"حلم عفت الصياد" قلب يحتوي الوطن

سليمان عوض يستهل روايته بقصة رومانسية استعمل فيها الراوي شغف اللقاء العذب بين قطبي القصة.


نقطة الإنطلاق كانت أحد أهم قيم الرواية الموضوعية والتي صكها الروائي بتعبير طريف "تمديد القلب"


دائرة الحب اتسعت لتشمل الآخرين، وتحتوي الوطن جميعه

استهلت رواية "حلم عفت الصياد" للأديب الطبيب د. سليمان عوض مكنونها السردي بقصة رومانسية استعمل فيها الراوي شغف اللقاء العذب بين قطبي القصة (د. سعيد عبدالرحمن / المحامية عفت الصياد)، بتفعيل خاصية مهمة للشبكة العنكبوتية، وهي خاصية "الإيجاد"، حيث أحب د. سعيد عفت، وفرقت بينهما الظروف القاهرة، وتغول أهلها على حقها في اختيار شريك حياتها والذي لم تشعر به أبدًا، وسافر د. سعيد مغتربًا وحقق نجاحات كبري في موطنه الجديد (أميركا)، لكنه ظل يبحث عن الحب الأول بشغف، وبخاصية الإيجاد وعبر الهوية الآلية وتصفح الإنترنت وصل للصفحة الشخصية لها، وفي مفتتح هذه اللحظة الفارقة دارت عجلة السرد محققة متعة القارئ، حيث الرواية من كتب النفس الواحد، وحيث الأفق مفتوحًا ويخفت تمامًا أفق توقع القارئ مما يضاعف متعته.
وإذا كانت قصة الحب مفتتح السرد والتي عبر عنها الراوي ببوح البطل الشاعري: "أحببتك كما أحب داري وكما أحب فراشي، كما أحب أوراقي وكتبي ومصباحي، كما أحب القمر حين يضئ ليال القرية المظلمة والليل حين يسكت الجميع في قريتنا" (ص 16)، كانت نقطة الإنطلاق إلى أحد أهم قيم الرواية الموضوعية والتي صكها الروائي بتعبير طريف (تمديد القلب)، حيث اتسعت دائرة الحب لتشمل الآخرين، وتحتوي الوطن جميعه مجسدًا في معادله الموضوعي (الأرض)، وهي المفردة المركزية في الرواية وسر المضمون. 
يتساءل البطل الروائي المثالي عن تمديد قلبه واكتشاف ذاته في حواره داخل نفسه: "كيف يمكن للقلب أن يسع كل هؤلاء ومن تحب أكثر يا سعيد، لقد اتسع فلبك حتى وسع كل هؤلاء. ومن يدريك يا سعيد، لقد اتسع قلبك حتى وسع كل هؤلاء. ومن يدريك يا سعيد فقد يتسع قلبك للمزيد والمزيد". (ص 107)، أي تحفيز القارئ لتمديد قلبه، وتوسيع مساحة التغافر والتعاون النابه، وعطاء الحب بين الجميع. كما تحفز الرواية المجتمع للتنوع الثقافي بين رحابه ونفي انقسامه.

بالرواية عبارة مركزية حققت التماثل السردي بين الطبيعة والواقعية الفنية السردية: "كان ضوء الشمس قد بدأ في الظهور خجلًا متعبًا وكأنه أثر لدماء لونت الأرض"

وفكرة تمديد القلب مثمرة، حيث تقدم المثال للآخر، فإبراهيم صديق د. سعيد القديم السلبي الخامل يتبدل موقفه، ويدرك قيمة (حتة الذهب) في معادن النفوس: ".. أنا عشت الأيام اللي فاتت كلها أرفع شعار مش فارقة مدام باكل وأشرب وأنام أبقي سلطان زماني، لكن بعد رجوعك واللى عرفته عنك حسيت إنها تفرق كتير، حسيت إن فيه فرق كبير بين اللى بيشتغل واللى عايش الدنيا أونطة، بين اللى حياته تساوي كتير عند الناس اللى محتاجاه ... وبين اللى بيخطف من الناس لقمة .." (ص 112 بتصرف يسير). 
و"الأرض" مثلت أقصى اتساع لقطر دائرة الحب، حيث الصراع الروائي يحتدم في الدفاع عن الهوية القومية وأيقونتها "الأرض"، وأصحاب المصالح الفاسدين "سراق الأرض"، لذلك أتت الشواهد النصية تحتفل بالأرض وتضع خارطة طريق لرعايتها ومحبتها، منها:
"الأرض زي البنت عاوزة اللى يهتم بيها ويشوف طلباتها، ويحسسها أنها شيء مهم بالنسبة له، عشان تديه اللى يحبه" (ص 56).
"انزل أرضك طبطب ع الزرع يا دكتور سعيد، خلى الأرض تحس برجليك خليها تحس إنها في قلبك يا سعيد!" (ص 94).
"... الأرض دى هيا أبويا وهيا أمى وهيا أختى وهيا عرضى أنا عايز الأرض، مش الفلوس! تمن الأرض أقدر أجيبه من شغلى .." (ص 56).
".. أحس أن الأرض تناديه، حتى أنه رأى في تمايل أوراق الذرة محاولة لضمه وكأنها محبوبته التي غاب عنها طويلًا" (ص 93).
"... ولكن الأرض يا سعيد لا تذهب ولا تنهار (..) الأرض يا سعيد لن تنكرك، والبيت يا سعيد لا بد أن تعيده علي ما كان، ليس أكثر ولا أقل، البيت كما بناه أبوك" (ص 32 "بتصرف").
وإذا كانت قضية الهوية القومية قضية محورية في المضمون الروائي، حيث الأرض والبيت القديم والتمسك بها تمثل فكرة المقاومة ضد تجريف معالم الشخصية المصرية النبيلة، فالبطل الروائي يمثل دور الشاهد والرؤية الكاشفة، أي أنه بعد اغترابه الطويل وعودته لوطنه كان أقدر على التبصر بمأساة الواقع ممن يألف تلك المتغيرات بالمجتمع لأنه يعايشها كل يوم فالألفة للأمر عمى يصيب البصيرة، فكأن الدكتور سعيد - في موقع الرؤية لا في موقع الجنسية - سائح أو الآخر الذى يرانا، فيكون أقدر علي تلك الرؤية، يناجي نفسه: "يا لمفاجآتك يا مصر بعد هذه الغيبة الطويلة!" (ص 33)، فرصد الإبدال والنحر الجمالي، والشواهد النصية كثر: "البلدة ليست هي بلدتي التي تركتها (..) أصبحت غابة من الأحجار (..) ليست هي بلدتك يا سعيد" (ص 47 "بتصرف"). 

The Egyptian novel
التبشير بواقع مغاير

"عندما نظر الدكتور سعيد حوله لم يجد ملامح الناس كما كانت، حتى أنه ظن أن العيون ليست كما كانت أو الجباه أو الأنوف، كل شيء اختلف في هذا البلد الذي خاله وطنه الذي لا بد أنه عائد إليه. جهاز الراديو الذي كان يطعمنا ويسقينا من عذب أغاني أم كلثوم وحليم استبدل بهذا الصياح .." (ص 63 "بتصرف")، فقد شاهد الراوي الرئيس وفُجع بما يسمي في علم الاجتماع "ضيق التنفس الاجتماعي"، ونحر الأخلاق وخنقها بدخان الزحام، ويرصد فوضى عارمة في النفسية المصرية والشارع المصري: "كان يفيق (..) على صوت السائق، وهو يصب اللعنات علي كل من قابله راجلًا كان أو راكبًا، الشوارع مزدحمة والضوضاء عالية، وطوابير المارة تختلط بطوابير السيارات" (ص 19 "بتصرف يسير")، لكن الرواية لا تدعو للقنوط بل تدفع للفعل برمزيتها حول الدار: "لا بد يا سعيد من السفر للقرية، ولا بد من استرجاع أرضك وبناء بيتك" (ص 39).
وإذا كان السرد يعني كيف تحكي الحكاية، فالراوي وموقع الرؤية تمثل أداة للحكي، والعقد الذي تنتظم حوله بينات السرد، فعودة الدكتور سعيد مثلت الاكتشاف والحراك وصناعة الحدث، محققة مفهوم الحدث بكونه "الشخصية وهي تعمل"، كما استعمل الروائي بسط خيوط عدة في استهلال الرواية ثم بدأ في تجميعها لتتضح جلية في خواتيم الرواية، ليحقق ضميره الفني ومضمونه الواعي، يقول السرد: "ربما تبدو بعض الأحداث غير ذات قيمة، ولكنها ترتب لأحداث أخرى تغير حياة الشخص أو الأشخاص" (ص 7).
كما استعمل الروائي تقنية التلخيص الروائي، حيث إيقاع السرد السريع في الرواية لطبيعة الحدث وقسوة التغييرات المجتمع، وحرارة الصراع بين محبي الأرض وسراقها، فأتي التلخيص الروائي لإبطاء إيقاع السرد المتدفق، بهدف استمرار ارتباط القارئ بالرواية، وعادة ما تشتمل على لب الحدوتة الخام في الرواية، وتهدف لتجميع خيوطها أمام القارئ وإنعاش ذاكرته وتحفيزه للاستمرار في المتابعة، وأتي المفصل الروائي الملخص بعد مضى ثلثى الرواية (ص 106): "جرى بخاطره كل ما رآه منذ أن غادر الطائرة عائدًا إلى مصر ....".
وإذا كان للأدب دوره في التغيير بتحفيز القارئ لتبني المواقف من خلال صياغة الأحاسيس والوجدانات، وإذا كان للرواية دورها كما قيل عنها أنها "شديدة الأغواء"، فقد مارس الروائي التبشير بواقع مغاير من خلال فعل مجموعة من الأنقياء شباب القرية، وهم من منحوا الدكتور سعيد (الدفء بعد أيام باردة) بتعبير الرواية، وبالرواية عبارة مركزية حققت التماثل السردي بين الطبيعة والواقعية الفنية السردية: "كان ضوء الشمس قد بدأ في الظهور خجلًا متعبًا وكأنه أثر لدماء لونت الأرض" (ص 121)، وضوء الشمس هنا يعني الأمل الذي ينبت في قلوب تحتوي الوطن.