جمانة حداد في جُبة الفيلسوف

جمانة حداد تشير أن مؤلفها لا يندرج في خانة الاعمال الوعظية او الإرشادية بل يستشرف قدوم نوع جديد من الإنسان لا يكون بصورة المسيح ولا غاندي، وينشأُ على آراء لا تَنُم عن الاستعلاء الجنسي ولا الطائفي ولا الديني.


'الجنس الثالث' يسمو على كل التصنيفات الدينية والعرقية والجنسية والطبقية


المفترض أن تسبرَ جمانة أغوار الموضوعات السجالية وتقف عندها بالتأمل وطرح الأسئلة


عدم امكانية مناقشة المعطيات الفكرية والدينية بالاستناد الى مواقف شخصية فقط


جمانة حداد تختبر كتابة الرواية في 'الجنس الثالث'

مع الأملَ في ظهور نوع جديد من الإنسان "الإنسانوي" قدم رواد الفلاسفة تصوراتهم لما يكون عليه هذا النوع وما يتميزُ به من الخصائص التي تصبحُ عاملاً للارتقاء به عقليا وسلوكيا، بجانب ذلك قاموا بالتنظير لأفكارهم وتحدثوا عن البيئة والأدوات التي تُعين على ميلاد هذا النوع من الإنسان.
ونحن نتحدثُ عن هذه الفرضيات نتذكر أفلاطون ومبادئ جمهوريته المثالية، كذلك الفارابي ومدينته الفاضلة، ومن ثم يأتي نيتشة ليبشرَ بالإنسان الأعلى فالأخير يتجاوز نواقص سلفه، حسب تصورات الفيلسوف الألماني مُنعتقاً من القيود المعطلة للإرادة. لا تَخرج محاولات الكاتبة والشاعرة اللبنانية جمانة حداد عن هذا الإطار، حيث تطرح مفهوم الإنسانوية في كتابها الذي يحملُ عنوان "الجنس الثالث" من  إصدارات دار أنطوان فهي تستدعي أفلاطون كما تتبنى أسلوبه الحواري لمناقشة ما تعتقدهُ قواماً في تكوين الإنسان الإنسانوي، إذ تتخيل أفلاطون مُوصياً إياها بالعودة إلى ما فاته، أي الإنسان الإنسانوي، وهو الأهم للاشتغال عليه، كما يُقرُ بخطأ تصنيفه لمن يصلح للحرب، ومن يكون مؤهلاً للحكم وتوزيع الأدوار في جمهوريته، وفقاً لسلم هرمي، هكذا يكون أفلاطون حاضراً في فضاء الكتاب، وتتقمصه مؤلفة "سوبرمان عربي" مقدمة نصائحه في قوالب شعرية كأن مؤسس الأكاديمية تصالح مع الشعراء. 
تُنبه جمانة حداد القارئ إلى أن المراد من مفهوم (الجنس الثالث) هو كائن يسمو على كل التصنيفات الدينية والعرقية والجنسية والطبقية، كما تشير الكاتبة إلى أن مؤلفها لا يندرج في خانة أعمال وعظية ولا إرشادية، بل هو مجرد استشراف بمجيء نوع جديد من الإنسان لا يكون بصورة المسيح ولا غاندي، ينشأُ على آراء لا تَنُم عن الاستعلاء الجنسي ولا الطائفي ولا الديني، كل هذه الأفكار تطالعها في مدخل الكتاب الذي تُلمحُ فيه جمانة أيضاً إلى كتاب "الجنس الثاني" لسيمون دي بوفوار.
 وأنت خلال قراءتك لما تضمه الصفحات الأولى حول مفهوم الإنسانوية، الذي تراه جمانة حداد، تتوقعُ إيراد ما يساندُ هذا الطرح بِمُنازلة الأفكار التي تُناقضه، وتُشكل خطرا على القيم التي تحمي الإنسان من أن يتحول إلى وحش يفترس نظيره، لكنْ تُلاحظ بأنَّ موضوعات هذا الكتاب وأسلوبه لا يختلفان كثيراً عما اتبعتهُ الكاتبة في عمليها السابقين، إذ تعتمدُ أكثر على تجاربها وتستعيدُ ذكرياتها المريرة مع مرض الاكتئاب ومن ذهب ضحيته في أسرتها
صحيح أنَّ صاحبة "قفص" تريدُ ربط هذه القضية بسياق المجتمع الذي يتهاون مع روح الإنسان وتغيب فيه القوانين بفعل احتدام الحرب وسيادة الفوضى، كذلك تضعُ موقفها مع وفاء التي اختلفت عنها دينيا ضمن الإشكالية الناجمة عن العجز في قبول الآخر واستيعاب التنوع، ومن ثُمَّ تنصرف الكاتبة إلى ما تسود في المجتمع من الأنانية وغياب ما يؤسس للعلاقات الإنسانية المبنية على المبدأ التكاملي بين بني البشر.
 وتضربُ مثالاً على انعدام التضامن في كل أنحاء العالم بما فيه المجتمعات المتقدمة، فإن موت اللاجئة السورية راما طهراني في 2015 من البرد، هو نتيجة انقراض الشعور الإنساني، كما أن كايل ويليس ضحية لجشع الرأسمالي والطفلة التي ينقضُ النسر على جثتها دليل على انتكاسة المجتمع البشري وإفلاس كل المؤسسات الدولية، لكن ذكر هذه النماذج الكارثية لا تكفي للتحول وتجاوز مستنقع الصراعات التي تطحن الإنسان هذا من جانب.
 كما أن طرح بديل لهذا الوضع البائس يحتاج للأدوات الفكرية من جانب آخر، من هنا لا يجد القارئ ما يقنعه بأن الجنس الجديد الذي تنتظره الكاتبة فعلاً سيظهر.
 إضافة إلى ذلك تُشير الكاتبة مرة أخرى في "الجنس الثالث" إلى المؤلفات التي غذت حب التمرد في شخصياتها، وكيف تحايلت على أبيها عندما وضعت كتاب مدام دوساد في غلاف رواية "البحث عن الزمن الضائع".
 طبعا من المفيد أن يتحدثَ من يهتم بالحقل الثقافي عن تجربته مع عالم الكتب، وهناك من ألف كتاباً عن العظماء الذين أثروا على تكوينه الفكري مثل سلامة موسى في "هؤلاء علموني"، هنري ميلر في "الكتب في حياتي" غير أن جمانة حداد تكتفي بالإشارة إلى كُتابها المُفضلين أو تقتبس منهم مقطعا دون أن تقول شيئا عن دوافع وراء اختياراتها أو انعكاسات آراء هؤلاء على أوجه حياتها، أو ميزة مؤلفاتهم، رغم تأكيد الكاتبة على ابتعادها من النمط الوعظي، لكن لا يصعبُ عليك إدراك هيمنة الطابع الإرشادي على نصها في مُعظم أقسام الكتاب، حتى المقاطع الحوارية تميل إلى خطاب وعظي، فهي تتصارع مع ما سمته الوسواس.
 فالأخير يؤيدُ حياة مُحافظة قوقعية، فيما الذات الكاتبة تتطلع إلى حياة أخرى لا تخلو من المخاطر وارتياد الأدغال واختبار المشي على الجسر، قبل الوصول إلى القمة.

 هنا تضيفُ جمانة حداد تقنية الحوار إلى أسلوبها بجانب السرد الذي تلجأُ إليه كلما يكون الأمر مرتبطاً بذكرياتها الشخصية، ونشأتها ومكابدات والديها، لكي تكمل التعليم وكراهيتها للون الأزرق وانسياقها وراء الطالبات اللائي إدعين رؤيتهن للشبح داخل الفصل الدراسي، وما لم يعجبها في شكلها.
 إلى ذلك تتوالي فصول الكتاب مع الشظايا الشعرية تتصدر بداية كل مبحث جديد، فضلاً عن المقتبسات التي دأبت الكاتبةُ على توظيفها في بناء أعمالها النثرية، غير أنها في عملها الأخير باستثناء بدايات الفصول، قلما تستشهد بآراء الأخرين في ثنايا نصها، بخلاف ما سارت عليه في "هكذا قتلت شهرزاد" الذي توجدُ فيه الإحالاتُ إلى أفكار وآراء كثيرة ما يجعل النص أكثر انفتاحاً.

هنا يتعين علينا أن نسأل هل تكون لمثل هذه المؤلفات قدرة وإسهام في يقظة العقل 

 كما أن في الكتاب الذي أشرنا إليه آنفاً تلتمسُ وجود القضية وتماسك الفكر والحدة في التعبير والرغبة في المُشاغبة، لكن في الجزء الأخير من ثلاثيتها أصبحت جمانة حداد أقل هجوميةً، بل تغيب الجرأة على الحفر فيما هو قار وراء الظواهر الاجتماعية، كان من المفترض أن تسبرَ أغوار الموضوعات السجالية وتقف عندها بالتأمل وطرح الأسئلة على المستوى الأعمق، طالما هي بصدد صياغة مفهوم جديد وتروم إعلاء قيمة الإنسان وإعادة الاعتبار إلى ذاته بعيداً عن مسألة الانتماءات التي قد لا يكون للإنسان اختيار في تحديدها، إذ لا يمكن مُناقشة المُعطيات الفكرية والدينية بناء على مواقف شخصية فقط، مثلما تقوم جمانة حداد بانتقاد الدين لأنه يمنع التصرف في الجسد.
هنا يتعين علينا أن نسأل هل تكون لمثل هذه المؤلفات قدرة وإسهام في يقظة العقل؟ هل يصل هذا الكتاب في صراحته وجرأته وجدته لما أعلنته جمانة حداد في "هكذا قتلت شهرزاد"؟ باختصار كل ما يمكن أن تعتبره جديدا في "الجنس الثالث" هو استشفاف رغبة صاحبة "لصوص النار" في اختبار كتابة الرواية بعدما جربت الشعر والمسرحية والنص المفتوح.