حكاية سيدة

سرطان اجتماعي ينخر في مسؤولية الرجل عن الأسرة في المجتمعات العربية.


العالم العربي والاسلامي بحاجة ماسة الى انقلاب ثقافي يضمن حقوق الناس


قانون يحمي الأزواج ويحافظ على أموالهم ولا يمكن لأحد أن يجادل قاضيا في ما حكم


اذا حدث الطلاق فالمرأة تخسر كل شيء ولا تحصل الا على الفتات لها ولأطفالها

جاءت الي سيدة لترجمة أوراق خاصة بالمحكمة برفقة ولدها ذي العشر سنوات، وانتهى الأمر بقهوة وحديث امتد لساعات وترجمة مجانية. قالت السيدة أنها تقاضي طليقها ليعيد ما سلبه منها من أموال، فهي تعيل طفلها المصاب بالسرطان وقد اقترضت من البنك مبلغا طائلا لتسديد نفقات العلاج، وقد حصلت على حكم من المحكمة بالنفقة لها ولطفلها بما يعادل 15% من راتب الزوج، وهو مبلغ لا يكفي للطعام والمسكن معا وعلى الأم أن تختار بينهما، فاختارت الطعام وذهبت الى مركز ايواء النساء المشردات لتسكن مع طفلها، بعد أن فقدت وظيفتها بسبب كورونا.

 لقد كًتب الكثير جدا حول موضوع الزوج الذي يعفي نفسه من الإنفاق على أطفاله، ولم يحرك أحد ساكنا ولا زالت النساء المطلقات ينفقن على أبنائهن، والقانون يحمي الآباء ويحافظ على أموالهم، ولا يمكن لأحد أن يجادل قاضيا بما حكم، فهو يطبق الشريعة الاسلامية الغراء. ولو قلت له "يا شيخ الزمان تغير وهذا المبلغ لا يكفي لسد حاجات الطفل والبيوت اليوم قائمة على أكتاف النساء والشاب يبحث عن الموظفة اذا أراد الزواج". فإنه يقول لك "ومع ذلك فالإسلام كرم المرأة ولم يلزمها بالإنفاق." فكيف تقنع هذا القاضي أن الأم لا يمكنها أن ترى نقصا في المنزل وتغل يدها عن الإنفاق وقد اختارها الزوج بالأصل لأنها موظفة، والزواج مشاركة وعليها أن تنفق وعلى الأب أن ينفق واذا افترقا يجب ألا يضيع الطفل ويجب إجراء تسوية مالية لرد الحقوق لأصحابها؟

إن العالم العربي والاسلامي بحاجة ماسة لانقلاب ثقافي يضمن حقوق الناس، وطالما يوجد نساء مثل هذه السيدة، فلن يتقدم العرب خطوة واحدة، وسوف نعاني المزيد من الكوارث، فالأمور مترابطة ببعضها البعض، والظلم يجر ظلما والجهل يجر جهلا والتخلف يجر تخلفا، وطالما أن القانون والقضاء لا ينصف النساء والأطفال، فسوف تتوالى الأجيال الخانعة والفاقدة للثقة والاعتزاز بالنفس، وسوف يدجنون أنفسهم على قبول الظلم وعدم محاكمة الأمور والخوف من الخوض في المفاهيم المغلوطة ومحاولة تصحيحها، وهكذا فإن الاتجاه العام يصبح سلبيا وهداما.

يركز علم النفس الاجتماعي الحديث على دراسة الاتجاهات، لذا فهو لا يبحث في السلوك الاجتماعي بل في الاتجاه الاجتماعي ، بمعنى آخر، فإن علم الاجتماع يدرس المجتمع لكي يعرف الاتجاهات ومن ثم يمكنه التنبؤ بالسلوكات، فعلى سبيل المثال، إذا رأيت ابنك يدخن وصديقه جالس معه ولا يدخن، فلا تتعجل بالحكم، فقد يكون ولدك لا يوجد لديه اتجاه للإدمان وصديقه هو الذي لديه هذا التوجه، وهذا ينطبق على المجتمع، فإذا رأيت السيدة موضوع هذا الحديث، فلا تتعجل بالحكم، حتى تتأكد ما إذا كان الظلم توجها اجتماعيا أم لا، فإذا لاحظت توجها لدى الناس لتمويه الحقيقة والالتفاف عليها في حياتهم، فاعلم أن حياتهم تسودها الفوضى ولا يوجد شيء في نصابه الصحيح، لأن لديهم اتجاها لعدم حسم الأمور، فتصبح حياتهم مضطربة وتشبه الضياع وفقدان البوصلة. هل جاء هذا الاستنتاج الهائل من حكاية سيدة؟

إن الملاحظات تقود الى الاستنتاجات، وطالما أن النساء والأطفال لا يحصلون على حقوقهم، وهم أهم فئات المجتمع، فهل هناك أمل أن يستقيم حال المجتمع؟ إذا كان هذا الأمر من الأمور الأساسية جدا، فهل هناك أمل بأن تستقيم الأمور الأقل أهمية؟ إن الاتجاه المجتمعي يكشف قبولا عاما بالظلم وهذا ينطبق على كل الأمور من حكم جائر وفساد ونفاق وخيانة وكل الآفات الاجتماعية. لأن وجود قانون يسمح بأن ينفق الأب أقل القليل على أبنائه مؤشر خطير على انحطاط الثقافة المجتمعية وهشاشة الركيزة الأخلاقية والتلاعب بالمنطق والالتفاف على الحقيقة وهذا يسمح بظهور كافة الآثام والخطايا.

من حسن حظ هذه السيدة أنها كانت تحول راتبها الى حساب زوجها تلقائيا فور نزوله في حسابها لفرط الحب والإخلاص، ولكن كورونا قضت على الوظائف وفقدت الزوجة وظيفتها، ولما حصل الطلاق، أصبح بمقدور الزوجة استرداد كافة الرواتب التي حولت الى حساب زوجها، ولولا توثيق التحويل، لخسرت الزوجة كل شيء، وهذا درس لجميع الأمهات لكي يوثقن كل النفقات التي يقمن بصرفها في منزل الزوجية، بل لقد انقذت هذه السيدة جميع رواتبها بهذه الطريقة التي لم تكن مقصودة وحصلت دون تخطيط، لكن الغالبية العظمى من النساء يصرفن رواتبهن في البيت دون توثيق بينما يوفر الزوج جزءا كبيرا من راتبه، واذا حدث الطلاق، فإن المرأة تخسر كل شيء وتحصل على الفتات لها ولأطفالها.

سألت ابنها "ماذا تريد أن تصبح حين تكبر؟" فقال "لا أعرف"، فقالت الأم "هو لم يدخل المدرسة بسبب السرطان."

أي سرطان؟ السرطان الجسدي أم الاجتماعي؟