د.سارة نصر: معدلات التحرش والعنف ضد المرأة المصرية مازالت مرتفعة

دراسة 'المرأة والتمكين السياسي والأمن السيبراني والترقي للمناصب العليا' تسعى للتعرف على اتجاه الأكاديميين والممارسين نحو الفجوة النوعية على مستوى المناصب العليا في التليفزيون المصري.

يعد وضع المرأة في المجتمع أحد المعايير الأساسية لقياس مدى تقدمه وفعالية خطوات التنمية، لذا تسعى الدول والقيادات المختلفة لسد الفجوة النوعية بين الرجل والمرأة في مجال العمل السياسي، لتأكيد مشاركتها في الحياة العامة، بما يتناسب مع أهمية دورها وقدرتها بل والكثافة العددية لها، ومن ثم ضمان مساهمتها في عملية التنمية بأبعادها المختلفة في ظل متطلبات الحاضر وطموحات المستقبل.

تسعى هذه الدراسة "المرأة والتمكين السياسي والأمن السيبراني والترقي للمناصب العليا" للباحثة د.سارة نصر والصادرة أخيرا عن دار العربي للتعرف على اتجاه الأكاديميين والممارسين نحو الفجوة النوعية على مستوى المناصب العليا في التليفزيون المصري بملكيته المختلفة، مع الأخذ في الاعتبار وضع المرأة في التعليم الإعلامي وقوة العمل، والمشكلات المختلفة التي قد تقف أمام المساواة بين الجنسين، وذلك اعتمادا على مفهوم السقف الزجاجي، وتوضيح جهود وانجازات الدولة ومؤسساتها في تمكين المرأة في تلك المناصب، مع الاهتمام بتقييم مقترح دراسة النوع الاجتماعي في التعليم بعد الجامعي في كليات الإعلام، بما يحقق تكامل هدفي جودة التعليم والمساواة بين الجنسين من أهداف التنمية المستدامة، وقد تم عمل مقابلات متعمقة مع عينة من 31 الأكاديميين والممارسين مع مراعاة تمثيل المستويات الإدارية المختلفة والقنوات ذات الملكية المختلفة والتوازن في النوع.

ترى نصر أن إثراء الموارد البشرية للمرأة يتم عن طريق التعليم، حيث يمكنها من الحصول على قوة في سوق العمل ويمنحها حظوظا تنافسية في الحصول على فرص العمل ويسهم في تحسين تمكينها.. وتأتي المشكلة في مصر مزدوجة بسبب: أولا ارتفاع نسبة الأمية بشكل عام وبين الإناث بشكل خاص، وذلك إذا افترضنا عدم وجود تسرب من المدارس، وتأثير ذلك على معرفتهن بحقوقهن وواجباتهن على المستوى السياسي. ثانيا قصور النظام التعليمي في عملية التثقيف السياسي من خلال تكراره للأدوار التقليدية، مما أضعف دوره في المشاركة السياسية للمرأة. ثالثا تساهم مناهج التربية والتعليم في رسم صور تقليدية للمرأة، لا تراعي التوازن بين أدوارها الاجتماعية والاقتصادية والعلمية والتي تجمع بينها في الوقت الحالي، ويتضح من ذلك أهمية وجود استراتيجية تعليمية شاملة تتناسب مع احتياجات مصرومتطلباتها التنموية بما يضمن توفير التعليم للمرأة أولا ثم تضمينه لأهمية مشاركة المرأة السياسية وحقوقها وواجباتها وإبراز نماذج من المرأة الفاعلة على مدى التاريخ ومن الشباب حاليا، بما يسهم في تغيير المفاهيم المتوارثة الخاطئة والممارسات السياسية السابقة.

وتلفت إلى أن هناك تفاعلا متبادلا بين ما هو سياسي واقتصادي، فنادراً ما تكون هناك مسألة اجتماعية أو سياسية أو ثقافية لا تتأثر بالعامل الاقتصادي، ويأتي في مقدمة المشكلات الاقتصادية، عمل المرأة والذي أصبح ضرورة حتمية، ليس فقط لاثبات ذاتها وحقها في النجاح، ولكن لمشاركة الرجل في أعباء الحياة، وتواجه المرأة المصرية فيما يتصل بالعمل مشكلات عديدة، لعل أولها ارتفاع نسبة البطالة بين الإناث رغم حصولهن على درجات مؤهلات علمية متميزة في إطار عجز السوق المصرية عن استيعاب الاعداد الهائلة من الخريجين، كما أنه لا تزال المرأة في الريف والأحياء الشعبية تعمل في أنشطة منخفضة الإنتاجية. هذا إلى جانب المشكلات المرتبطة بالفقر في المجتمع أو حالتها الاجتماعية. وفعليا حققت مصر تقدما في هذا المجال، فقد انخفضت نسبة بطالة النساء في مصر من 24.7% في الربع الثاني من عام 2017 إلى 19.6% في الربع الأول لعام 2019). وقد عقد المجلس القومي للمرأة بروتوكول تعاون مع البنك المركزي في سبتمبر 2017 على هامش فاعليات افتتاح المؤتمر الدولي السنوي التاسع للتحالف الدولي للشمول المالي، ووصلت نسبة النساء من القروض متناهية الصغر 70% من أصل 3 مليون مستفيد.

وتؤكد نصر أن أنماط التنشئة والمرجعية الثقافية المفسرة لدور المرأة وسيادة ثقافة التمييز لصالح الرجل، جعل المجتمع الذكوري يرى في تسليم المراة بواقعها فرصة لاستمرار سيطرته عليها وتهميش دورها، بل إنه لا يقبل أي محاولة لتغيير هذا الواقع ويقابلها بالرفض فالحكم الجائر بفشل المرأة في ممارسة العمل السياسي وبعدم أهليتها له يمثل التصور الشائع أو المعتقد السائد لدى الكثيرين، ولا يقتصر ذلك على مجتمعاتنا العربية، فمقاومة عمل المرأة في السياسة ظاهرة عالمية، لكن تأثيرها على نسبة تمثيل السياسي يكون بدرجات متفاوته تبعاً لدرجة نضج المجتمع ومستوى الديموقراطية، ولا يقف التأثير الثقافي عند هذا الحد، فهناك تناقض واضح بين إيمان بعض الذكور بأهمية حصول المرأة على حقوقها السياسية شريطة توليها مناصب عليا، وقد أثر هيمنة تلك الثقافة على رغبتها في إثبات كفاءتها وتحقيق ذاتها، بل وانعكس على تربيتها لأبنائها الذكور، لتنتج هي بنفسها أجيال جديدة مقهورة من النساء.

وتشير إلى أن ضعف دور الأحزاب في تقديم الدعم السياسي للمرأة، يعد أحد أهم التحديات السياسية التي تواجه مشاركتها السياسية، فهناك احجام للأحزاب عن ترشيح النساء وعزوف عن تدريب الكوادر النسائية سياسيا. وذلك على الرغم من إن الصفوة النسائية سواء الحزبية أومن المجتمع المدني قادرة على أن تلعب دور فعال في دعم المرأة وتمكنيها سياسيا، فكلما ضم الحزب نساء ذوات كفاءة في مناصب تنفيذية وقيادية، كلما كان ذلك بمثابة تأهيل لها لتكون نواة لتصعيدها سياسيا بل وتحفيز غيرها من النساء على المشاركة.

وترى نصر أنه على قدر ما تولي الدولة المصرية بكافة أركانها من قيادة السياسية ومؤسسات رسمية ومجتمع مدني، اهتمام ورعاية لحقوق المرأة ودعمها، متمثلة في المادة رقم 11 من دستور 2014 والهدف الخامس في رؤية مصر للتنمية المستدامة 2030، والمحور الرابع للحماية الاجتماعية وإستراتيجية مواجهة العنف ضد المرأة، في إستراتيجية تمكين المرأة التي أعدها المجلس القومي للمرأة، مما جعل مصر رائدة في مجال تمكين المرأة. إلا أن معدلات العنف وخاصة التحرش مازالت مرتفعة، فوفق بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء عام 2015،عن النساء من سن (18-64) عام، جاءت نسبة من تعرضن لعنف بدني أو جنسي قبل الزواج 34.1%، وبلغت نسبة التحرش 13%، وكانت الطالبات أكثر الفئات تعرضًا للتحرش بنسبة 91.3%.

وتضيف إن الإحصاءات الحقيقة كاملة لا تظهر، فقد تطور العنف وتنوع في وسائله ومسمايته، حيث اتجهت أعين المنحرفين نحو استحداث "التحرش الإلكتروني" والذي يلازمه مؤخرا التهديد والتشهير والإبتزاز، ولا تختلف تلك الجرائم عن مثيلاتها التقليدية لكنها أكثر تكرارا وإستمرارية والأكثر في عدد الضحايا، معتمدين على انتشار تلك الوسائل ومستغلين سماتها في إخفاء الهوية وضعف الرقابة والاعتقاد بإمكانية الفرار من العقاب وتحقيق العدالة، إلى جانب الضغط المجتمعي والحكم على الضحية وتوجيه اللوم لهن. وقد جاء في تقرير حقائق ومؤشرات حول الإنترنت في مصر فبراير 2022، أن عدد مستخدمي الانترنت في مصر قد بلغ 75.66 مليون، وبلغ معدل انتشار الإنترنت في مصر نحو 71.9%. كما كشف تقرير "النظرة العامة العالمية" الرقمي الجديد لعام 2022، نمو عدد مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي ليصل إلى نحو 51.45 مليون.، وجاء في المركز الأول اليوتيوب 46.3 وتلاه فيس بوك 44.7 ثم ماسنجر 34,6 مليون، وفي المراتب الأخيرة تيك توك 20.3 مليون وإنستجرام 16 مليون. ولأن الدولة المصرية تسعى جاهدة لإنهاء كافة أشكال العنف ضد المرأة مهما كانت وسائلها، فقد واكب تلك الجرائم الإلكترونية اهتمام جاد بمكافحتها، حيث تم تعديل كثير من القوانين سواء العقوبات أو مكافحة جرائم الإنترنت أو سرية بيانات المبلغ عن التحرش، كما تم تفعيل كثير من الإتفاقيات الدولية.

وتوضح نصر إن نسبة المرأة في المناصب القيادية على مستوى وزارة الدولة للإعلام قد وصلت إلى 50% وذلك وفق تقرير مرصد المرأة المصرية 2019، على حين كانت نسبتها في وظائف الإدارة العليا بالإذاعة 43% وبالتليفزيون 35%، وذلك فق تقرير الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء 2015. وبقدر ما تشير تلك الأرقام لتطور ملحوظ لوضع المرأة في الإعلام حاليا والثابت في حركة الترقيات الأخيرة للشركة المتحدة، بقدر أهمية النظر لوضعها مستقبلا حيث لازال هناك عدم تناسب مابين الرجل والمرأة على مستوى القيادة، خاصة في ظل توجه الدولة نحو دعم وتشجيع القطاع الخاص والثابت من خلال وثيقة ملكية الدولة، وبالتوافق مع تبني البرنامج الوطني للإصلاحات الهيكلية بمصر، وخصوصية القوانين التي تطبق على القطاع الحكومي وتضمن التدرج الوظيفي والترقي، والدعوات التي تطرحها وتناقشها لجنة الإعلام بالمجلس القومي للمرأة، لعدم تحجيم دورالمرأة في الإدارة الإعلامية وتنميط الوظائف الإعلامية علي حسب النوع، بل وفق القدرات والامكانات والتمكين، بما يتناسب مع أهمية دور المرأة من جانب وعظم دور الإعلام من جانب أخر) حيث يقع على عاتق الإعلام عرض وتفسير وتوعية الجمهور بأهداف التنمية المستدامة، وحجم الاستفادة المرجوة منها وحثهم على المشاركة فيها، ويتطلب ذلك أن تكون المرأة شريك أساسي على مستوى صنع القرار، بما يضمن تخطيط وتوجيه وإنتاج مضمون إعلامي متوازن وعادل يراعي النوع الاجتماعي، في تغطية كافة قضايا التنمية بداية بالفقر والصحة والتعليم والمساواة وصولا بالبيئة والسلام.

حول الإعلام والصورة الذهنية للمرأة، تؤكد نصر أن وسائل الإعلام تستطيع أن تلعب دورا هاما في تحقيق المساواة بين الجنسين، من خلال محتوى يراعي ويحترم الفوارق بينهما ويكسر القوالب النمطية عنهما، لترسيخ قيم وتقاليد حديثة تتلاقى فيها مفاهيم الدين الصحيحة مع قيمة المساواة بين الجنسين بكل ما تحمله من معاني الحرية والعدل وتكافؤ الفرص، ويتطلب ذلك عرض صور صحيحة عن المرأة وقدراتها وأهمية مشاركتها في التنمية، لتوعية المجتمع بدورها من جانب وتنمية المرأة وإعادة بنائها النفسي والفكري من جانب اخر. وعلى الرغم من أهمية وتأثير الإعلام على الصورة الذهنية للمرأة، فقد كشفت البحوث التي أجريت في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، أن وسائل الإعلام في مصر استمرت في تدعيم الصورة النمطية للمرأة المصرية (كأم معطاءة وزوجة خاضعة وابنة مطيعة) واهتمامها بالأزياء والطهي والديكور، هيمنت هذه الصورة النمطية على الإعلانات التليفزيونية والدراما والأفلام التليفزيونية، كما كانت تقدمها في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي رغم ما طرأ من تطورات على أوضاع المرأة وطبيعة أدوارها.

وتوضح أن المجلس الأعلى للإعلام أصدر مجموعة من الأكواد الخاصة بالتعامل مع قضايا المرأة بشكل يليق بها ويدعم دورها في التنمية، موضحة معايير التغطية الصحفية أوالإعلامية لقضاياها من خلال تقديم تغطية متنوعة عنها، ومناقشتها بطريقة منصفة وعادلة لتشمل جميع الأعمار والطبقات الاجتماعية والاقتصادية والديموغرافية، كما أصدر المجلس القومي الكود الإعلامي لتناول قضايا المرأة في الإعلام (ضوابط مهنية وأخلاقية)، كما تقوم لجنة الإعلام كل عام بتحليل صورة المرأة في المسلسلات والبرامج والإعلانات الرمضانية بشكل مفصل. ويمكن القول أن الدمج بين تلك الجهود الإعلامية والاهتمام السياسي بالمرأة وتمكينها، قد تكون بداية للتغير المطلوب، فالظهور الإعلامي للقيادات النسائية بقدر ما يؤثر على الصورة الذهنية للمرأة، بقدر ما يدعم ويدلل على أحقية النساء بالتمكين وجدارتهن للقيادة، حيث ثبت في دراسة عن تناول البرامج الحوارية لأداء القيادات النسائية، أن هناك علاقة ‏ارتباطية دالة إحصائياً بين كثافة تعرض المبحوثات للبرامج الحوارية التليفزيونية لاداء القيادات النسائية المصرية واتجاهاتهن نحو التمكين السياسي، وهو ما يؤكد أن الواقع والممارسة الحقيقية لحقوق المرأة، أكثر مصداقية وتأثير على المشاهد، وهو ما تتطلبه المرحلة الحالية بشكل أكثر تحديدا ويرتبط وينطبق أيضا على وجود المرأة في مناصب قيادية في الإعلام.