصية الإيجاز المعجز، فيما أورده القرآن الكريم من أنباء وأخبار وأحاديث الرسل والأمم القادمة والأيام الغابرة، من الخصائص الجديرة بأن تلفت نظر الدارس، وأن يطيل التأمل فيها".
وهنا نفطن لفكرة السرد المقطّر، ويقولها أيضًا الأديب فتحى رضوان: "إن الفن، سواء كان تعبيريًا أو تشكيليًا، هو الإقتصاد، لإن الإقتصاد في وسائل التعبير معناه أن الفنان متمكن تمامًا، من فنه، وأنه جود استعمال وسائله، وأدواته فأصبح قادرًا علي أن يقتنص فكرته ويقدمها للآخرين، بأقل القليل من الجهد ومن المادة المستعملة"، ويصف الإيجاز في قصة سيدنا موسي – عليه السلام - موضع سورة القصص قائلًا (بتصرف) صفحتان 20 و 21 من كتابه "القصة القرآنية": "إن الإيجاز المذهل في إيراد الوقائع لم يأت على حساب شيء فيها، فلم يحذف منها شيء، ولم يرد منها بعضها، محفوفًا بالغموض، أو مقترنًا باللبس، فأمر الإرضاع وأمر الإلقاء في الماء والأمر بعدم الخوف وعدم الحزن أي نفي الشرّين عنها لأمر وقع بالفعل أو آخر تشفق منه في المستقبل، ثم تأتي البشرى بعودة الابن إليها، وأنه تعالى يصطفيه من المرسلين. فالاختصار هنا لم يكن مجرد حذف، وإنما هو اختيار محكم لألفاظ قليلة غاية القلة، بسيطة غاية البساطة، ولكنها مؤدية للمعني، محفوفًا ومشمولًا بكل ملابساته العاطفية والوجدانية".
أما د. الطاهر أحمد مكي فيصف القرآن الكريم نفسه بالنص الأدبي العظيم، يقول: "لقد تميزت اللغة العربية بأنها لغة دين عظيم، وفيها نزل القرآن الكريم، وهو يختلف عن غيره من الكتب السماوية، لأنه نص أدبي عظيم قبل أن يكون كتاب تشريع، ولا يشعر المسلم بأنه يقرؤه إلا إذا كان في لغته العربية، أما الترجمة فهي مجرد شرح وتفسير للأفهام فحسب".

أما الروائى د. نجيب الكيلاني فيرى القصة القرآنية الأنموذج، يقول: "لقد بحثت عن أنموذج يحتذي في الآداب العالمية فلم أجد أروع وأعظم من القصص القرآني الذي كثيرًا ما يتجاهله مؤرخو القصة ونقادها حينما يتحدثون عن تاريخ القصة العربية".
أما د. محمد حسن الدالى، فقدم في كتابه "القصص في القرآن الكريم" توضيحًا لأثر القصة وكيف ألتقي الفرض الديني مع الفرض الفني، وعن "ثروات القصة القرآنية"، يقول صفحتان 10 و11 (بتصرف): "ولما للقصص من أثر فعال في النفوس، وجذب لانتباهها، وتمهيد لما يعرض، وتشويق وتلهف لمعرفة النهاية، وارتياح لحل العقدة والصراع، وحب وتشويق للاستطلاع، لجأ المنهج إلى الأسلوب القصصي، فالتقي الغرض الديني بالغرض الفني. ففي القصة القرآنية ثروة من الحقائق والمعارف، وثورة من التصورات والإيحاءات والتوجيهات، وثروة من الأسس التي ينبغي أن تقوم عليها المعاملات، وثروة من المبادئ الصحيحة التي تبني الأوطان وتشيد المجتمعات، وثروة من علوم البلاغة ومصطلحاتها الحديثة – علم المعاني، وعلم البيان، وعلم البديع - لقد بعث القصص القرآني في هذه العلوم الحياة بعد ركود، لقد بث في التشبيهات والاستعارات والكنايات التصوير والتخييل والتجسيم والتجسيد حتى قارب المجاز الحقيقة، ونهج الإعجاز طريقه. وفي القصة القرآنية ثروة من الموسيقي المهموسة والمجهرة، والإيقاعات الظاهرية والداخلية".
وإذا كان نفي الخطية في الأحداث، وتشكيل زمن السرد ووقوع المفارقة بينه وبين زمن الحكاية، بمعني أن الأحداث هي المادة الخام للحدوتة وللقصة أيضًا، لكنها في الحكاية مرتبة طبقًا لوقوعها في خط الزمن، أما زمن السرد فهو تقديم وتأخير ترتيب الأحداث طبقًا للرؤية الفنية، يقال إنها أمر جديد، لكن الشيخ محمد عبده يرى: "أن ترتيب الأحداث في القصص القرآني ليس قائمًا على الأساس التاريخي الذي يضطلع به المؤرخون وإنما يرجع إلي اعتبار بلاغي فني غايته تحريك العواطف والوجدانات بغية إثارة العقول والأذهان"، فيقول: "ترتيب الوقائع في الذكر على الوجه الذي يكون أبلغ في التذكير، وأدعى إلى التأثير، فهو في هذه القصص لم يلتزم ترتيب المؤرخين، ولا طريقة الكتاب في تنسيق الكلام وترتيبه على حسب الوقائع حتى القصة الواحدة، وإنما ينسق الكلام فيه بأسلوب يأخذ بمجامع القلوب، ويحرك الفكر إلى النظر تحريكًا، ويهز النفس للاعتبار هزًا".
وتظل "ثروات القصة القرآنية" الكنز الذى لا ينفد.