"دراما بلا حدود" 17 عاما من العطاء والبحث عن الضوء

معهد دراما بلا حدود.. مبادرة عالمية لتأسيس قيم إنسانية عبر الفنون.


إنشاء معهد دراما بلا حدود كان نتاجا لرحلة عطاء طويلة، وثمرة لجهد كبير


المعهد يسعى بأهدافه الشاملة لتطوير إمكانيات الفرد ليكون قادرا على الدفاع عن كرامته الإنسانية

عندما علمت من الدكتورة دلال مقاري باوش أن معهد "دراما بلا حدود" يحتفل بعامه السابع عشر، ضحكت وقلت لها لقد كبر الطفل وأصبح شابا يافعا، وأصبح كيانا ثقافيا مهما على مستوى العالم العربي رغم أنه يتخذ من ألمانيا مقرا له وانطلاقة.
عندما تأملت رحلة معهد "دراما بلا حدود" الكبيرة، قفزت في ذهني مؤسسات ثقافية عديدة لديها هياكل إدارية ومالية واسعة ولا يكاد يكون لها تأثير واضح، بينما "دراما بلا حدود" رغم أنه قائم بالأساس على جهد فردي لمديرته ومؤسسته الدكتورة دلال مقاري باوش مع بعض المتطوعين من شخصيات ثقافية على مستوى العالم العربي من مجالات متعددة، فإنه استطاع أن يكون له تأثير كبير وواسع على مستوى العالم العربي وخاصة قطاع الشباب.  
ودلال مقاري باوش رحلة عطاء طويلة وقصة كفاح ممتدة، فهي لقبت بسيدة الأرض، ورُشحت لجائزة نوبل، تعيش في ألمانيا وعقلها في مصر وقلبها في فلسطين، تكافح الإرهاب بالفن، صوفية.. يسارية.. ومسيحية في الوقت نفسه، ثقافتها غربية وشرقية، بنت للتراث العربي، متعددة الثقافات والجنسيات، كتلة مواهب متعددة من تمثيل، نقد، إخراج، رسم، شعر، قصة، إلقاء، هي من أصول جزائرية، وولدت في سوريا، ووالديها من فلسطين، ومعها الجنسيتان الهولندية والألمانية.

جوائز وتكريمات للأعمال الفائزة في مسابقة "الكورونا في زمن التحولات"، وهي المسابقة التي نظمها المعهد تزامنا مع تداعيات ظهور وباء كورونا، واستقطبت إبداعات ومبادرات من مختلف الفنون 

وإنشاء معهد دراما بلا حدود كان نتاجا لرحلة عطاء طويلة، وثمرة لجهد كبير قدمته على مدار سنوات سابقة لإنشاء المعهد، بالتعاون مع جمعيات ومنظمات أهلية على مستوى العالم العربي استهدفت المهمشين واللاجئين. 
وانطلق المعهد كفكرة في عام 2003 بألمانيا، ولا أستطيع أن أحصر أنشطة المعهد المتنوعة لكثرتها، ولكنها بشكل عام تهدف إلى مواجهة العنف المجتمعي والتطرف بالإبداع انتصارا لحقوق الإنسان، وقضية فلسطين والقدس هي دائما محور رئيسي في منظومة العطاء للمعهد.
ويهتم المعهد في رسالته بتقيم مبادرات لتأسيس قيم إنسانية عبر الفنون، واحتضان كل الفئات المهمشة والمعدومة والمنسية، والمشردين والمهاجرين، وأيضا قضايا المرأة والطفل على وجه خاص.
ويقوم المعهد من خلال ورش عمل ومحاضرات وحلقات عمل على تحفيز الطاقات الأكاديمية، والكوادر المثقفة والرائدة في الوطن العربي لتحفيزها على دعم قضايا الإنسان وتقديمها عبر الفنون، فالفنون هي الوسيلة الأساسية في رسالة المعهد لتنمية الفرد والمجتمع في رحلة البناء والتطور.
ويسعى المعهد أيضا بأهدافه الشاملة لتطوير إمكانيات الفرد ليكون قادرا على الدفاع عن كرامته الإنسانية، ومبادئ حقوق الإنسان، وتشجيع احترام حرية الآخر وترسيخ ثقافة الحوار والمساهمة في نشر القيم السامية عبر رسالة الفنون، ودعم برامج التعايش والإندماج للاجئين في أوروبا، والعناية بضحايا الحروب والإرهاب، وإعادة تأهيلهم نفسيا وإجتماعيا عبر الدراما ثيرابي والسايكودراما.
عندما تعرفت على الدكتورة دلال مقاري باوش منذ عدة سنوات في لقاء بالقاهرة ضم أصدقاء مشتركين، وحكت لي على ما يقدمه المعهد ظننت في البداية أنها تبالغ، وبدأت أتابع عن كثب نشاط المعهد وما تقدمه من جهد، وفوجئت أن ما سمعته منها كان أقل كثيرا عن الواقع، فهي تجوب العالم العربي في رحلات مكوكية من أجل تحقيق هذه الأهداف، وتنمية فرق من الشباب ليكونوا سفراء للمعهد وحاملين رسالته من خلال ما تقدمه من دورات تدريبية وورش عمل ومحاضرات، والمنح الدراسية الخارجية لبناء القدرات الاستراتيجية، ودعم الأسر المحتاجة عن طريق تمويل المشاريع الصغيرة.
وأصبح للمعهد على مدار سنوات قاعدة شبابية من طلابه في كل الدول العربية، يحملون رسالته ويقومون بدورهم بنقل ما تعلموه من فنون وثقافة لغيرهم في ورش عمل أخرى داخل مدنهم وقراهم.  

Initiatives
رحلة عطاء طويلة

واستطاعت دلال مقاري بجهدها أن تقوم بعمل شراكات بين المعهد وكثير من المؤسسات الثقافية والتعليمية على مستوى العالم العربي، كما بدأ المعهد يحصد نتاج هذا المجهود من خلال جوائز وتكريمات عربية وعالمية نتيجة للأعمال الإنسانية التطوعية التي ساهمت في إعادة تأهيل المدمنين، وذوي الإحتياجات الخاصة ومن يتعرضون للتعنيف بأشكال مختلفة سواء كن من النساء أو الأطفال.
ويحتفل المعهد طوال أغسطس/آب 2020 بألمانيا بمرور 17 عاما على إنشائه، من خلال معرض "لوحات خارج الإطار" برعاية "اتحاد الصداقة العربية الأوروبية" و"رابطة جامعات ومدارس فاو ها إس الألمانية"، ويعلن خلال المعرض جوائز وتكريمات للأعمال الفائزة في مسابقة "الكورونا في زمن التحولات"، وهي المسابقة التي نظمها المعهد تزامنا مع تداعيات ظهور وباء كورونا، واستقطبت المسابقة إبداعات ومبادرات من مختلف الفنون التي تفاعلت مع الواقع الجديد الذي فرضه انتشار فيروس كورونا، والمعرض بذلك يمثّل محاولة لرصد انعكاس هذه المرحلة الحرجة عالميا على الإبداع والمبادرات الفنية والإنسانية. 
يشهد المعرض حضورا دبلوماسيا عربيا وأوروبيا، وهو تتويج لرحلة عطاء 17 عاما، وانطلاقة لبدايات جديدة في الفترة القادمة، وسوف يتخلل المعرض العديد من الأنشطة الثقافية الموازية من أمسيات موسيقية وقراءات شعرية وقراءات في القصة القصيرة جدا، وعروض أكروبات وألعاب بهلوانية، وزيارة متاحف وغيرها.
ما قدمه معهد دراما بلا حدود في ١٧ عاما يدعو للفخر. وأتوقع أن يقدم في المستقبل ما هو أكبر وأعظم. وأدعو كل المهتمين بالإنسان في العالم بتقديم كل ما يستطيعون من دعم لهذا المعهد. فبمثل تلك الجهود التطوعية تبقي قيمة العمل الإنساني النبيل في عالم تسوده مادية متوحشة.