خسارة جديدة أضيفت للكيان الثقافي العربي

محمود عوض عبدالعال كان أسبق زملائه من كُتاب القصة في مصر في اختيار التجريب شكلًا لقصصه، وما اختاره من أساليب فنية خاصة كأسلوب تيار الوعي.


الكاتب الراحل كان ركنا من أركان كتّاب الستينيات والسبعينيات في مصر


الراحل كان أسبق زملائه من كُتاب القصة في اختيار التجريب شكلًا لقصصه

منذ أيام قليلة - فجر أول في رمضان المبارك - توفي الروائي الإنسان محمود عوض عبدالعال عن عمر ناهز 78 عامًا إثر جراحة استأصل فيها جزءًا من الأمعاء المصابة بورم سرطاني. ومحمود عوض عبدالعال تعرفنا عليه في نادي القصة بالقاهرة منذ بضع سنوات مضت، وأطلعنا على فكره النيّر تجاه قضايا معاصرة، ثم كان لنا شرف اللقاء معه في الإسكندرية وشعرنا أنّه الأكثر نضجًا في إدارة المشاريع الإبداعية؛ إذ دلّنا على طرائق مختلفة عن السائد لتفعيل الصناعات الثقافية، كما قدّم لنا النصح، وشجعنا في مركز ليفانت على الدخول في التجريب والمغامرة، وألّا نهاب مواجهة الأمية الثقافية والرفث الثقافيّ.
محمود عوض عبدالعال ركن من أركان كتّاب الستينيات والسبعينيات، ولد بالإسكندرية عام 1943، وتخرج في كلية دار العلوم، جامعة القاهرة سنة 1969، جند ضابطًا بالجيش المصريّ من 1971 حتى 1975، وشارك في حرب أكتوبر.
 باكورة أعماله رواية "سكر مر" التي انتشرت في الأوساط الأدبية العربية، ولاقت تمجيدًا لما فيها من تجريب أوصله كاتبها إلى درجة المغامرة اللغوية، كتب عنها كثيرون، منهم يحيي حقي وإدوار الخراط وسيد حامد النساج ومحمد عبدالحميد خليفة وآخرون.
في عام 1987 كُرّم في جنس الرواية بالمؤتمر الثالث لأدباء الأقاليم، كما كان مؤسسًا ورئيس تحرير مجلة "أقلام الصحوة" للأدباء والفنانين السكندريين بين 1974 - 1984، إذ صدرت في أربعة أعداد لكتاب مجددين في حقل السرد، وفي 1981 كان مشرفًا على جريدة "فن وأدب" الصادرة عن المركز القومي للثقافة والفنون التشكيلية بالإسكندرية.
تناولت رسالة ماجستير في النقد الأدبي بجامعة الأزهر، كلية الدراسات العربية والإسلامية أعماله، بعنوان: "محمود عوض عبدالعال قاصًّا" عام 2014، وأخرى في قسم اللغة الإنجليزية في جامعة المنيا بعنوان "تأثير تقنية تيار الوعي ممثلة في أعمال جيمس جويس وفرجينيا وولف على أعمال محمود عوض عبدالعال" في عام 2012، إضافة إلى إصدارات عن أعماله الإبداعية بعشرات الدراسات في الدوريات والكتب المتخصصة والمؤتمرات العلمية.

novel
المغامرة اللغوية والإبداعية 

 كتب محمود عوض عبدالعال خمس روايات وخمس مجموعات قصصية إضافة إلى عمل مسرحي وآخر في الفنون التشكيلية وثالث في الحركات العمالية: 
-    رواية "سكر مر" ط أولى 1970، كتابات معاصرة ط2 1988 الهيئة المصرية العامة للكتاب، وط3 2015 روايات الهلال. 
-    مجموعة قصصية "الذي مر على مدينة" ط1 1974 دار المعارف بمصر. 
-    دراسة فنية "في صحن مصر" ط1 1980 أقلام الصحوة. 
-    مجموعة قصصية "علامة الرضا" ط1 1983 الهيئة المصرية العامة للكتاب. 
-    مجموعة قصصية "حس البيت" ط1 1983 المجلس الأعلى للثقافة والفنون. 
-    رواية "عين سمكة" ط1 1980 دار الكاتب بيروت وط2 (مكتبة الأسرة) الهيئة المصرية العامة للكتاب 2014. 
-    مجموعة قصصية "تحت جناحك الناعم" ط1 1984 دار أبها السعودية. 
-    رواية "قارئ في الشارع" ط1 1995 الهيئة المصرية العامة للكتاب. 
-    رواية "الزجاج في دمي" ط1 2000 الهيئة المصرية العامة للكتاب. 
-    دراسة "الحركة النقابية لعمال الدخان" ط1999،1 دار أخبار اليوم. 
-    رؤية مسرحية "القلب الشجاع" ط1 1999 دار الملتقي المصري.
-     مجموعة قصص "عدى النهار" 2007 الهيئة المصرية العامة للكتاب. 
-    رواية "ضابط احتياط" سلسلة روايات الهلال 2014.
كتب عن الراحل الروائي الإنسان عبدالعال كثيرون، وجاء مما قيل فيه:
-    "الرواية تقدم ألوانًا جديدة من الأساليب الفنية غير الشائعة في الأعمال القصصية العربية، بل وأكاد أٌقول إنها لم تجتمع في عمل قصصي عربي من قبل. فإذا كان استخدام (تيار الوعي) يعد في حد ذاته أسلوبًا جديدًا نسبيًا في القصص العربي، فإن المؤلف لم يلجأ إلى استخدام هذا الأسلوب بالطرقية المألوفة التي عهدناها عند كتاب مثل جويس وفرجينيا وولف ونجيب محفوظ، وهي الطريقة التي يخبرنا فيها المؤلف تصريحًا أو تلميحًا أن تلك المشاعر والأفكار هي مشاعر وأفكار هذه الشخصية أو تلك. وإنما لجأ محمود عوض عبدالعال إلى عرض كل (تيارات الوعي) في الرواية من خلال (تيار وعي) واحد كبير لإحدى الشخصيات، وقد استعاد بذاكرته وأسلوبه تيار الوعي كل أحداث الرواية. وهذه الطريقة لم يلجأ إليها قصاص عربي من قبل وهي ولا شك ستثير كثيرًا من الجدل..." هذا ما كتبه د.حمدي السكوت عن رواية "سكر مر".
-    كما نشر مركز ليفانت للدراسات الثقافية في الإسكندرية كتاب "التجريب في الرواية، قراءة في تقنية الزمن في روايات محمود عوض عبدالعال" تأليف محمد عبدالحميد خليفة أستاذ، رئيس قسم اللغة العربية، جامعة دمنهور، وقد قال فيه:
"... وتبدو أهمية محمود عوض عبدالعال تحديدًا من جهتين:
الأولى: أنه كان أسبق زملائه من كُتاب القصة في مصر في اختيار التجريب شكلًا لقصصه، وما اختاره من أساليب فنية خاصة كأسلوب تيار الوعي.
والثانية: أنه كان أجرأهم في خوض هذه التجربة الفنية، التي تردد إِزاءها كُتاب جيله؛ لأنه في تلكم الحقبة كانت تُعد لونًا من المغامرة في وقت كانت الرواية الواقعية، بل قل التقليدية، لا تزال مهيمنة ومتسيدة المشهد القصصي في هذه الفترة، وأعني بها فترة الستينيات.. أضف إلى هذا أنه قد خاض هذا المضمار الإشكالي بخطى ثابتة، تُشعر القارئ بأنه كان واثقًا مما هو قادم عليه مراهنًا على ما يقدم من تجارب قد تبدو غامضة أو صادمة أول الأمر، وأنها سوف تجد من يقدرها وتبحث عن قارئها الخاص..."
رحم الله فقيدنا الغالي، ونحن على العهد مع نصائحه لنا بأن لا نقف حائرين أمام أنفسنا والعالم، بل علينا ان نلج المغامرة اللغوية والإبداعية والحياتية من أبوابها الواسعة، حتّى لا نبقى خارج فعل التاريخ.

خاض المضمار الإشكالي بخطى ثابتة، تُشعر القارئ بأنه كان واثقًا مما هو قادم عليه مراهنًا على ما يقدم من تجارب قد تبدو غامضة أو صادمة أول الأمر