فوبيا التاريخ وخريف السيادة : تشريح سيكولوجيا السياسة لحكام العراق الجدد

المدن العراقية التي تغرق في الإهمال الخدمي والارتباك الاقتصادي ليست ضحية لنقص الموارد، بل هي ضحية "الصراع الصفرِي" على السلطة.

في المشهد العراقي المعاصر، لم تعد السياسة مجرد "فن إدارة الممكن"، بل تحولت إلى "فن إدارة المخاوف". إن القارئ المتفحص لتعقيدات المشهد العراقي منذ عام 2003 وحتى اللحظة، يدرك أننا أمام لوحة سريالية، حيث تتشابك الخطوط الوطنية بالخيوط الإقليمية، وتصطدم الطموحات القومية بالهواجس المذهبية، لتنتج نظاماً سياسياً يعيش على الأزمات، ويتغذى على انعدام الثقة البنيوي بين أطرافه.

أولاً: صراع الإخوة الأعداء.. تصدع البيوتات من الداخل

قبل الخوض في صراع "المكونات"، يجب تفكيك الانقسامات الرأسية داخل كل خندق. في البيت الشيعي، انتقل الصراع من مواجهة "الآخر" إلى مواجهة "الذات"؛ حيث تتصارع القوى التقليدية والحركات الناشئة والفصائل المسلحة على أحقية تمثيل "المكون الأكبر" وشرعية المرجعية السياسية، وسط استقطاب حاد بين محورين: أحدهما يرى في الدولة "مغنماً" استراتيجياً، والآخر يراها "أداة" لمشروع إقليمي أوسع.

أما في البيت السني، فالصراع لم يعد أيديولوجياً، بل هو صراع "زعامة ونفوذ" ومحاولة للاستحواذ على مكتسبات الإعمار في المدن المحررة، مما أنتج تعددية مشتتة أضعفت قدرتهم التفاوضية في بغداد. وفي البيت الكُردي، وصل التنافس بين الحزبين (الديمقراطي الكُردستاني والاتحاد الوطني) إلى مستويات غير مسبوقة، متجاوزاً الخلاف على المناصب في بغداد ليصل إلى صراع على النفوذ الاقتصادي والشرعية الإدارية داخل الإقليم نفسه، مما جعل "وحدة الموقف الكُردي" التي كانت بيضة القبان تاريخياً، مجرد ذكرى بعيدة.

ثانياً: فوبيا "السلطة والبديل".. لماذا لا يثق الشيعة بالسنة؟

يمثل الموقف الشيعي تجاه إشراك السنة في مفاصل الدولة الحساسة حجر الزاوية في الانسداد السياسي. إن امتناع "شيعة السلطة" عن منح المناصب الأمنية والسيادية للعرب السنة ليس مجرد "تعنت سياسي"، بل هو نتاج تراكمات سيكولوجية وتاريخية معقدة يمكن إجمالها في أربعة دوافع جوهرية:

1  عقدة الثمانين عاماً: يسود اعتقاد عميق لدى النخبة الشيعية الحاكمة بأن السنة حكموا العراق منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة عام 1921 بعقلية "الاستفراد" والتهميش الممنهج للشيعة. هذا الوعي التاريخي -سواء كان دقيقاً أو مبالغاً فيه- يخلق رغبة جامحة في "الاسترداد التاريخي" للسلطة، والنظر إلى أي تمكين سني حقيقي على أنه خطوة نحو العودة لزمن "المظلومية".

2 أزمة الثقة الوجودية: لا تزال القوى الشيعية تنظر إلى القوى السنية بعين الريبة، متوجسة من وجود "أجندات خفية" تهدف للانقلاب على النظام الجديد. هذا التوجس يجعل من "الشريك السني" مجرد "ضيف ضرورة" في العملية السياسية، وليس شريكاً كاملاً في اتخاذ القرار الاستراتيجي.

3 هاجس الانتقام المتبادل: تخشى النخب الشيعية أن أي تغول سني في المؤسسة العسكرية أو الاستخباراتية قد يفتح الباب لتصفيات حسابات تعود لأحداث ما بعد 2003، وما تلاها من صراعات طائفية دامية. إنها "حرب الناجين"، حيث يرى كل طرف أن بقاءه مرهون بضعف الآخر.

البعد الإقليمي (الأجندة الإيرانية): لا يمكن إغفال الدور الإيراني الذي يدفع باتجاه "تأمين العراق" كعمق استراتيجي. وتقتضي هذه الرؤية إبقاء مفاتيح القوة الصلبة (الجيش، المخابرات، الأمن) بيد حلفاء موثوقين عقائدياً، ومنع وصول أي شخصيات سنية قد تميل نحو المحاور الإقليمية المنافسة لإيران، مما يحول الموقف المحلي إلى صدى لصراع المحاور الكبرى.

ثالثاً: تحجيم الكُرد.. صراع القومية والمخاوف من "دولة الرفاه"

على الجانب الآخر، يشهد العلاقة الشيعية-الكُردية تحولاً دراماتيكياً منذ عام 2012، فبعد أن كان الكُرد هم "الشركاء الطبيعيين" في المعارضة ضد النظام السابق، تحولوا في نظر بغداد إلى "خصوم أقوياء" يجب تحجيمهم. الدوافع هنا تتجاوز السياسة المباشرة إلى أبعاد أعمق:

صراع الهوية القومية ضد المركزية المذهبية: ترفض النخب الحاكمة في بغداد فكرة "الدولة الفيدرالية" الفعلية التي يمارسها الكُرد، وترى في تمسك أربيل بصلاحياتها تهديداً لمركزية "الدولة الشيعية" الناشئة.

عقدة المقارنة التنموية: يمثل النجاح العمراني والاقتصادي في إقليم كُردستان "إحراجاً" سياسياً للقوى الحاكمة في بغداد، فبينما تعاني مدن الوسط والجنوب من تهالك البنية التحتية، رغم ميزانياتها الفلكية، تبرز أربيل ودهوك والسليمانية كمدن حديثة. لذا، فإن التضييق المالي والقانوني على الإقليم يهدف -ضمنياً- إلى كبح هذا التطور الذي قد يحفز الشارع العراقي في الجنوب للمطالبة بإدارة مماثلة أو يثير الغيرة القومية والمذهبية.

الأجندات الإقليمية (تركيا وإيران): تتقاطع مصالح القوى الإقليمية مع قوى بغداد في ضرورة منع الكُرد من الوصول إلى الاستقلال الاقتصادي الكامل، خاصة في ملف الطاقة، فالعراق "الضعيف المشتت" هو البيئة المثالية لتدخلات الجوار، وقوة الإقليم تعني بالضرورة ضعفاً في قبضة المركز التي تسيطر عليها تلك الأجندات.

رابعاً: العراق في مهب الريح.. توازنات دولية وضياع وطني

دوليًا، لم يعد العراق أولوية قصوى للولايات المتحدة كما كان، بل أصبح "ملفاً للمراقبة" وضبط إيقاع النفوذ الإيراني. هذا الفراغ النسبي استغلته القوى الإقليمية لتحويل الساحة العراقية إلى مختبر للتجارب السياسية والعسكرية. التوصيات الخارجية التي تتلقاها الأطراف العراقية ليست نصائح للبناء، بل هي "إملاءات بقاء"، حيث يربط كل فصيل سياسي مصيره بدولة خارجية، مما أفقد الدولة سيادتها الوطنية وحولها إلى "كيان وظيفي" يخدم مصالح غير عراقية.

وهل من مخرج؟ إن الحقيقة المرة التي يجب مواجهتها هي أن العراق لا يعاني من "أزمة إدارة"، بل من "أزمة هوية". إن إصرار القوى الشيعية الحاكمة على احتكار مراكز القوة انطلاقاً من مخاوف تاريخية أو بتوجيهات إقليمية، يقابله إحباط سني متزايد وشعور كُردي بالاستهداف، مما يجعل "الاستقرار" الحالي مجرد قشرة رقيقة تخفي تحتها بركاناً من الغضب.

إن المدن العراقية التي تغرق في الإهمال الخدمي والارتباك الاقتصادي ليست ضحية لنقص الموارد، بل هي ضحية "الصراع الصفرِي" على السلطة. لن يستقيم حال العراق إلا إذا تحولت السلطة من "غنيمة للمكون" إلى "مسؤولية للمواطنة"، وإذا أدركت النخب الحاكمة أن تأمين المستقبل لا يكون بالانتقام من الماضي، بل ببناء شراكة حقيقية تنهي "فوبيا الآخر" وتضع مصلحة العراق فوق أجندات العواصم المجاورة. وبغير ذلك، سيبقى العراق يدور في حلقة مفرغة من الأزمات، حيث ينتصر الجميع على "الوطن" ويخسرون أنفسهم في نهاية المطاف.