فوارق السيادة والتمزق: الكُرد وإسرائيل في ميزان الحصانة والتشتت

الصراع بين الأحزاب الكُردية والتنافس المستعر على السلطة والموارد والنفوذ المحلي يعكس عقلية "المقامرة البينية" بأوضح صورها، حيث يقامر كل طرف طمعاً في تحقيق انتصار مؤقت أو مكسب حزبي ضيق على حساب شريكه.

في تفكيك سيكولوجيا الشعوب وتاريخها السياسي ثمة تفاصيل تبدو في ظاهرها تنظيمية أو قانونية بحتة، لكنها في العمق تمثل الشيفرة الجينية لكيفية إدارة الوجود وصناعة القوة. إن المفارقة الصارخة التي تتجلى عند دراسة قطاع المراهنات العالمي تكشف عن بعد فلسفي وتنظيمي فريد؛ فأباطرة الكازينوهات وأكبر صالات القمار في عواصم المال والترفيه العالمية، من لاس فيغاس إلى المقاصد الأوروبية والآسيوية، يمتلكها أو يدير شطرها الأكبر عقول ومستثمرون يهود، في حين تفرض إسرائيل في داخلها واحداً من أصرم القوانين الجنائية التي تحظر القمار حظراً شبه كلي، وتلاحق المخالفين بعقوبات مالية باهظة وأحكام بالسجن الفعلي تصل إلى ثلاث سنوات.

هذه المفارقة ليست عشوائية، بل هي انعكاس لعقيدة سياسية واجتماعية راسخة يمكن تكثيفها في قاعدة ذهبية: "العب مع العالم، وتنافس معه، واستنزف موارده، لكن لا تلعب مع شقيقك، ولا تراهن على مقدرات بيتك الداخلي". هنا يتضح سر القوة البنيوية؛ فالقمار في جوهره هو لعبة صفرية، تقوم على مبدأ أن ربح طرف هو بالضرورة خسارة مطلقة للطرف الآخر، وهو نشاط يفضي حتماً إلى تآكل الثقة، وتدمير النسيج الاجتماعي، وزرع البغضاء والشحناء بين أبناء الجماعة الواحدة.

وحين تمنع الدولة العبرية هذا السلوك في بيئتها الداخلية، فإنها تمارس نوعاً من الحصانة الذاتية لحماية رأس المال الاجتماعي من التفتت، محولةً التنافس والصراع نحو الخارج، ليظل الداخل واحة من التضامن العضوي رغم كل التباينات الإثنية والطائفية والقومية التي تشكل المجتمع الإسرائيلي المستورد من شتى أصقاع الأرض.

على الضفة المقابلة من هذه المعادلة التاريخية القاسية، تبرز التراجيديا الكُردية كنموذج معاكس تماماً في آليات إدارة الذات وعلاقتها بالآخر. فالكُرد، كشعب يتمتع بامتياز تاريخي من حيث الأصالة والارتباط العضوي بالأرض، وكتاريخ حافل بالتضحيات والنضال، يتسمون في سلوكهم الجمعي، لا سيما الطبقة السياسية والحزبية، بمرونة مفرطة، وطيبة تقترب من السذاجة السياسية في تعاملهم مع القوى الخارجية، حتى مع تلك الأنظمة والدول التي دمرت حواضرهم وحطمت مستقبل أجيالهم وصادرت أحلامهم عبر الحقب والعقود.

غير أن هذه المرونة الخارجية الفائقة تتحول، ويا للمفارقة، إلى قسوة مفرطة، وتنافس مرير لا يرحم، وصراع دائم ومستعر حين يتعلق الأمر بالعلاقات الكُردية الكُردية!!. إنهم يمارسون "المقامرة الصفرية" بأبشع صورها مع أبناء جلدتهم، حيث يسعى كل فصيل أو حزب أو وجه سياسي إلى إلغاء الآخر، وإقصائه، وعدم الاعتراف بوجوده، متناسين أنهم جميعاً يجلسون على نفس الطاولة المحفوفة بالمخاطر، وأنهم يبحرون في قارب واحد يهدده الغرق عند أول عاصفة إقليمية.

سيكولوجيا التضامن الإسرائيلي: إدارة التناقضات تحت سقف واحد

من المذهل حقاً أن نرى كيف نجحت المنظومة اليهودية في صهر هويات متنافرة من اليهود الأشكيناز الغربيين إلى السفارديم والشرقيين الفلاشا، وصولاً إلى التيارات العلمانية المتطرفة والدينية المتزمتة في قالب قومي موحد لا يقبل التجزئة عند المنعطفات المصيرية.

إن سر هذا النجاح يكمن في إدراكهم العميق لمفهوم "المصير المشترك"، فالقانون الذي يمنع القمار ويعاقب عليه بالسجن هو تجسيد رمزي لرفض السماح ببروز بؤر صراع داخلي تأكل الثروة الوطنية أو تمزق الروابط البينية. لقد تعلم اليهود من تشتتهم الطويل عبر التاريخ أن البقاء في محيط معادٍ يتطلب تجميد الخلافات الداخلية وتصدير كل أدوات التنافس والضغط نحو العالم الخارجي.

في هذا السياق، تصبح كازينوهات العالم ساحة للاستثمار وجني الأرباح والتأثير والنفوذ، بينما يظل البيت الداخلي مقدساً ومحمياً بأسوار من التشريعات الصارمة التي تمنع الفرد من التغذي على حساب أخيه. هذه الرؤية البنيوية لا تتوقف عند حدود الاقتصاد أو الترفيه، بل تمتد لتشمل الإستراتيجية السياسية برمتها؛ فالأحزاب الإسرائيلية قد تختلف وتتصارع وتتبادل أبشع التهم في الكنيست وفي وسائل الإعلام، لكنها بمجرد أن تواجه تحدياً خارجياً، أو عندما يتعلق الأمر بالخطوط الحمر للأمن القومي وبناء الدولة، تتحول إلى كتلة صلدة واحدة. إنهم ينافسون العالم، يتحدونه، ويخترقون مفاصل قواه الحيوية، لكنهم لا يسمحون أبداً للقوى الخارجية بأن تلعب على حبال الخلافات الداخلية لتهديم الهيكل من الداخل.

إن الحظر الصارم للقمار داخل إسرائيل يرسل رسالة تربوية وسياسية بليغة لأفراد المجتمع مفادها "إن أموالكم، وجهودكم، وطاقاتكم الذهنية يجب أن تُستثمر في البناء المشترك، وليس في المقامرة ببعضكم البعض". هذا الانضباط الحديدي هو الذي خلق تلك المناعة السياسية والاقتصادية، وجعل من كيان يتكون من خليط غير متجانس من الثقافات يظهر أمام العالم كقوة إقليمية قادرة على فرض شروطها وإدارة صراعاتها بكفاءة مستندة إلى ظهر داخلي محمي بوعي جمعي حاد.

التراجيديا الكُردية: مرونة الخارج وانتحار الداخل

في المقابل، يمثل المشهد السياسي الكُردي المعاصر والتاريخي تجسيداً حياً لغياب هذه العقيدة البنيوية، مما يفسر بقاء هذا الشعب العظيم بلا دولة جامعة رغم كل الفرص التاريخية والتضحيات الجسام، فالكُرد، بطبيعتهم الإنسانية والاجتماعية، شعب يتصف بالشهامة والمرونة والترحيب بالضيف، والقدرة العالية على التعايش مع القوميات الأخرى، وهي صفات نبيلة في سياقها الإنساني، لكنها عندما تُترجم إلى لغة السياسة البراغماتية دون ضوابط، تتحول إلى ثغرات قاتلة يستغلها الأعداء والمنافسون الإقليميون، فالقادة والسياسيون الكُرد أظهروا مراراً وتكراراً مرونة لا متناهية مع العواصم الإقليمية والدولية، ووثقوا بوعود خارقة تبخرت سريعاً عند أول منعطف للمصالح الدولية، وظلوا يمدون أيدي السلام والمهادنة لقوى ومشاريع لم تتردد يوماً في سحق تطلعاتهم.

ولكن، ما إن تلتفت هذه النخب السياسية نحو الداخل الكُردي، حتى تتبدل تلك المرونة إلى قسوة حديدية، ويتحول التسامح إلى عداء مستحكم، وتندلع مأساة "صراع الإخوة" التي أهدرت عبر التأريخ من الدماء والوقت والطاقات ما كان كافياً لبناء دول وإمبراطوريات.

إن الصراع بين الأحزاب الكُردية، والتنافس المستعر على السلطة، والموارد، والنفوذ المحلي، يعكس عقلية "المقامرة البينية" بأوضح صورها، حيث يقامر كل طرف طمعاً في تحقيق انتصار مؤقت أو مكسب حزبي ضيق على حساب شريكه في الدم والمصير.

وتتجلى هذه الأزمة الإستراتيجية عبر محورين أساسيين يلخصان مكامن الخلل في العقلية السياسية السائدة:

تشتيت الجهد الدبلوماسي والأمني: بدلاً من بناء خطاب سياسي ودبلوماسي موحد ومؤسسات وطنية عابرة للاحتراب الحزبي، سعت الأطراف الكُردية في كثير من المحطات التاريخية إلى الاستقواء بالقوى الإقليمية والخارجية ضد بعضها البعض، مما منح تلك القوى، التي لا تريد للكُرد خيراً، مفاتيح اللعبة والقدرة على تحريك الخيوط وإبقاء الجسد الكُردي في حالة نزيف دائم.

غياب ثقافة الاعتراف المتبادل: تعاني النخب السياسية من أزمة عميقة في قبول الآخر الشريك؛ فكل حزب يرى في نفسه الممثل الشرعي الوحيد والوصي على القضية، ويعامل الطرف الآخر كخصم وجودي يجب كسر إرادته، وهو سلوك يفتقر إلى أدنى مستويات الحصانة القومية التي يتمتع بها الخصوم الإقليميون.

عبء التاريخ وفرص المستقبل: تغيير قواعد اللعبة

إن هذه المقارنة المؤلمة بين السلوكين اليهودي والكُردي تضع النخب الفكرية والسياسية الكُردية أمام مرآة الحقيقة التاريخية عارية من أي رتوش، فالأمم لا تُبنى بالطيبة المفرطة تجاه الخارج ولا بالقسوة الممنهجة تجاه الداخل، بل إن صرح الدولة يحتاج أولاً وقبل كل شيء إلى "عقد اجتماعي وسياسي" يحرم ويجرم المقامرة بالمصير المشترك.

 إن بقاء الكُرد في قارب واحد يتقاذفه الموج وسط محيط إقليمي هائج ومتغير، يحتم عليهم إدراك أن غرق أي جزء من هذا القارب يعني غرق الجميع بلا استثناء، وأن الانتصارات الحزبية الصغيرة في ظل الهزيمة القومية الكبرى ليست سوى وهم وسراب.

إن العبرة المستوحاة من النموذج اليهودي في هذا الشأن ليست دعوة لاستنساخ أدواتهم، بل هي دعوة لفهم آليات حماية الذات الجماعية؛ فالقوة تبدأ من فرض هيبة القانون الداخلي الذي يمنع الاستقواء بالخارج، ويمنع تدمير الشريك، ويؤسس لوعي جمعي يعتبر أي مساس بالوحدة الداخلية بمثابة خيانة وجودية.

 إن الكُرد اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، بحاجة إلى ثورة فكرية وسياسية تعيد ترتيب الأولويات، بحيث تصبح المرونة والتحالفات إستراتيجية خارجية تخدم القضية الأم، وتتحول القسوة والحزم إلى أدوات تُشهر فقط في وجه التشرذم، والتفتت، ومحاولات اختراق الصف الداخلي.

خلاصة القول، إن سر قوة الأمم يكمن في قدرتها على التمييز بين ساحة المنافسة الخارجية ومساحة التضامن الداخلي. وحين يتعلم الكُرد كيف يتوقفون عن "المقامرة ببعضهم البعض"، وكيف يوجهون طاقاتهم الهائلة ومواهبهم نحو منافسة العالم وبناء مؤسساتهم بروح الفريق الواحد والشعور بالمصير المشترك، حينها فقط سينفضون عن كاهلهم غبار الويلات والتشتت، ويخطون بثقة نحو أخذ مكانهم الطبيعي والمستحق تحت شمس الأمم المستقلة ذات السيادة، مغيرين بأيديهم مجرى التاريخ الحزين ومستبدلين إياه بمستقبل مشرق تصنعه وحدة الإرادة والهدف.