حيوانات سياسية

الحركات الثورية تعبير عن عنصر الرفض الكامن في نفي مؤجل لحين صدوره على شكل تجمهر جمعي.


إنشقاقات سياسية وقومية يتابعها جمهور المتفرجين خلف شاشاتهم ولوائحهم الإلكترونية


الهاجس الذي يحكم الثورة هو نفسه الذي تضمره السياسية

الثورة ظاهرة إنسانية ترفض النسيان، هي حدث يخلل بالفكر، وهي فكر من أجل الحدث "التغيير"، الحركات الثورية تعبير على عنصر الرفض الكامن في نفي مؤجل لحين صدوره على شكل تجمهر جمعي يمنهج إرادة جماعية لتقنين اختيار سياسي وشرعنته بفعل السلطة التي لم تكن ممنوحة لكل فرد من أفراد المجتمع "القرار"؛ حكم يستوجب تطلعا للحالة المدنية حيث تستبدل الغريزة بالعدالة، ويحل الواجب محل الإندفاع الجسدي بينما الحق تخلفه عن الشهوة، تقابل بين دولة مدنية وتجمعات بدنية يسود فيها قانون الأسماك، تضحية بالحق اللامتناهي في مقابل حرية مدنية وملكية وضعية ينظمها التشريع، وضعية توفر خلاصا من العبودية .
فالهاجس الذي يحكم الثورة هو نفسه الذي تضمره السياسية: "حدث الولادة"، مرورا بالإنهيار، البناء، الإزدهار تم الإنحطاط وهكذا دواليك، تحت طائلة السيادة الشعبية عند جان جاك روسو، والعصبة بلغة ابن خلدون، والتعدد في تقدير حنة آرندت، في هذا السياق يقول  Emmanuel Monier   : "  إن السياسة إذا لم تكن كل شيء فإنها في كل شيء". 
في هذا المضمار يجد الإنسان طريقه نحو الشأن العام، فالكل شريك للكل في التغيير أو الإبقاء على الوضع السائد، إذ أن المناخ السياسي يؤثر على الجميع داخل الدولة، إما باحتضان المواطن / كل مواطن وأي مواطن داخلها، أو استبعاد فئة دون سواها عنها بفعل التخويف والترهيب .
 في المشهد الثاني يتطلب الأمر تضحية وشجاعة للخوض في الرهانات الظرفية دونما النزوح عنها نحو الحوارت التاريخانية، أو الآمال المعلقة على المستقبل؛ مما لا يختلف عليه اثنان أن  ذلك الهروب عن النقاشات الراهنية سبب انتكاسات، وفجر فسادا، فضلا على ذلك مهد لحركات عنف يعجز عن وضع حد لها لاسيما تلك الناتجة عن الإنقسامات الطائفية والمعتقدية، فتعدد القوميات سيف دو حدين من شأنه إما أن يحرر الرقاب من مشنقة العنصرية والإقصاء من خلال: "التوحيد / الوحدة" تحت طائلة المصلحة العامة، أو يقطفها تحت ذريعة الأفضلية والإنتماءات العرقية والمعتقدية تلبية للمصالح الخاصة .

علاقة تلازمية بين العقل والحركة تحول السياسة إما إلى تراجيديا أو كرنفال، إما الإتصال أو الانفصال، فتارة تدخل المعارضة تحت مسمى الدعائم الداخلية بينما قد تسمى تيارا انفصاليا مدعوما من الخارج ضد مصالح الداخل

فهذه الإنشقاقات السياسية والقومية التي يتابعها جمهور المتفرجين اليوم خلف شاشاتهم ولوائحهم الإلكترونية، هي ذريعة لكلمة مكبوتة في وقت ماض تكاتفت وتحولت لشحنة مهجنة من التأبين والرثاء بين عنف مشروع فرضته الجهات الرسمية للسلطة، وعنف آخر مضاد لم تردد على ممارسته الأصوات المقموعة، خاصة مع تراجع النخب الثقافية، وكبح فاعليتها في عملية الإنتاج الثقافي (بغض النظر عن خاصية إلغاء الحدود وتوفير مساحة جمالية لغوية يحققها  النتاج الأدبي والفكري) مما يبقى الإبداع مجرد نجل مدلل للقلق يعيش لحظة كسل بعده، فيصير في مأزق في كل فرصة يمر من جانب القضايا الجوهرية دون أن يحتك بها  مجردا من مهمته الأولى: "النقد"؛ تلك المسافة الفاصلة بين السياسة واللاسياسة، مدام أن الأولى فعل تحت توقيع البناء والنقد لما ما سبق، بينما الثانية بكاء على أطلال زمان أسود يكرر نفسه في كل مرة دون أن تقاومه المتغيرات والمستجدات؛ بل على العكس تماما هو من يحاربها ويكون مضادا مميتا لها .
إن العلاقة التي تربط السياسة بكل هذا العالم، هي رابطة الإنتماء لتجمعات اختارت أن تكون سياسية لأنها مشروطة بسلط شارعة، وقانون ينظم تلك السلطة على شكل يسمح بممارسة الحياة بمحاذاة كل النزاعات والخلافات الكفيلة بإشعال فتيل الحرب والصراع، في تغييب مطلق للحوار والتشاور لذلك كانت حاجة الدول لبناء البرلمانات هي نفسها حاجة الإنسان القديم لرمح وأدوات تحفظ وجوده بعيدا عن أي شر يودي بحياته، البرلمانات توفر خاصية منعدمة في الحالة الطبيعية: "النقاش" أي التواصل في نظرية هابرماس، والشورى في الفقه الإسلامي القديم، هو المبدأ نفسه لكن الإنجارافات اللغوية تمنحه مسارا توفره بيئة مجتمعية دونما سواها .
في أي وقت يكون الصمت صكا يشمع الطبقات والنظم الحاكمة، تتزحزح السياسة عن غايتها الأسمى "التعدد"؛ في هذه الحالة يكون الأفراد جاهزين للغضب، يتطلعون فقط للفرصة التي تسمح لهم بالتجمهر في الشارع، سلوك عادي نعيش على وقعه في المجمتعات العربية، من ثورة الياسمين بتونس، إلى ثورة الفل بمصر، مباشرة نحو الربيع العربي الخارف بفعل انقلاب الغضب من حالة جمعية تخص شعبا بعينه إلى ملعب كلاسيكو تتبارى فيه كبريات القوى العالمية وفقا لأجنداتها الخاصة، فحتى لبنان بلد النشر والطباعة الأولى لم تسلم من ذلك، إذ عبر انفجار مرفأ بيروت الأخير على إهمال ودونية المواطنة في نظر النخبة المسيرة، احترقت المدنية وأخذت معها أرواح أزيد من ١٠٠ قتيل، غير أن لبنان بقيت على قيد الحياة، بعدما   آحتضرت في منتصف السبعينيات وبداية التمانينيات، وفي بداية الألفينات، كانت لبنان ولا زالت قضية عربية وعالمية مهمة على إثر الصراعات الطائفية التي تمزقها في كل مرة، طالما أن الإختلافات المعتقدية لم يحسم أمرها بعد، مما يجعل من كل قومية تتمسك بأسبقيتها وتجر  ناصية البلاد لصالح أولواياتها، إما من خلال رأس المال والتحكم بالسيولة، أو من خلال تمرير قوانين تتناسب وجيوب كبار البرجوازيين، أو من عبر تضييق الحريات (حرية الصحافة نموذجا)  التي تسنح بالرفض والإعتراض على القرارات الممنهجة من لذن القادة؛ ذروة تخريس / قمع الصوت تلبي وهم الإستجابة لمدخلات لم تحقق .

كثيرا ما تدفعني الفلسفة للبحث في علاقتها مع السياسة من خلال نقطة واحدة "المشكل"، فالفلسفة في عز انشغالها بالموت وإنتاج أفكار يململها الخوف من العدم؛ شكلت غربة بين التوأمين المختلفين، جعلت السياسة تصيب في الإشتباك مع هلع مينرفا بفعل الممارسة؛ عملية التبادل بين النظرية والتطبيق / التشريع والعدالة / الواجب والجزاء، تحول للسياسة من مأزق فردي إلى استشكال فلسفي ينقل الفيلسوف من مكانه الشاغر وسط زملائه الفلاسفة إلى صفة المواطن العادي (كانط في نقد العقل العملي)، حاله حال الجميع، إن لم يكن المقصي من بينهم على إثر توجهاته وآرائه (آبن رشد)، فالحرية هي هي نفسها في الحقلين إذ تأخذ مكانتها في داخل الإنسان من خلال الفلسفة عبر الخيال / التخييل والتأمل، بينما تتحقق بفعل السياسة من خلال خيار العقيدة السياسية في أكثر من سلوك (التصويت نموذجا). 
هناك علاقة تلازمية بين العقل والحركة تحول السياسة إما إلى تراجيديا أو كرنفال، إما الإتصال أو الانفصال، فتارة تدخل المعارضة تحت مسمى الدعائم الداخلية بينما قد تسمى تيارا انفصاليا مدعوما من الخارج ضد مصالح الداخل، مفهوم الحرية في الحالتين يخلتف، ويتماشى معه جدل السياسة في آن واحد، فالحرية في الحالة الأولى حق مدستر، بينما في الحالة الثانية تجريم قومي ذو حمولة رمزية لا يستهان بها، نفس الأمر بالنسبة للسياسة في الموقف الأول تكتسب مشروعية رسمية بينما في المقاربة الثانية تشكل خيارات حاسمة إما بالوجود أو العدم بالنسبة لمن يسمون إنفصاليين وتلك مشكلة السياسة، هي: "الشرعية" الكفيلة بنمدجة السياسة من هم لحظي ظرفي إلى انعتاق تاريخي لقيم الإرث السياسي الجمعي المشترك (ابتلاع التاريخ للسياسة)، الجدل برمته كامن في عنصر الجماعة وبصورة أخص وضعية الفرد داخل تلك الجماعة، هل ستحرره نحو معتقدات تمثله هو أو نحو مصير يكفل مستقبلها هي، قلق تتكفل به التنشئة، والرموز القومية في تكوين الكائن المشرع l’ être législatif      أي أن يكونا ذاتا أخلاقية وتنويرية قادرة على حمل مشروع التنوير بكل تحدياته وخصومه، فالحرية الفكرية والثقافية لا تحتاج لمساهمات ضخمة تدعمها بقدر ما تفتقر لمؤسسات تحميها من تعسف خصوم التنوير الذي هو بالأساس مشروع سياسي وليد لحظة يقظة، فحتى تلك العلاقة المتأزمة بين السياسة والفلسفة هي وليدة قمع الأولى للثانية لحفظ مصالح خاصة تحت غطاء الثرات الأفلاطوني الذي لملم السياسة بالمثال والفضيلة موقف يحتاج لتدخل الفكر ليس لحماية حياة المفكرين بل لصون السياسة من التشوهات التي تحطمها في كل مرة فبعد تأبيد أي نظرية مثالية يكون المصير هو الخروج عنها خلف الستار، مما يجعلها حبيسة الخطاب / التبشير / الإدعاء؛ عاجزة  بذلك عن الفعل الذي هي أصلا وجدت لتلبيته .