رمضان فى رحاب الثقافة الشعبية

طوائف المسحرين على امتداد الوطن الإسلامي راحت تتفنن في الأساليب والأناشيد والأزجال، وتؤديها وفق مرور أيام الشهر الكريم.


الأغنية الرمضانية انتشرت بواسطة المسحرين الذين يوقظون الناس لطعام السحور


الأطفال كانوا يغنون مع المسحرين وهم يطوفون بفوانيسهم


يا فاطر رمضان يا خاسر دينك كلبتنا السوده تقطع مصارينك

ارتبط الأدب الرمضاني بالثقافة الشعبية أعظم الارتباط، وكان المجال البارز لهذه المساهمة الطيبة شفهيًا فى المقام الأول، ويكفي أن نشير للأزجال الشهيرة وفنون التسحير بالأناشيد وغيرها، ونبدأ بمشاركة الزجل مشاركته المهمة، بل ودخل تراثنا الشعبي من أوسع الأبواب، خاصة في الزجل الشهير الذي شنع به أحد الزجالين علي مفطر رمضان، فيحكي أنه كان بمصر شاعر من علماء الأزهر الشريف وهو الأستاذ النجار، وشاعر آخر هو الإسكندر وكان الأخير سكيرًا عربيدًا حتى في رمضان وفي رابعة النهار، فنظم فيه الأول جملة من القطع شعرا وزجلا منها هذا الدور: "يا فاطر رمضان / يا خاسر دينك /  كلبتنا السوده / تقطع مصارينك"، وقد انتشر هذان البيتان وحفظه المداحون والأطفال وسارت به الركبان في كل مكان فكسب هذا الفاطر مذمة على مدى الدهر بهذا الزجل.
ولم تكن تلك المساهمة الزجلية المهمة إلا امتدادا لرحلة مع الأغاني الرمضانية، والتي صارت قسمًا مهمًا في الأداء الأدبي للاحتفاء بالشهر الكريم، فكلنا رددنا ونحن أطفال الأغنية الرمضانية الشهيرة: "وحوي يا  وحوي …. إياحة" فما أصلها؟ ولم يكن لتلك الأغنية الرمضانية انتشارا إلا بواسطة المسحرين الذين يوقظون الناس لطعام السحور، كما كان الأطفال يغنون معهم وهم يطوفون بفوانيسهم: "أحوي … أحوي … إياها / بنت السلطان … إياها / لابسه قفطان … إياها / ياللا نجيب له … إياها"، ومعناها أن الطفل يتمني أن يحوي عنده بنت السلطان ذات الثياب الفاخرة المحلاة بالجلاجل الذهبية، وقد أعاد بعض المؤرخين نشأة هذه الأغنية إلى العهد الفاطمي ثم تحرفت بعد ذلك إلى لفظها الشهير، ثم اشتهرت أغنية "وحوي" في الإذاعات الأهلية عن رمضان كتبها حسين حلم وغناها المطرب أحمد عبدالقادر.
ومن الفنون الأدبية الأخرى والتي ارتبطت بالشهر الفضيل وتضرب أيضا بجذورها في الثقافة الشعبية الرمضانية، فنون التسحير بالأزجال والأناشيد المنظومة، لدرجة إبتكار الأشكال الفنية المتعلقة بها، فقد بدأ التسحير برفع الآذان وإضاءة مآذن المساجد، ففي العصر الفاطمي كان المؤذنون يؤذنون على مآذن المساجد للسحور، ثم اشتهر من المؤذنين في أواخر العهد الفاطمي ابن نقطة - توفي عام 597هـ - والذي كان يسحر الناس، ويوقظ الخليفة في بغداد، واخترع فن "القوما"، وهو ضرب من الموال كفن شعبي شعري له تقاليده الفنية الخاصة وأصله الزجل المشتق من قول المسحر: "قوما للتسحر قوما" أو "نياما نياما قوما للسحور" فلما مات ذهب ابنه لقصر الخليفة وأنشد: "يا سيد السادات … لك في الكرم عادات … أنا ابن نقطة … تعيش أبويا مات". 

Ramadan
أيها النوام قوموا للفلاح 

وراحت طوائف المسحرين على امتداد الوطن الإسلامي تتفنن في الأساليب والأناشيد والأزجال، وتؤديها وفق مرور أيام الشهر الكريم، ومن تلك الأهازيج على أربع مرات خاصة في المساجد كما يلي: 
التذكير الأول: "أيها النوام قوموا للفلاح / واذكروا الله الذي أجري الرياح / إن جيش الليل ولي وراح / وتدانى عسكر الصبح ولاح / اشربوا عجلى فقد جاء الصباح / معشر الصوام بشراكم / ربكم بالصوم هناكم / وجوار البيت قد أعطاكم / فافعلوا أفعال أرباب الصلاح / اشربوا عجلى فقد جاء الصباح". 
التذكير الثاني: "تسحروا رضي الله عنكم، كلوا غفر الله لكم، كلوا مما في الأرض حلالًا طيبًا، كلوا من الطيبات وأعملوا صالحًا، كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور".
التذكير الثالث: "يا مدبر الليالي والأيام، يا خالق النور والظلام، يا ملجأ الأنام، يا ذا الطول والإنعام، رحم الله عبدا ذكر الله، رحم الله عبدا شكر الله، رحم الله عبدا قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله". 
التذكير الرابع: "اشربوا وعجلوا قد قرب الصباح، اذكروا الله في القعود والقيام … وارغبوا إلى الله بالدعاء والثناء، اشربوا وعجلوا فقد قرب الصباح". 
وواضح أن هذه الأهازيج هي أصل التواشيح الدينية التي تقال في المساجد والإذاعة قبيل صلاة الفجر واشتهر بها الشيخ سيد النقشبندي وغيره من المنشدين. وكلنا يذكر صوت المسحراتي وهو ينادي على سكان البيوت وفي زجل للشيخ محمد النجار يقول فيه: "أنا المسحراتي جيت أطبل لكم / حافظ أساميكم صغير مع كبير / في كل ليلة لي على كل بيت / اللي في الذمة خرج للفقير / ولي عدية عنكم كل عيد / الكعك وكفوف الشريك والفطير/ أجي أصحيكم وأنتم نيام / وقت السحر عن كل خير غافلين".
وفي صورة طريفة من تاريخنا المشرق شاركت المرأة الرجل حتى في مهنة التسحير السنوية، وقد تغزل في إحداهن الشاعر زين الدين بن الوردي قائلا: "عجبت في رمضان من مسحرة / قالت ولكنها في قولها ابتدعت / تسحروا يا عباد الله قلت لها / كيف السحور وهذي الشمس قد طلعت؟!".