هل ايران "ستار دخاني" لهدف أبعد؟ تحييد الرمح المصري وإحياء "البعث" العراقي !!
عندما تتحدث الجغرافيا السياسية، تصمت العواطف وتنحني التحالفات التقليدية أمام رياح المصالح الكبرى. نحن نعيش اليوم لحظة تاريخية تشبه في ثقلها لحظة "سقوط بغداد على يد المغول 1258م" أو "اتفاقية سايكس بيكو 1916م"، لكنها هذه المرة تجري تحت غطاء من "التحالفات الهشة" والوعود الدبلوماسية المضللة.
إن القراءة السطحية للأحداث توحي بأن الصراع ينحصر في تحجيم نفوذ طهران وأذرعها، لكن القراءة العميقة لما بين السطور والخرائط تُشير إلى زلزال قادم يستهدف "الكتلة العربية الصلبة" المتبقية.
إن السؤال الذي يجب أن يُطرح وبقوة: ماذا لو كانت إيران مجرد "ستار دخاني" لهدف أبعد وأخطر؟ وماذا لو كان الحليف الاستراتيجي، المملكة العربية السعودية، هو الرقم الصعب المطلوب تفكيك معادلته في المرحلة القادمة؟
المحور الأول: خديعة الحليف.. لماذا السعودية وليست تركيا؟
يسود اعتقاد لدى الكثيرين بأن تركيا، بطموحاتها "العثمانية الجديدة" وتدخلاتها في الملفات السورية والليبية والقوقازية، هي المرشح الأول لتلقي ضربات الارتداد بعد تقليم أظافر إيران، لكن هذا الاعتقاد يغفل حقيقة أن تركيا، رغم كل الملاحظات الغربية على سياساتها، تظل "عضواً بنيوياً" في حلف الناتو، وتمتلك قاعدة صناعية وعسكرية ومؤسساتية تجعل كلفة الصدام المباشر معها باهظة جداً وغير مضمونة النتائج. أما المملكة العربية السعودية، فهي تمثل "الخاصرة الرخوة" في لعبة التوازنات الكبرى لسببين:
1 الرمزية الدينية والسياسية: السعودية هي "الأخ الأكبر" والعمق الاستراتيجي للعالم السني والإسلامي. إضعافها يعني تلقائياً كسر الهيبة السنية في مواجهة أي مشاريع قادمة.
2 خزينة العالم: السيطرة على القرار المالي السعودي هي الغاية القصوى للقوى الدولية التي تريد تأمين مرحلة "ما بعد النفط" وضمان ألا تُستخدم هذه الثروات في بناء قوة عربية مستقلة.
إن الاستراتيجية الدولية التي تتبلور الآن لا تهدف إلى استبدال نفوذ إيراني بنفوذ عربي قوي، بل تهدف إلى خلق "إقليم بلا رؤوس". ومن هنا، يصبح استهداف السعودية، رغم تحالفها الاستراتيجي مع واشنطن، ضرورة جيوسياسية لتفكيك آخر قلاع المركزية العربية.
المحور الثاني: "الغاية تبرز الوسيلة".. السعودية كمفتاح لسقوط مصر
هنا نصل إلى جوهر التحليل الأكثر حساسية: إن استهداف السعودية ليس غاية في حد ذاته فحسب، بل هو "وسيلة" لضرب القلب النابض للأمة العربية، وهي جمهورية مصر العربية.
مصر هي القوة العسكرية العربية الأولى، وهي "رأس الرمح" الحقيقي في أي معادلة صراع إقليمي. هي الدولة التي تملك الكتلة البشرية الهائلة، والعقيدة العسكرية الراسخة، والشرعية التاريخية كقائدة للمنطقة، لكن الثغرة الكبرى في الجسد المصري هي الاقتصاد. تعتمد مصر بشكل عضوي واستراتيجي على الاستقرار المالي في الخليج، وعلى رأسه السعودية، لتأمين وفوراتها المادية وقدرتها على الصمود أمام الأزمات الاقتصادية العالمية.
المخطط يقرأ الآتي:
بإضعاف السعودية أو إدخالها في دوامات من القلق السياسي أو الإنهاك المالي عبر مشاريع كبرى واستنزافات مدروسة، ستجد مصر نفسها وحيدة في مواجهة أزمات اقتصادية طاحنة. وبسقوط "الممول" أو "السند المالي" (السعودية)، تضعف تلقائياً "القوة الضاربة" (مصر).
إن إخراج مصر من معادلة الصراع الإقليمي عبر بوابة "الجوع والفقر والديون" هو الهدف الحقيقي من إضعاف السعودية، فالهدف ليس النفط السعودي فقط، بل هو تحييد الجيش المصري ومنع مصر من ممارسة دورها كقائد وحامي للأمن القومي العربي، مما يترك الساحة خالية تماماً أمام المشروع الإسرائيلي والمشاريع الدولية الأخرى لرسم خارطة المنطقة دون "فيتو" عربي عسكري.
المحور الثالث: وهم السلطة في العراق.. لماذا لن يحكم السنة أو الكرد؟
بالانتقال إلى الساحة العراقية، نجد أن القوى السنية والكُردية تراهن منذ سنوات على لحظة سقوط أو إضعاف النفوذ الإيراني. يعتقد هؤلاء أن انحسار السلطة الشيعية المرتبطة بطهران سيعيد مفاتيح المنطقة الخضراء إلى السنة، أو يمنح الكُرد استقلالاً ناجزاً.
لكن الحقيقة المرة التي يجب أن يدركها الجميع هي أن الولايات المتحدة والقوى الدولية لا تؤمن "بالعدالة التاريخية" أو "الاستحقاق المكوناتي". واشنطن تدرك تماماً أن تسليم السلطة للسنة في العراق بعد عقود من الحكم الشيعي يعني الدخول في حرب أهلية طائفية لا تنتهي، كما أنها تخشى من صعود تيارات إسلامية سنية قد لا تكون موالية لها. وفي الوقت نفسه، هي لا تريد بقاء العراق "حديقة خلفية" لإيران.
الحل الأميركي المقترح: عودة "البعث" بتطريز جديد
إن واشنطن تبحث عن "الطرف الثالث" الذي يمكنه ضبط إيقاع الشارع العراقي بقوة الحديد والنار، وفي نفس الوقت يمتلك شرعية "وطنية" عابرة للطوائف. هذا الطرف هو "حزب البعث"، ولكن ليس بصورته القديمة المنبوذة، بل بإطار "تكنوقراطي-أمني" جديد. ويخطئ من يظن أن حزب البعث كان حزباً سنياً خالصاً؛ فالتاريخ يخبرنا أن قادة كبار في البعث كانوا من الشيعة، أمثال:
فؤاد الركابي: مؤسس البعث في العراق.
سعدون حمادي: العقل الاقتصادي والدبلوماسي للنظام السابق.
محمد سعيد الصحاف: الوجه الإعلامي الشهير.
طالب شبيب: أحد أعمدة انقلاب 1963 ومحسن الشيخ راضي وحسن علي العامري ومحمد حمزة الزبيدي والقائمة تطول.
إن الخطة القادمة للعراق تكمن في "إعادة تدوير" هذه العقيدة العلمانية-القومية التي تضمن ولاء الشيعة (قومياً) والسنة (سياسياً)، وتمسك العصا من الوسط. نظام "بعثي مطور" يقمع المليشيات، ينهي النفوذ الإيراني، لكنه في نفس الوقت يظل منضبطاً تحت سقف المصالح الأميركية ولا يسمح للسنة بالانفراد بالسلطة ولا للكُرد بالانفصال والاستقلال.
إنه نظام "الرجل القوي" الذي يضمن استقرار "خزانات النفط" وتأمين الحدود مع إسرائيل، دون الدخول في دهاليز الديمقراطية العددية التي تمنح الغالبية (60 في المئة شيعة) حق الحكم.
المحور الرابع: هندسة الفوضى ونتائج "تصفير الرؤوس"
إن ما يجري الآن هو عملية "تصفير" للمنطقة.
1 المرحلة الأولى: ضرب إيران وتفكيك نفوذها لإزالة "البعبع" الذي كان يُستخدم لتخويف الخليج.
2 المرحلة الثانية: بمجرد زوال الخطر الإيراني، ستفقد دول الخليج (وعلى رأسها السعودية) مبرر "الحماية الأميركية" مقابل النفط، وتبدأ الضغوط المباشرة لتغيير الأدوار الوظيفية لهذه الدول أو إضعافها مالياً.
3 المرحلة الثالثة: انكماش الدور المصري نتيجة غياب الدعم الخليجي، مما يجعل "رأس الرمح" العربي بلا نصل، وتصبح الدولة المصرية مشغولة بتأمين رغيف الخبز بدلاً من تأمين الأمن القومي.
4 المرحلة الرابعة: إعادة هندسة العراق وسوريا عبر أنظمة أمنية مركزية (بعثية مطورة أو عسكرية علمانية) تكون وظيفتها الأساسية هي "حرس حدود" ومنع انفجار الهجرات نحو أوروبا وتأمين تدفق الطاقة.
المحور الخامس: التحديات الوجودية واليقظة المتأخرة
إن الخطورة في هذا السيناريو تكمن في "التوقيت". فالقوى العربية حالياً تعيش حالة من التشرذم غير المسبوق. العراق غارق في وحل الصراعات المكوناتية، وسوريا خارج الخدمة، واليمن جرح نازف. لم يتبقَ سوى "المحور السعودي-المصري" كآخر خط دفاع عن فكرة "الدولة العربية".
إذا استمر الرهان على الوعود الأميركية، فإن المنطقة ستستيقظ على خريطة جديدة لا مكان فيها للدول الكبرى. إن الهدف من إضعاف السعودية ثم مصر هو جعل إسرائيل هي "المركز" الوحيد المستقر والمهيمن تكنولوجياً وعسكرياً واقتصادياً في الشرق الأوسط، وتحويل العواصم العربية إلى مجرد "أطراف" تابعة تدور في فلك "النظام الإقليمي الجديد".
رسالة إلى أولي الألباب
إن التاريخ لا يرحم أحداً، والسياسة الدولية لا تعترف بالصداقات الدائمة بل بالمصالح المتغيرة. وعلى النخب السياسية في العراق، خاصة السنة والكُرد، أن يدركوا أن واشنطن لن تسلمهم مفاتيح البلاد على طبق من ذهب، بل هي تعد العدة لنموذج حكم "وظيفي" قد يكون أكثر قسوة من كل ما سبق.
وعلى القيادات في الرياض والقاهرة أن يدركوا أن مصيرهما واحد، فلا السعودية ستسلم إذا سقطت مصر اقتصاديا، ولا مصر ستنجو إذا فُككت السعودية سياسياً أو مالياً. إنها معركة "كسر عظم" تستهدف الوجود العربي ككتلة موحدة.
لقد آن الأوان للخروج من عباءة المراهنات الخارجية والبحث عن "مشروع عربي ثالث" يجمع بين المال والسيادة والسلاح، قبل أن تُفرش الخرائط الجديدة على الطاولات ويُصبح العرب مجرد "وقود" لمرحلة دولية جديدة لا تعترف بوجودهم كلاعبين، بل كأدوات وساحات لتصفية الحسابات. إن الهدف القادم قد يكون السعودية، والغاية الكبرى هي مصر، والوسيلة هي "الفوضى المنظمة" في العراق.. فهل من مدّكر؟