ثلاث ساعات في بيت صلاح السعدني!

الفنان صلاح السعدني: محمود السعدني يلخص الحارة المصرية.


هذا ما قاله وأنا أجلس خلف نجيب محفوظ عن شخصية (سي السيد)!


فقد مكتبته أكثر من مرة بسبب المطاردات الأمنية! 

سحرني صلاح السعدني مرتين: الأولى عندما شاهدته وهو أخرس! وقد حدث ذلك في نهاية ستينيات القرن الماضي، عندما كان التليفزيون المصري يعرض مسلسل "الضحية" وهو الجزء الأول من خماسية "الساقية" لعبدالمنعم الصاوي، حيث لعب صلاح دور الشاب الأخرس (أبو المكارم) طيب القلب الذي يشمل تفيدة (زيزي مصطفى) برعايته وحمايته. آنذاك لم أكن أتخيل وأنا طفل في السابعة أن هذا الرجل قادر على الكلام مثلنا، إنه أخرس أصيل.
أما المرة الثانية فحين بهرني أيضا بثقافته الموسوعية لما تشرفت بزيارته في منزله قبل ربع قرن تقريبًا. في ذلك الزمن كنت أجري حوارات موسعة مع النجوم المثقفين حول علاقتهم بالكتاب لأنشره في باب "حكايتي مع الكتاب" الذي يصدر كل اثنين في ملحق "بيان الكتب" الذي ينشر مع صحيفة البيان الإماراتية. وبالفعل اتصلت بالأستاذ صلاح وحدد لي موعدًا في الثامنة مساءً على ألا يتجاوز اللقاء نصف ساعة حتى يتمكن من مشاهدة إحدى مباريات كرة القدم المهمة (لا أتذكرها الآن).
في الموعد المحدد وقفت على باب شقته في شارع أحمد عرابي بالمهندسين. استقبلني الرجل بوجه بشوش وترحاب لطيف وثياب منزلية بسيطة. لم تكن هذه أول مرة أراه فيها وجهًا لوجه، فقد شاهدته قبل ذلك غير مرة: الأولى في احتفالية دار الأوبرا بالعيد الثمانين لميلاد نجيب محفوظ والتي أقيمت في ديسمبر/كانون الأول 1991، إذ ذهبت مبكرًا وتمكنت من الجلوس خلف نجيب محفوظ مباشرة في المسرح الصغير لأتابع ردود أفعاله عن قرب. وقد تبارى كوكبة من نجوم الأدب والفن في إلقاء كلمات الثناء على أعظم مبدع مصري وعربي في الألف عام الأخيرة. واستطاع صلاح السعدني أن ينتزع الضحكة المجلجلة من صاحب نوبل ومن جميع الحضور عندما قال إنه عرف نجيب محفوظ أول مرة وهو في الصف الأول الثانوي حين طالع ثلاثيته موفورة الصيت، وأنه يزعم أن شخصية (السيد عبدالجواد) بطل هذه الثلاثية أكثر أهمية وتأثيرًا في وجدان الشعب المصري من عبدالله فرغلي! فضج الجميع بالضحك وسمعت نجيب محفوظ يقول وهو يشير له بيده: "الله يجازيك يا صلاح".

 صلاح السعدني يمنحك الشعور الجميل بأنه أخوك الأكبر الحنون، أو ابن الجيران الشهم، أو (ابن الحتة) الذي يرفض ظلم كبيرها وجبروته وربما وقف له بالمرصاد

أما المرة الثانية فكانت في مطلع التسعينيات تقريبًا وهو يلعب بطولة المسرحية الرائعة "الملك هو الملك" على مسرح السلام بشارع قصر العيني ومعه محمد منير وفايزة كمال وحسين الشربيني، وقد تألق في أدائه بصورة مدهشة جعلتني أكرر مشاهدة العرض غير مرة والذي أخرجه بذكاء الفنان المسرحي الكبير مراد منير (شقيق الممثلة الرائعة ماجدة منير).
في بيته قادني صلاح نحو غرفة المكتبة، وأشهد أنها مكتبة عامرة بمئات الكتب في المجالات كافة، وقد لاحظت أنه يزيّن المكتبة بعدة صور صغيرة له مع ياسر عرفات وخالد جمال عبدالناصر ومحمود درويش، وصورة أخرى كبيرة وهو يحمل فوق كتفه ابنه الصغير أحمد، النجم الكبير حاليًا.
سألته عن أهم الكتب التي تأثر بها وأسهمت بنصيب في تشكيل ضميره وأفكاره وذائقته ووجدانه، فذكر على الفور موسوعة "قصة الحضارة" للمؤرخ والفيلسوف الأميركي ويل ديورانت، وذكر أيضا ثلاثية محفوظ وأشعار شوقي وصلاح عبدالصبور ومسرح هنريك إبسن وموليير وشكسبير. وبصراحة تحدث الرجل وأفاض، وأفصحت مكتبته العامرة عن حجم معارفه ومدى عشقه للقراءة، ومرت نصف الساعة المحددة وتجاوزنا الساعة ولم يهتم الرجل بالمباراة، ثم مضى الوقت حتى اقترب من الساعتين، ومازلت أسأل ويجيب، وتتناسل من إجاباته أسئلة أخرى لديّ، والرجل كريم لا يبخل أبدًا بالحديث، فهو حكّاء من طراز فريد.
سألته عن كيف يقتني كتبه ومن أين؟ فكشف لي أنه قام بتكوين أكثر من مكتبة طوال حياته، ومع ذلك أجبرته بعض الظروف المعاكسة إلى تركها بسبب القلق الأمني أحيانا أيام أحداث 15 مايو 1971 والتي اعتقلوا فيها شقيقه محمود السعدني، أو بسبب التنقل إلى شقة أخرى وهكذا. كما أكد لي أنه زائر دائم إلى معرض القاهرة للكتاب، علاوة على تعامله مع المكتبات الكبرى مثل الشروق ومدبولي وغيرهما.   
ولما سألته عن طبيعة علاقته بشقيقه الأكبر محمود السعدني (محمود مولود في 1927، وصلاح من مواليد 1943)، تنهد واعتدل في جلسته وتراجع إلى الخلف حتى أراح ظهره على مسند المقعد وقال بمودة وامتنان وحب: محمود هو مصر بالنسبة لي... هو الحارة بجمالها وسحرها وصخبها وتناقضاتها... هو الناس بأحلامهم وآمالهم وأحزانهم وعذابهم.. إنه ليس مجرد أخ أكبر... إنه مصر كلها. 
وحكى لي كيف كان ينتظر عودة أخيه وهو طفل في العاشرة ليسرق الصحف والمجلات التي يأتي بها محمود آخر الليل ويظل يطالعها وهو في السرير حتى يهزمه النعاس فوقها، فيتسلل الطفل صلاح في الصباح إلى غرفة شقيقه ويجتهد في سحب الصحف من تحت جسده برفق فيستقيظ الرجل الشقي ويكيل له السباب من وراء قلبه، وهذه الواقعة تكاد تحدث يوميًا.

وسألته عن طبيعة علاقته بعادل إمام وسعيد صالح، فابتسم الرجل وقال: "إننا أصدقاء العمر والشقاء والنجاح"، ثم حكى لي كيف كانوا في شبابهم لا يملكون قرشا واحدًا، فلما يقرصهم الجوع يتوجهون نحو عم محمد بائع الكباب بالسيدة زينب ويطلبون كيلو كباب بملحقاته من خبز وسلطات، وعندما تخمد نيران جوعهم يسألون الرجل: "كم الحساب يا عم محمد؟"، فيخبرهم أن المبلغ المطلوب هو سبعة جنيهات، وعلى الفور يقولون له "إذن اعطنا ثلاثة جنيهات ويبقى لك عشرة كاملة، ولما نعمل أي دور صغير في أي مسلسل أو فيلم سنردها إليك"! وضحكنا معًا كثيرًا.
وعدت أسأله: هل عادل إمام وسعيد صالح مشغولان بالقراءة؟ فأجاب: "عادل إمام مهموم فعلا، فكثيرًا ما يتصل بي ويسألني: هل الكاتب الفلاني هذا مهم؟ وهل الكتاب العلاني يستحق القراءة؟ فأجيبه، وما أكثر ما أتصل به أنا وأخبره يا عادل... رجاء أرسل من يشتري لك الكتاب الفلاني، ولعل كتب الدكتور سيد القمني أحدث ما اقترحت عليه قراءته"، ثم قال بهدوء: "أما سعيد صالح فعلاقته بالقراءة أقل كثيرًا".
وأذكر أيضا أنني سألته عن علاقته بالكومبيوتر، فأعلن أنه لا يحتمل التعامل معه أكثر من نصف ساعة، ثم ابتسم وأكد لي أن هذه التكنولوجيا الحديثة غدت من نصيب ابني أحمد، أما نحن الكبار فلا نملك البال لنتعامل معها.
استمر اللقاء ثلاث ساعات كاملة، رغم أنه اشترط سابقا ألا يزيد على نصف ساعة، وقبل أن أغادر شقته صافحني بمودة شديدة كأننا صديقان منذ زمن، وقال: "يا ناصر... فور نشر الحوار أرجو أن توافيني بالصحيفة"، ثم أكمل بمحبة: "ولا تنس أن تسأل عني كلما أتيحت لك فرصة".
صلاح السعدني يمنحك الشعور الجميل بأنه أخوك الأكبر الحنون، أو ابن الجيران الشهم، أو (ابن الحتة) الذي يرفض ظلم كبيرها وجبروته وربما وقف له بالمرصاد. 

ونحن نودع شهر رمضان أتذكرك جيدًا يا أستاذ صلاح، وأتذكر أدوارك المدهشة التي شاهدناها في القرن الماضي عبر مسلسلات "أبنائي الأعزاء شكرًا"، و"صيام صيام"، و"سفر الأحلام"، و"ليالي الحلمية"، و"أرابيسك"، و"حلم الجنوبي" وغيرها، وأتذكر أيضا المسرحيات الرائعة التي شارك في بطولتها مثل "لوكاندة الفردوس" مع عبدالمنعم مدبولي وأمين الهنيدي ونجوى سالم، و"معروف الإسكافي" مع عبدالمنعم إبراهيم وسهير المرشدي، و"زهرة الصبار" مع سناء جميل وعبدالرحمن أبوزهرة، وغيرها كثير، أما أدوارك في السينما فتلك قصة أخرى.
ويا أستاذ صلاح... دمت لنا مشمولا بالصحة والسعادة.