حين يصنع بطل واحد مجد وطن: من مصر وجامايكا إلى سوريا الجديدة
تتطلب الألعاب الرياضية الجماعية جهودًا حثيثة لتحقيق الإنجازات؛ فلا يكفي وجود لاعبِين مميزين أو مدرّب محنّك أو إمكانيات جبّارة لاعتلاء منصات التتويج، وإنما يستدعي الأمر تضافر العديد من المعطيات والظروف، إضافة إلى الحظ والتوفيق. إذ تلعب أحيانًا تفاصيل دقيقة دورًا محوريًا في حرمان فريق مميز من النجاح، على غرار ما حصل في بطولة كأس العالم 1982 مع منتخب البرازيل، الذي يعدّه كثيرون أعظم منتخب على مرّ التاريخ، رغم خروجه المفاجئ أمام المنتخب الإيطالي.
من ناحية أخرى، لا تتطلب الألعاب الفردية القدر نفسه من التعقيد، حيث تميّزت العديد من الدول تاريخيًا بألعاب فردية معينة جعلتها في مصافّ الدول العظمى، وتفوّقت من خلالها في مناسبات عديدة. ونستعرض في هذا المقال بعض الأمثلة التي تتناول هذا الأمر.
دخلت رياضة السكواش جمهورية مصر العربية في أوائل عشرينيات القرن الماضي على يد الإنكليز إبّان احتلالهم لمصر، إذ شيّدوا ملاعبها للترفيه عن الضباط الموجودين في القاهرة والإسكندرية. وسرعان ما تفوّق المصريون على البريطانيين في اللعبة، حيث أصبح حافظ عمرو باشا أول لاعب غير إنجليزي يفوز ببطولة بريطانيا المفتوحة للسكواش في أوائل الثلاثينيات، وظلّ محافظًا على اللقب لست دورات متتالية حتى اعتزاله عام 1938، مسلّمًا الراية إلى المصري الآخر محمود عبد الكريم الذي تُوّج بالبطولة 4 مرات متتالية.
وفي التسعينيات، برز اللاعب أحمد برادة الذي استطاع الفوز ببطولة العالم للناشئين عام 1994، ثم واصل على النهج نفسه محقّقًا العديد من البطولات والألقاب، ووصل إلى المركز الثاني في التصنيف العالمي عام 1998. ثم تُوّجت أمنية عبد القوي ببطولة العالم للناشئات لتصبح أول مصرية تحقق اللقب.
كان لتتويج برادة وعبد القوي أثرٌ عميق في إثارة حماس الرياضيين الشباب لممارسة اللعبة، فنشأ جيل قوي من لاعبي السكواش جعل مصر تسيطر على التصنيف العالمي لسنوات طويلة، حيث يتصدّر اللاعبون المصريون التصنيف الحالي في فئة الرجال، بينما تحتلّ المصريات المراكز الثلاث الأولى في فئة السيدات.
وبرزت المغرب في سباقات المسافات الطويلة منذ فوز سعيد عويطة ونوال المتوكل في أولمبياد لوس أنجلوس 1984، ثم إبراهيم بوطيب في سيول 1988، وخالد السكاح في برشلونة 1992، وهشام الكروج، أسطورة سباق الميل (1500 متر)، الذي حقق عشرات الميداليات وحطّم العديد من الأرقام القياسية في سباقات المسافات المتوسطة.
كما تُعد جامايكا من الأمثلة اللافتة على دور الألعاب الفردية في رفع مكانة الأمم، تلك الدولة الصغيرة التي يقلّ عدد سكانها عن ثلاثة ملايين نسمة (2.836 مليون نسمة تحديدًا حسب إحصائيات 2025). بدأ التفوق الجامايكي في ألعاب القوى خلال الألعاب الأولمبية في لندن عام 1948، عندما فاز آرثر وينت بالميدالية الذهبية في سباق 400 متر.
ومنذ ذلك التاريخ، حققت جامايكا عشرات الميداليات في البطولات العالمية في ألعاب القوى، ولا سيما سباقات السرعة، التي برز فيها العديد من الأسماء اللامعة مثل إيلين تومسون هيراه، ويوهان بليك، وأسافا باول، ولعل أشهرهم يوسين بولت، أسرع رجل في التاريخ، والذي يحمل الرقم القياسي في سباقي 100 متر و200 متر.
من هذا المنطلق، يمكن لسوريا أن تسير على النهج نفسه في دعم الألعاب الفردية، وبالتالي إعادة البلد الذي أنهكته الحرب إلى الخارطة الرياضية العالمية رغم صعوبة الظروف الراهنة، نظرًا لأن الرياضات الفردية لا تستدعي بنية تحتية ضخمة أو ميزانيات طائلة.
يجب التركيز على اكتشاف المواهب ورعايتها وتوفير التدريب المناسب لها انطلاقًا من المدارس، ويمكن البناء على التاريخ المشرف الذي حققته سوريا في بعض الألعاب الفردية، مثل جوزيف عطية في المصارعة، وغادة شعاع في ألعاب القوى، وناصر الشامي في الملاكمة. كما يمكن العمل على تطوير برامج تدريبية متخصصة تتناسب مع الإمكانيات المتاحة، كألعاب القوى، والسباحة، والتايكواندو، والجودو، والشطرنج، مع إمكانية توفير المنح الدراسية الرياضية وعقد الشراكات الدولية، بهدف إعادة اسم سوريا إلى منصات التتويج العالمية، وتحويل أبطالها إلى رموز للأمل والإرادة التي لا تُقهَر.
في النهاية، تثبت قصص النجاح أن الإنجازات العظيمة ليست حكرًا على الدول الكبرى أو نتيجةً لإمكانيات ضخمة، وإنما تستلزم جيلًا مؤمنًا بقدراته وقيادة واعية لأهمية الرياضة، حتى نتمكن من رؤية أبطال يرفعون راية بلادهم على منصات التتويج، ويرفعون معها معنويات شعب بأكمله.