1991 بين 'خيمة صفوان' ومفاوضات 'الجبهة الكُردستانية' مفارقات عقلية الدولة والثورة

الأوطان لا تُبنى بالشعارات العاطفية ولا بالولاءات الضيقة، بل تُبنى بوضع الشخص المناسب في المكان المناسب؛ فالتاريخ لا يرحم الهواة، والأرض لا تطهرها النوايا الحسنة

حين هدأ دوي المدافع وصمتت طائرات الجو بعد ربيع عام 1991 الصاخب في كُردستان العراق، اعتقدت الجماهير الكُردية التي خرجت من أتون هجرة مليونيّة كبرى نحو الحدود الإيرانية والتركية أن فصلاً جديداً من الحياة قد بدأ. استبشر الجميع خيراً بجلوس الجبهة الكُردستانية على طاولة واحدة للمفاوضات مع الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين في بغداد، وظنّ السواد الأعظم أن النضال قد أثمر، وأن فقه "الحكم الذاتي" وتوسيع صلاحياته هو غاية المراد ومنتهى الأمل.

لكن، في غمرة الاندفاع العاطفي ونشوة الخروج من كابوس الإبادة، غاب عن الأذهان أن الحروب لا تنتهي بمجرد جرة قلم على ورق التسويات السياسية، بل تنتهي حين تُقتلع بذور الموت من أحشاء الأرض. اليوم، وبعد مرور خمسة وثلاثين عاماً على تلك الحقبة، نكتشف بكثير من الأسى والمرارة أن هناك حرباً صامتة، ضروساً ومستمرة، ما زالت تحصد أرواح الأبرياء من الفلاحين والرعاة والأطفال في قرى وجبال كُردستان.

إنها حرب "الألغام الموقوتة"؛ تلك الترسانة المرعبة التي زرعها الجيش العراقي إبان الحرب العراقية الإيرانية وفي فترات القمع اللاحقة ضد قوات البيشمركة الكُردية، والتي تُقدّر بالملايين، لتغدو مأساة يومية يتجاوز عدد ضحاياها التراكمي ضحايا فاجعة حلبجة الشهيدة أو يكاد، غير أن المفارقة المُرّة هنا ليست فيمن زرع تلك الألغام فحسب، بل في "هفوة" تلك اللجان التي فاوضت باسم الضحايا، فنسيت أو تناست أن تطالب بـ"مفاتيح النجاة": خرائط تلك الحقول اللعينة.

من "خيمة صفوان" إلى "دهاليز بغداد": فارق عقلية الدولة والثورة

ولكي ندرك حجم الخطيئة التاريخية التي ارتكبها الوفد الكُردي المفاوض في تلك الآونة، يفرض التاريخ علينا عقد مقارنة موضوعية وبيروقراطية صارمة بين مسارين تفاوضيين تزامنا في ذات العام تقريباً مع ذات الخصم (نظام بغداد): مسار "اتفاقية خيمة صفوان" ومسار "مفاوضات بغداد الكُردية".

والمقارنة بين "خيمة صفوان"، حيث تحرك الكويتيون بعقلية الدولة التي تحمي مستقبل أرضهم، وبين مفاوضات بغداد 1991، حيث تحرك الوفد الكُردي بنشوة "الثورة" والبحث عن اعتراف بالحكم الذاتي، تُفجّر تساؤلاً جوهرياً حول ثمن "الهفوات" في الغرف المغلقة، وكيف يتحول خطأ تفاوضي إلى عبوات موقوتة تحصد أرواح الأبرياء في جبال كُردستان على مدى 35 عاماً،) بمعنى أننا أمام آلية تفاوض غاب عنها "التكنوقراط"، وحضرت فيها العاطفية والارتجال السياسي.

في الأول من آذار/مارس عام 1991، وفي خيمة منصوبة ببلدة "صفوان" الحدودية، جلس قادة التحالف الدولي بقيادة الجنرال الأميركي نورمان شوارسكوف والأمير السعودي خالد بن سلطان، يواجهون الوفد العراقي بقيادة اللواء الركن سلطان هاشم، معاون عمليات رئيس أركان الجيش آنذاك، واللواء الركن صلاح عبود، قائد الفيلق الثالث.

وتذكر مذكرات القادة العراقيين أنفسهم، وتؤكد الوثائق الرسمية لتلك الحقبة، أن أولى المطالب التي طُرحت على الطاولة بقسوة وصرامة، وقبل الدخول في أي تفاصيل أمنية أو سياسية أو عسكرية أو حتى ملف رسم الحدود، كانت خرائط الألغام الأرضية والبحرية التي زرعها الجيش العراقي في أرجاء دولة الكويت.

تحرك الجانب الكويتي وحلفاؤه بعقلية الدولة والمؤسسات، وأدركوا مبكراً أن سلامة المواطن في المستقبل تبدأ من تطهير جغرافيا الوطن. وبفضل هذا الحزم المستند إلى رؤية الخبراء والمختصين، تسلمت الجهات المعنية تلك الخرائط كاملةً وتفصيلياً، وتمت إزالة الألغام من أرض الكويت حتى غدت بيئة آمنة، ولم نسمع منذ عام 1991 وحتى اللحظة أن مواطناً كويتياً واحداً سقط ضحية لمخلفات تلك الحرب في بلاده.

في المقابل، لو التفتنا صوب "دهاليز بغداد"، حيث كانت تُجرى المفاوضات الكُردية، نجد مشهداً مغايراً تماماً. تحرك الوفد الكُردي بعقلية "الثورة" و"البيشمركة"، المدفوعة بحسن النوايا وغياب التخطيط المسبق والافتقار الواضح إلى لجان تخصصية من أصحاب الكفاءات العسكرية والهندسية والقانونية. انصبّ التركيز الكُردي بالكامل على رسم حدود الحكم الذاتي، والاعتراف السياسي، وكيفية تقاسم السلطة الإدارية، متناسين تماماً أن الجبال والسهول التي يطالبون بإدارتها مفخخة بملايين العبوات الموقوتة.

تهافت الذرائع المتأخرة: وهم الإنكار كشماعة للتنصل؟

يحاول بعض المحسوبين على تلك اللجان التفاوضية اليوم تبرير هذا التغافل التاريخي وصرف الأنظار عن خطيئتهم باختلاق رواية متأخرة مفادها "إننا لو كنا قد فاتحنا الجانب العراقي آنذاك، لكان نظام صدام حسين قد أنكر وجود هذه الخرائط أو ادعى ضياعها من الأرشيف العسكري!"، وفي رواية أخرى يزعمون، واهمين، أنهم جسّوا نبض بغداد بشكل هامشي فجاءهم الإنكار.

وهي رواية يرفضها العقل العسكري والتحليلي جملةً وتفصيلاً؛ فالجيش العراقي، رغم كل مساوئ النظام العراقي السابق، كان يمتلك واحدة من أكثر المنظومات العسكرية تنظيماً وتوثيقاً في الشرق الأوسط. إن زراعة حقول الألغام في العقيدة العسكرية الكلاسيكية لا تتم عشوائياً، بل تخضع لخرائط دقيقة وإحداثيات صارمة تُحفظ في أرشيف قيادات العمليات والفصائل الهندسية، لضمان عدم وقوع قطعات الجيش نفسه في مصيدتها أثناء التحركات والانسحابات.

علاوة على ذلك، فإن حجم حشود القوات العراقية في جبهة الكويت، بعدتها وعتادها وعديدها، كان أضعاف أضعاف الألوية والفرق العسكرية المتواجدة في كُردستان، مما يعني أن حجم الألغام والمخلفات الحربية التي زُرعت في الكويت يفوق بمراحل ما زُرع في جبال الإقليم. ومع ذلك، وبفعل الضغط التفاوضي الحازم والمبني على المعرفة في "خيمة صفوان"، أُجبر النظام العراقي على إبراز خرائط الكويت وتسليمها كاملةً في غضون ساعات.

الألغام في كردستان العراق
كردستان تدفع ثمن خطايا التفاوض مع بغداد

الحقيقة المُرّة التي لا يمكن حجبها بغربال التبريرات هي أن الوفد الكُردي لم يطالب بتلك الخرائط أصلاً، ولم يُدرج هذا الملف الحيوي في الأجندة؛ فبغداد لم تملك فرصة الإنكار لأنها لم تُسأل أساساً! هذا الغياب التام للمطالبة يعكس قلة الخبرة، وغياب المستشارين الحقيقيين من ذوي الاختصاص، والاندفاع العشوائي الذي أدار غرف المفاوضات بنشوة اللحظة والاندفاع غير المدروس في إدارة كواليس التفاوض. والحقيقة المُرّة هنا ليست في مواقف بغداد، بل في ضعف الحجة الكُردية، وغياب الإصرار، وعدم إدراج هذا الملف كبند سيادي حيوي لا يمكن التنازل عنه أو تمرير الاتفاقيات دونه.

الجذر الأزلي للأزمة: الوصفة التدميرية" المطبقة طوعاً في إقليم كُردستان

إن هذه الهفوة القاتلة في عام 1991 لم تكن مجرد حادثة عابرة فرضتها ظروف اللحظة، بل كانت، للأسف الشديد، اللبنة الأولى والنموذج البنيوي الذي تأسس عليه إقليم كُردستان منذ الكابينة الحكومية الأولى عام 1992. إنها أزمة "المحسوبية والمنسوبية" وإقصاء ذوي الاختصاص لحساب الولاءات الحزبية الضيقة.

وفي هذا السياق، يُستحضر فصل تاريخي شهير من حقبة الحرب الباردة؛ حيث يُحكى أن وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (CIA) حاولت مراراً استمالة الرئيس اليوغسلافي جوزيف تيتو للتعاون مع المعسكر الغربي ضد الاتحاد السوفيتي والمعسكر الاشتراكي، عارضةً عليه إغراءات مالية ومكاسب خيالية. رفض "تيتو" الأمر قطعياً بدافع وطنيته وحرصه على وحدة يوغسلافيا متعددة العرقيات. حينها، فاجأه ضابط الاستخبارات الأميركي بردّ يحمل عبقرية خبيثة في تدمير الدول، قائلاً "لسنا بحاجة لأن ترسل لنا تقريراً واحداً، ولا معلومة واحدة، ولا نريد الاجتماع بك، ولن تقابلنا طوال حياتك، ولن نرسل لك أحداً.. نريد منك شيئاً واحداً حصرياً: فقط أن تضع الأشخاص غير المناسبين وغير المؤهلين في المناصب الحكومية والحزبية الحساسة!! ونحن نتعهد لك بأن تتحول ملايين الدولارات سنوياً إلى حسابك.. لأن وضع غير الكفؤ في مكان القرار كفيل بتهديم أركان الدولة ومفاصل المجتمع دون الحاجة إلى رصاصة واحدة".

المأساة الكبرى في إقليم كُردستان أننا، ومنذ عام 1992، وبدون توصية من سي أي ايه أو ضغوط خارجية، قمنا بتطبيق هذه "الوصفة التدميرية" طوعاً وبشكل شبه كلي، فبدلاً من اعتماد معايير الكفاءة والنزاهة والتخصص العلمي والعسكري والإداري في شغل المناصب الحساسة (مثل لجان التفاوض، وإدارة الوزارات السيادية، والتخطيط الاستراتيجي)، سارت الأمور وفق بوصلة المحسوبيات والمصالح الحزبية الضيقة. ونتيجة لذلك، دفعنا وما زلنا ندفع ثمن وجود الهواة في أماكن المحترفين، بحيث دبّ المرض في غالبية مفاصل الدولة.

إنها معضلة "التضخم في الشكل، والإفلاس في المضمون"؛ فحين تتحول الشهادات في إقليم كُردستان، خاصة البكالوريوس والماجستير والدكتوراه، إلى وجاهة اجتماعية وبطاقات عبور حزبية وتُنال بلا كفاءة أو استحقاق مشروع، يصبح لزاماً علينا، بحسب لغة الأرقام، أن نغزو كوكب المريخ! لكننا في الواقع نغرق في طامتنا الكبرى: تسليم مقاليد الحكم ومفاصل القرار لهواة يحملون ألقاباً برّاقة بلا علم حقيقي، لتتحول الشهادة العليا من أداة لبناء الوطن إلى معول لهدمه ومأساة يومية يدفع الشعب ثمنها.

بين عبقرية الغرب ومحاربة النجاح

وتتجلى خلاصة هذه المعاناة المريرة في الكلمات الخالدة للعالم المصري الراحل الحاصل على جائزة نوبل في الكيمياء الدكتور أحمد زويل، حين قال واصفاً الفجوة الحضارية "الغرب ليسوا عباقرة، لكن الفرق بيننا وبينهم: هم يدعمون الفاشل حتى ينجح، ونحن نحارب الناجح حتى يفشل".

هذه المقولة تلخص بدقة معاناة المئات، بل الآلاف، من الكفاءات العالية والنخب الحقيقية والتكنوقراط في إقليم كُردستان؛ أصحاب العقول الذين جرى تهميشهم وإقصاؤهم خلف جدران "الولاء قبل الكفاءة"، لتخلو الساحة لشخصيات قادت الإقليم بعشوائية وارتجال.

إن ضحايا الألغام الذين يسقطون اليوم في كُردستان ليسوا ضحايا لحديد النظام السابق المزروع في الأرض فحسب، بل هم ضحايا مزدوجون: يدفعون أولاً ضريبة لغم زرعه نظام بائد، ويدفعون ثانياً ضريبة "لغم إداري وتفاوضي" تركه وفد مفاوض كُردي افتقر إلى الوعي المطلوب والدراية الكاملة، ولم يدرك كيف يحمي شعبه في غرف السياسة (مع وافر احترامي لما قدمه بعضهم من تضحيات وتاريخ نضالي وخبرات قيادية).

لقد حان الوقت، وأي وقت مضى، لإدراك أن الأوطان لا تُبنى بالشعارات العاطفية ولا بالولاءات الضيقة، بل تُبنى بوضع الشخص المناسب في المكان المناسب؛ فالتاريخ لا يرحم الهواة، والأرض لا تطهرها النوايا الحسنة، بل تطهرها عقول العلماء والمختصين، وتصنع أمجادها سواعد المخلصين، فلا تُبنى الأوطان بالأمنيات، بل بالإنجازات.