جرأة الشاعر بالفكر أم الإيروتيك؟

مشكلة ضعف الشِّعْر تولدت منذ نشوء الإسلام حين جعلته أيديولوجية دينية، ومزمارا إعلاميا يُستقطبُ الأفراد إليه فنرى الألفاظَ تتراقصُ في معينٍ ضيقٍ من المعنى.


شعرنا الحديث لم يخلُ من تجارب شعرية تحقق الفكر فيها والتأمل وسؤال الغيب والوجود


الفكرُ ضرورةٌ شعرية لا بد من وجودها في القصيدة

منذ نشوء الإسلام تولدتْ مشكلة ضُعف الشِّعْر حين جعلته أيديولوجية دينية، ومزمارا إعلاميا يُستقطبُ الأفراد إليه فنرى الألفاظَ تتراقصُ في معينٍ ضيقٍ من المعنى، لكنَّ الشعراء أدركوا خطورة هذه المسألة على الشعر، فتمردوا على هذه القيود، وفي طليعتهم شعراء الحداثة أو التجديد في العصر العباسي كأبي نواس، وبشار بن برد، والمعرّي، وغيرهم. 
الفكرُ ضرورةٌ شعرية لا بد من وجودها في القصيدة، فالغنائية ينطفئ توهجها بعد مدة من الزمن. وفي عصرنا الحديث أُصيبتْ الثّقافةُ بهلهةٍ وركاكةٍ بشكل مباغت، وصار العقلُ الجمعي أغلبه ينظر إلى الشعر على إنّه لوحةٌ ملّونةٌ بمشاهد إيروتكية يستلذُ بها القارئ بما فيها من ملح القبلة، وغنج الموسيقى، واللهث وراء الألفاظ المباح تبادلها بين شاعر وأخر أو بين شاعرة وأخرى، وتصديرها إلى الجمهور الذي يصفق لهذا الشاعر ويرى إنه جريء؛ كونه حطم التابو في إحدى صوره الشعرية بخصر المرأة المائل. وصار هذا التقليد شائعاً في مجتماعتنا؛ بسبب سرعة انتشاره وله مكانة في الثقافة الجمعية.
 ونعتذر للقارئ من إيراد أمثلة على هذا النوع من الشعر؛ لأنَّ المقالة لا تتسع إلا للشعر الأكثر عمقاً. لكنّ بالمقابل لم يخلُ شعرنا الحديث من تجارب شعرية تحقق الفكر فيها والتأمل، وسؤال الغيب، والوجود، ومحاولة التصدي للموت بمفهومه الفلسفي، فالشعر الإبداعي ــــ ـوالذي صرنا نطلق عليه مؤخراً (الشعر الحقيقي) لتميزه عن الضعيف ــــ هو مولدٌ للفكر، وهذا ما أكده أدونيس في حوارٍ له في مجلة "الأقلام" بعددها الصادر مؤخراً: "الفكرُ شعرياً، الشعر فكر، الفكر الخلّاق هو نفسه الشعر". 
وهذا ما أكد رؤيتنا التي كانت تبحث عن عمق المعنى لا اللفظ فقط، وعن النسق المختبئ تحت الجمال، فالشعر الفكري يستفزنا لخوض مغامرة بحثية تفجر معاني النص وتكشف عن تحطيم تابو المقدس، محتفظ بالمحتوى الشعري. 
الشاعر عبدالوهاب البياتي في ديوانه الأخير "نصوص شرقية" يؤسس لفلسفة خاصة به فيقول في قصيدة بعنوان "بكائية إلى حافظ الشيرازي":  
بقدح الخمر الإلهي تداويتَ 
صرختَ باكياً في حانة الأقدار: 
رباه ماذا تركتْ في العالم الأرضيِّ 
هذه السحبُ الحمراء ؟ 
غير قبور الشعراء، ها هو المساء 
يهبط في حدائق الآلهة 
السماء تنذر بالمطر
البياتي في شعره الأخير نلحظ أن قصائده جاءت خارج الأيديولوجيا. في هذا النّص تحديداً نرى فلسفته تبحث عن وجوده في عالم الغيب، مخاطباً الشيرازي الذي شاركه محنة الاقدار، وانفجار الذات التي تاهت بين مركزي الكون والغيب، كذلك حاول بفلسفته إلغاء ثنائية الحياة والموت والتي خص بها الشعراء فقط. 

أما أدونيس فنجد الكثير من قصائده في أعماله الشعرية تبحث في الفكر والصوفية وفلسفتها ففي قصيدة بعنوان "موسيقى" يقول:  
أهناك احتفاءٌ 
أيّهذا الإلهُ تتعتّقُ أعضاؤه 
في عروق المحبّين 
أبهى وأعلى 
كلّ يومٍ، بين وجهي ومرآته حوارٌ 
لا لكي أقرأُ الحبَّ: ما شأنه الآن؟ 
في النّصِ رؤية فكرية تسعى إلى تغير مفهوم العلاقة بين الذّات الشاعرة، والذّات الإلهية. فالشاعر يرى إلغاء المسافة بين المخلوق والخالق، فلجم الهوة بين الذاتين هو الكمال الحقيقي بالمعنى الصوفي، والذي تسعى إليه الفلسفة الصوفية. كما أنّ هذي العلاقة تتيح حرية أكبر للإنسان ليدخل في مركز الكون، فأدونيس تعامل مع الإله على أنه شيءٌ من الإنسان فهو قديم وجديد ايضاً (تتعتق أعضاؤه). 
الأبيات السابقة جعلتنا نغوص في أعماق الفكر ونتسامى معه، وربما نكون قد أصبنا في التأويل. في حين نرى أن هناك من يسعى للوصول إلى الاندماج الإلهي كأبيات درويش قائلاً : 
خذيني إذا عدتْ يوماُ  
وشاحاً لهدبك 
وغطّي عظامي بعشب 
تعمد من طهر كعبك 
وشدي وثاقي بخصلة شعر .... 
بخيط يلوّح في ذيل ثوبك 
عساني أصيرُ إلهاً .. إلهاً أصير 
بعد أن امتهن درويش القضايا السياسية في شعره لمدة معينة، نلحظ تحوّلاً في آفاقه الفكرية التي صارت تبحث عن الخلاص من هذا المعترك ومن الإنفعال والغنائية في القصيدة، فصار درويش يبحث عن وجوده في منطقةٍ أخرى لكنّ ليست جغرافيةً ملموسةً بقدر ما هي روحانية، وهذي الأبيات تتوحد فيها الذَّاتان (الشاعر والإله) والتي يمكن أن نطلق عليها الذّات الاندماجية. التحوّل الذي يصيب الشاعر ما هو إلا قلقه المزمن من الغيب والوجود ممّا يجعله يثير التساؤلات في ثنايا النصّ كما في قصيدة "مدونة أعرابي" للشاعر عارف الساعدي يقول: 
سلامٌ على عدد الآلهة 
ثلاثون عشرون لا أتذكر 
لكنهم كثرٌ طيبون 
ثلاثون رباً ينامون في غرفة واحدة 
ثلاثون رباً على الأمم البائدة 
ثلاثون رباُ ولكننا أمة واحدة 
يترك الشاعر الساعدي تساؤلاً (ماذا لو تعددت الآلهة والأمة واحدة؟). يسعى الشاعر لإلغاء فكرة الهوية التي صاغها الدين الأخير (مسلم، كافر) فهذه الهويات هي أساس الصراعات الموجودة اليوم في الساحةِ العالمية، ولا شك أن هذه الهويات قد ضيقت على الإنسان وسعت إلى إقصاء حريته، وما قيمته من دون حرية؟ وما قيمة إله واحد وأمم متقاتلة بينها؟ فبقدر ما أثاره الشاعر من تساؤل بقدر ما هو يحاول إلغاء تلك الهويات. 
وقد أوردنا الأبيات لشعراء متعددي الرؤى بأجيال مختلفة لنبين للقارئ أن جوهر الشعر الفكر، وجرأة الشاعر بفكره.