ثورة الرواتب بكردستان

بين 900 ألف حساب مصرفي و1200 جهاز صراف آلي مرتقب، تتشكل ملامح مرحلة جديدة يريد إقليم كردستان من خلالها اعلان انتقاله التدريجي من الاقتصاد النقدي التقليدي إلى اقتصاد أكثر حداثة وتنظيما.

في منطقةٍ لا تزال تعتمد إلى حدٍّ كبير على النقد الورقي والروتين الإداري التقليدي، تبدو الخطوات التي تتخذها حكومة إقليم كردستان لإعادة هيكلة القطاع المصرفي أقرب إلى تحول اقتصادي شامل، لا مجرد تحديث إداري عابر، فمشروع 'حسابي' الذي أطلقه رئيس حكومة إقليم كردستان مسرور بارزاني، بات اليوم واحداً من أكبر مشاريع التحول المالي الرقمي في العراق، مع اقترابه من إنهاء واحدة من أكثر الأزمات اليومية التي أثقلت كاهل المواطنين لسنوات: طوابير استلام الرواتب.

الأرقام التي أعلنتها وزارة المالية والاقتصاد في حكومة الإقليم تكشف حجم هذا التحول، فحتى الآن، تم توزيع أكثر من 800 ألف بطاقة مصرفية، وفتح حسابات مصرفية لنحو 900 ألف موظف ضمن مشروع 'حسابي'، في خطوة تهدف إلى نقل الرواتب من النظام النقدي التقليدي إلى النظام المصرفي الإلكتروني. هذا التحول لا يعني فقط تسهيل تسلم الرواتب، بل يمثل تأسيساً فعلياً لاقتصاد رقمي حديث يربط المواطن مباشرة بالمؤسسات المالية الرسمية.

ولسنوات طويلة، ارتبطت أيام صرف الرواتب في العراق، بما فيه إقليم كردستان، بمشاهد الازدحام والطوابير الطويلة أمام المصارف ومراكز التوزيع، إضافة إلى مشاكل التأخير والضغط الإداري والأمني، لكن مع انتشار أجهزة الصراف الآلي في مختلف المدن، بدأت هذه الصورة تتغير تدريجياً، فبحسب الوزارة، تم بالفعل نصب 600 جهاز صراف آلي في عموم الإقليم، مع خطة لرفع العدد إلى 1200 جهاز خلال المرحلة المقبلة، بما يضمن سهولة الوصول إلى الأموال وتقليل الاعتماد على النقد اليدوي.

المشروع لا يحمل بعداً خدمياً فقط، بل يفتح الباب أمام إعادة تنظيم الاقتصاد الداخلي، فعندما يدخل مئات الآلاف من الموظفين إلى النظام المصرفي، تتوسع تلقائياً عمليات الادخار، والتحويل الإلكتروني، والدفع الرقمي، وهو ما يمنح المصارف المحلية قدرة أكبر على الحركة والاستثمار والتمويل. كما أن توطين الرواتب يخلق قاعدة بيانات مالية دقيقة يمكن البناء عليها لتطوير الخدمات الاقتصادية مستقبلاً.

الأهم من ذلك أن المشروع يأتي في توقيت حساس يمر فيه العراق بتحولات مالية وإدارية متسارعة، خصوصاً مع توجه البنك المركزي العراقي نحو تعزيز الأنظمة المصرفية الإلكترونية وتقليل التداول النقدي. لذلك، فإن توافق مشروع 'حسابي' مع ضوابط البنك المركزي يمنحه بعداً استراتيجياً يتجاوز حدود الإقليم، ويجعله نموذجاً يمكن أن يُحتذى به في بقية المحافظات العراقية.

ويرى مختصون في المجال الاقتصادي أن نجاح مشروع "واحد كردستان" مالياً يعكس توجهاً سياسياً واقتصادياً أوسع تسعى حكومة الإقليم إلى ترسيخه، يقوم على تحديث البنية التحتية الإدارية وربط المؤسسات الحكومية بالأنظمة الرقمية الحديثة، فالإصلاح الاقتصادي اليوم لم يعد يُقاس فقط بحجم الإيرادات أو المشاريع العمرانية، بل بقدرة الحكومات على بناء أنظمة مالية شفافة وسريعة ومرنة تخفف العبء عن المواطن.

ورغم التحديات التي تواجه أي عملية تحول رقمي، سواء من ناحية البنية التحتية أو الثقافة المصرفية أو الانتشار الجغرافي، فإن الأرقام الحالية تشير إلى أن المشروع تجاوز مرحلة التجربة، ودخل فعلياً في مرحلة التوسع والاعتماد المجتمعي، فحين يتمكن موظف في قرية نائية أو مدينة مزدحمة من استلام راتبه إلكترونياً خلال دقائق، بعيداً عن الانتظار والطوابير والروتين، فإن ذلك يعني أن التحول الحقيقي بدأ بالفعل.

في النهاية، لا تبدو قصة 'حسابي' مجرد مشروع مصرفي تقني، بل محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين المواطن والدولة عبر التكنولوجيا والأنظمة الحديثة. وبين 900 ألف حساب مصرفي و1200 جهاز صراف آلي مرتقب، تتشكل ملامح مرحلة جديدة يريد إقليم كردستان من خلالها أن يعلن انتقاله التدريجي من الاقتصاد النقدي التقليدي إلى اقتصاد أكثر حداثة وتنظيماً واستقراراً.