"خوابي الحنين" كولاج شعري لشاعر مغترب

ديوان الشاعر اللبناني المغترب ياسر سعد يتأرجح بين المقاوم والوطني ويحلّق في فضاءت الغزل. 


القصيدة العمودية تمتاز بتوفر عناصر كتوزين الشعر وإلتزامها بالقافية الموحدة والبحر


متوالية شعرية قاسمها المشترك مفهوم الحنين بمستويات تعبيرية مختلفة


ولَكم تثور ُبمهجتي أحزانها ** ما شع في أحشائها لُبنانها 

صدر عن دار الأمير للثقافة والعلوم ببيروت ديوان جديد للشاعر اللبناني ياسر سعد  المغترب في الولايات المتحدة – ميشيغن، ويحمل العنوان "خوابي الحنين" وتنوعت قصائد الديوان بين القصيدة العمودية وقصيدة الشعر الحر وعبّر الشاعر من خلال هذين النمطين الشعريين عن حالات وجدانية مختلفة، ولكنه فضل تبني كتابة القصيدة العمودية في معظم قصائد الديوان التي تمظهرت على شكل منبر لخطاب حماسي ووطني يتغنى ببطولات المقاومة تارة وبحبه للوطن تارة أخرى، وبهذا قد تكون القصيدة العمودية بالنسبة للشاعر ياسر سعد هو الوعاء المناسب لتلك الموضوعات المتعلقة بالقضايا الوطنية، فالمعروف أن القصيدة العمودية التي تمتاز بتوفر عناصر كتوزين الشعر وإلتزامها بالقافية الموحدة والبحر الذي يمنح الأبيات الشعرية اللحن والأثر الموسيقي، واكتسبت الكثير من قصائد الشاعر الطابع الغنائي، وهو يخاطب الوطن والأم والاب والحبيبة. كما في قصيدة عصارة الروح (ص 53):
ولَكم تثور ُبمهجتي أحزانها ** ما شع في أحشائها لُبنانها 
والشمس من قلل الجبال كأنها ** نارٌ تأججُ والغيوم دخانها 
والأرض ُترفلُ بالطيوب تألقا ** وتتيه ُتيها ًناطقا ألوانها 

صوت شعري مهجري عربي يحاول تجديد تجربته الشعرية عبر تنويع الموضوعات وتحسين الشكل الشعري وتفعيل عناصر مزاوجة الأنماط الكلاسيكية بالحديثة

ويبدو أن الشاعر سعد فضَّل كتابة معظم قصائد هذا الديوان وفق نمط القصيدة العمودية لإعتزازه بهذا اللون الشعري الأصيل الذي يعد أقدم الألوان الشعرية في تاريخ الشعر العربي والذي بدأ الكثير من الشعراء العرب يهجرونه حيث يفضلون كتابة قصيدة الشعر الحر بنثرها وتفعيلتها، ومن المعلوم أننا بتنا نشهد الكثير من التجارب الشعرية التي يتداخل فيها النسيج الشعري مستعيرا حلته الجديدة من النثر الشعري والشعر العمودي وتفعيلاته بل أن تلك التمازجات الأدبية باتت تقتحم مجال القصة والرواية في تراكيبها السردية ذات الشعرية العالية،   ولكن شاعرنا ياسر سعد حاول التمسك بخياره بالميل لكتابة الشعر العمودي الذي يراه فضاءه الأدبي الذي يعكس عنفوان روحه الجذلى المتأصلة بروح التراث العربي الشعري وفنونه على الرغم من كتابته لقصيدة الشعر الحر وهو الذي عرفتُه المنابر الشعرية هنا، في مهجره الأميركي حيث شارك في العديد من الأنشطة الشعرية التي ألقى خلالها عشرات القصائد كانت في معظمها قصائد عمودية. 
ففي قصيدة "كتابات الدموع" يعبر عن شغفه وهو يخوض غمار الكتابة الشعرية حيث يقول: 
كتابات ٌتحررها الدموع ُ** بها يتألق ُالأدبُ الرفيع ُ 
هي الوجدانُ ينساب ُ إنسيابا ً ** على الأوراق ياقوتا ًيموع ُ 
عذابات ُ أعالجُها بشعري ** وأسكبها، بها سحر ٌ بديعُ 
إذا ما لامست فكراً نظيفا **  لظل َّ لمثلها أبداً يجوعُ 
وفي خضم الحديث عن القصيدة العمودية المعاصرة، لا بد من الإشارة الى أن ثمة من يطالب بتحديثها من حيث الوزن والتكثيف والإيجاز وتطويع اللغة بقوالب أكثر سهولة من تلك المعقدة، ولعل شاعرنا ياسر سعد الذي يعد من المخلصين للقصيدة العمودية يمضي في مسيرة التجريب الحداثي بوصفه ضرورة معاصرة لكل ما يتعلق بحياتنا على مستوى العلوم المحضة والعلوم الإنسانية والفنون والآداب والشعر أحد أبرز واحات الأدب الغنّاء التي تمتثل لتلك الدعوات، لذا نشهد زخما ًمن التجارب الشعرية التي تحاول المزاوجة بين الاصالة والحداثة، وبالتأكيد تلك المهمة تعتمد على كفاءة الشاعر واستيعابه لمفهومي التراث والحداثة وقدرته على اجتراح آليات تحديث تعزز شكل القصيدة ومضمونها الذي يكمل بعضهما البعض، والمعروف أن القصيدة العمودية تجمع بين أساليب البديع وفنون اللغة من تشبيهات فنية وإستعارات بلاغية. 
وفي قصيدة "المنفي" يوظف الشاعر ياسر سعد تلك الاستعارات القرآنية بطريقة معينة ليعبر عن تجربته في المنفى في سنواتها السبع من خلال تناص مع قصيدة النبي يوسف عليه السلام حيث يقول: 
وسبع عجاف ٍمررن َبهجري ** وما قبلهن عرفتُ هنا 
فهل ثمَّ عام ٌ يغاث ُ الفؤاد ُ ** به أو يحقق ُبعض المنى 
وخلف َ المحيط ِ أب ٌ كاد َ يعمى ** من الحُزنِ وهو شديد ُ الونى 

شعر
ما عاد َ شرقيا بشرقي غير رقص الراقصاتِ

وفي معرض الحديث عن قصائد ديوان "خوابي الحنين" لا بد من الإشارة إلى أن الديوان يحتوي على 67 قصيدة ومقدمتين إحداهما جاءت بقلم الناشر محمد حسين بزي الذي قال عن الشاعر: "ياسر سعد أهداني أجمل الهدايا .. أهداني الوله في كأس محبة ،سكرتُ منه ساعة، وانتشيتُ معه ساعات". 
كما تضمن الديوان مقدمة بقلم د. يحيى شامي أستاذ الدراسات العليا في الجامعة اللبنانية، الذي أثنى على تجربة الشاعر حيث جاء في مقدمته "ياسر سعد صاحب ديوان خوابي الحنين يا من ترنحتَ في شعرك ذات الشمال وذات اليمين مزاوجا بين عمودي الشعر وحره محاكيا السياب زعيم اللون الأخير من الشعر، في الحديث طورا كما في قصيدة حبيبتي والليل، أو محاكيا ً عمر بن أبي ربيعة زعيم الغزل في القديم قصصا ًوحوارا. كما في قصيدة ليل وغرام وصقيع طورا ً آخر". 
وعن قصيدة الشعر الحر في هذا الديوان فقد كتب الشاعر عدة قصائد تنتمي لقصيدة الشعر الحر، وتميزت بجزالة معانيها وجمال بنائها وكانت فضاءً خضبا ًللحديث عن موضوعات متنوعة فما يلفت بهذ الديوان أن القصائد التي وردت فيه كتبها الشاعر في فترات زمنية متقطعة، حيث كتب عددا ً منها حينما كان في وطنه الأم لبنان في تسعينيات القرن المنصرم كما هو موثق في أسفل القصائد وكتب الجزء الآخر هنا في ميشيغن 
وما بين هنا وهناك تجلى اختلاف الموضوعات التي تناولها الشاعر حيث وثق هناك حياة الضيعة والطبيعة والعلاقات الإنسانية والأحداث التي واجهها لبنان ومنها انتزاعه لأرضه بنت جبيل من الكيان الإسرائيلي المحتل إلى جانب نصوصه الشعرية الغزلية وقصائد مهجرية عنونها هو بـ "النيويوريكات" نسبة إلى مدينة نيويورك التي أقام فيها فترة من الزمن، ويمكن القول إن الشاعر ياسر سعد صوت شعري مهجري عربي يحاول تجديد تجربته الشعرية عبر تنويع الموضوعات وتحسين الشكل الشعري وتفعيل عناصر مزاوجة الأنماط الكلاسيكية بالحديثة، لكنه ينحاز في أغلب الأحيان للقصيدة العمودية التي قد يرى نفسه أحد فرسانها المعاصرين بعدما أصبحت لدى الكثير من الشعراء العرب نسياً منسيا.
يعبر الشاعر في نصه الشعري الذي ينتمي لقصيدة الشعر، عن استيائه لما وصل إليه حال الشرق، ويقصد بذلك الشرق الأوسط الذي يشكل العالم العربي منه الجزء الاكبر حيث يقول: 
ما عاد َ شرقيا بشرقي غير رقص الراقصاتِ 
فتراقصي آمال شعبي بين أقدام الغزاةِ 
وتبادلي معهم نخوب الخمر .. إن الوعي عاتِ 
قد صار قصر ُالحكم ملهى بين نيلك والفراتِ.
بقي أن نذكر أن ديوان "خوابي الحنين" الذي يعد متوالية شعرية قاسمها المشترك مفهوم الحنين بمستويات تعبيرية مختلفة يقع في 150 صفحة من القطع المتوسط.