ريهام حسني تتحدث عن التفاعلية في رواية الواقع المعزز والهولوجرام "البرَّاح"

الباحثة المصرية ترى أن التفاعلية تمثل الميزة الأهم للتكنولوجيا الرقمية، وجوهر البناء الفني لأعمال الأدب الإلكتروني. 


رواية "البـرَّاح" مشروع أدبي تعاوني بين كاتبة هذه الدراسة، والمبرمج، ومطور تطبيقات الهواتف الذكية، والويب محمد ناصف


التفاعل بين المتفاعل، والجهاز الرقمي يعد الغاية التي تسعي كل أطراف العملية الإبداعية لتحقيقها


جودة العمل الأدبي يعتمد على مدى وقوة وسلاسة التفاعل بين المتفاعل والجهاز الرقمي

ترى الباحثة الدكتورة ريهام حسني أن التفاعلية تمثل الميزة الأهم للتكنولوجيا الرقمية، وجوهر البناء الفني لأعمال الأدب الإلكتروني. 
وتهدف دراستها - التي قدمتها في ملتقى الشارقة للسرد "الرواية التفاعلية .. الماهية والخصائص" الذي عقد بالعاصمة الأردنية عمان خلال الفترة 17 = 19 سبتمبر/أيلول الجاري - لمناقشة التفاعلية من حيث التعريف، والماهية، والتطور، ومظاهر ذلك في رواية الواقع المعزز، والهولوجرام "الـبرَّاح". 
وبينت أن الجزء الأول من هذه الدراسة يناقش تعريف التفاعلية وتاريخ تطورها بين الإنسان، والكمبيوتر، وعلاقتها بواجهة المستخدم، وأنواع واجهات المستخدم المتعددة، ودورها في تحقيق التفاعل بين الإنسان، والكمبيوتر، ومراحل تطورها. 
ثم تتطرق الدراسة لمناقشة فكرة التفاعلية كسمة أساسية في عملية التفاعل بين الإنسان، والأجهزة الرقمية، وأنواع هذا التفاعل. 
وأضافت: ينتقل الجزء الثاني من هذه الدراسة لمناقشة التفاعلية في رواية "البرَّاح"، وذلك من خلال التعريف بآلية عمل تقنيتي الواقع المعزز، والهولوجرام، ثم مناقشة العناصر التفاعلية لرواية "البرَّاح" في علاقتها بالخطاب السردي ومكوناته من الشكل السردي، وتمظهراته انطلاقًا من أفكار الشكلانيين الروس، والبنيويين عن بنية الخطاب السردي. 
وتنتهي دراسة الباحثة المصرية بخاتمة توضح أهم ما تناولته الدراسة، وما توصلت إليه من نتائج. 
وقالت في الجلسة التي ترأسها الدكتور صلاح فضل إن المتابع لراهن الكتابة الرقمية الأدبية في العالم العربي يلاحظ أن الأدب الإلكتروني العربي يمر حاليًا بأزمة قد تؤثر بشكل كبير على مسار تطوره، حيث تتزايد أعداد الدراسات النقدية التي تتناول هذا النوع الجديد من الأدب في حين أن أعمال الأدب الإلكتروني العربي المتوفرة قليلة جدًا، وتكاد تكون محدودة في ظل عزوف الكثيرين عن إنتاج الأدب الإلكتروني، حيث يقتصر مفهومهم للأدب الإلكتروني على أنه نص أدبي مزود بمجموعة عناصر رقمية. يعتقد هؤلاء أن المكونات الرقمية للأدب الإلكتروني عناصر زائدة على النص، أو بهارج، أو نوع من الكلفة التي ليس لها أي داعٍ، وأن ما يهم في النص هو الحروف، والمعاني. 
في حقيقة الأمر، لا نستطيع أن نلوم هؤلاء على تصورهم، فالمشكلة معقدة، وجذورها متشعبة بين الكاتب الذي لا يوظف التقنية بطريقة تفاعلية، وإنما يضيفها على النص في شكل حلية رقمية للنص اللغوي، مما يعطي الانطباع بأنه يمكن تصفية النص من هذه الحلى، والزوائد للاستمتاع بالمفردات، والتراكيب اللغوية، وبين المتلقي الذي إلى جانب تلقيه للنص التفاعلي بذائقة تربت، وترعرعت على الثقافة الورقية، فإنه لا يفقه بلاغة التقنية الرقمية. يكمن أساس المشكلة، إذًا، في طريقة استخدامنا للكمبيوتر، أي أننا نستخدم الكمبيوتر كأداة، وليس كوسيط.

رواية "الـبرَّاح" تمثل نموذجًا لاشتباك الأدب مع تكنولوجيا، وتقنيات العصر، وتوظيف هذه التكنولوجيا، والتقنيات بما يخدم التجربة الأدبية حتى يتطور الأدب بخطى وثّابة، ويواكب الثورة التكنولوجية التي اجتاحت كافة مناحي الحياة

وأوضحت حسني أن تاريخ تفاعل الإنسان مع الأجهزة الرقمية يرجع لعام 1962 وهو تاريخ إصدار أول لعبة Video Game  حديثة، وكان اسمها  Spacewar”"، في جامعة MIT بالولايات المتحدة الأميركية، والتي تم تشغيلها على شاشة CRT لأول كمبيوتر رقمي صغير minicomputer في العالم والذي سمي  DEC PDP-1 (Laurel, 2013, p.1). احتوت هذه اللعبة على بعض الجرافيكس، وأدوات تحكم تمكن أكثر من لاعب من المشاركة في اللعب. 
وبينت أن واجهة المستخدم تتنوع بين واجهة المستخدم اللمسية، وواجهة المستخدم التجسيمية، وواجهة المستخدم الصوتية، وواجهة المستخدم الإشارية، وواجهة مستخدم الواقع الافتراضي، وواجهة مستخدم الواقع المعزز وفي هذه الأخيرة تعتمد واجهة المستخدم على الكاميرا الخاصة بالجهاز الرقمي الذكي التي تقوم بتعزيز الواقع الفيزيائي بمحتوى رقمي كما سنناقش لاحقًا في رواية "البــــــــرَّاح" التي اعتمدت في الجزء الأول منها على تقنية الواقع المعزز لدمج العالم الواقعي الفيزيائي بالعالم الرقمي الافتراضي. وهناك طريقة أخرى لتوظيف واجهة مستخدم الواقع المعزز وهي استخدام نظارات واقع معزز مصممة لهذا الغرض بحيث يؤدي ارتداؤها إلى مشاهدة عالم افتراضي بجانب العالم الواقعي للمستخدم. 
وأضافت: نلاحظ من متابعة تطور واجهات المستخدم أنها تتطور في اتجاه غمر المستخدم في التجربة الرقمية باستخدام تكنولوجيا الغمر Immersion، وإدماج الواقع الرقمي بالواقع الواقعي، وذلك بتوفير إمكانات متقدمة، تتطور بسرعة فائقة، وتعزز وتضاعف فرص التفاعل بين الإنسان، والأجهزة الرقمية. 
لذا بعد أن أصبح الجهاز الرقمي يري، ويسمع، ويفكر، ويتكلم، ويشعر كان لازمًا علينا أن نستفيد بكل هذه المعطيات في صناعة أدب جديد يكون على مستوى ما وصلنا إليه من تقدم تقني، ومعلوماتي، ويهدف إلى زحزحة المستخدم من موقعه كمتفرج، ومتلقٍ إلى داخل حدود العمل الأدبي، وغمره فيه ليتداخل الواقعي في الرقمي، ويتحدا ليكونا تجربةً أدبيةً فريدةً وهذا ما حاولت رواية "البـــــــــــــــــرَّاح" تحقيقه.
وتحدثت عن التفاعل بين المؤلف، والمبرمج وقالت: غالبًا ما يمتلك المؤلف فكرة العمل الأدبي، ولا يمتلك المعرفة بالأدوات الرقمية لتنفيذها، فيتفاعل، ويتعاون مع المبرمج من أجل تنفيذ الفكرة. يكمل كل منهما الآخر، فأحدهما يمتلك الجانب الإبداعي، والآخر يمتلك الجانب التقني، وإذا لم يكن هناك تناغم بين الجانبين، سينتج العمل ناقصًا ومشوهًا. مثال ذلك أن يكون هناك عمل متفوق فيما يخص اللغة، والصور، والأخيلة، بينما تكون التقنية زائدة على النص، متكلفة، ويمكن الاستغناء عنها، وهنا يلعب المؤلف دورًا كبيرًا في توجيه أدوات المبرمج لخدمة الرسالة التي يريد توصيلها فنيًا، فالمؤلف هو المسؤول الأول، والأخير عن نجاح العمل أو فشله.
ويضع المبرمج، بالتعاون مع المؤلف، الآليات التي يستخدمها المتفاعل/المستخدم من أجل الانخراط في تلقي النص، والتفاعل معه. يحدد المبرمج، والمؤلف المسارات، والفرص التي ستتاح أمام المتفاعل أثناء تلقي العمل. يعتمد نجاح العمل على المساحة التي يتيحها للمتفاعل ليختار من بين اختيارات عديدة، ويقرر مصير الشخصيات، ويعيش التجربة الأدبية فكريًا، وشعوريًا. يتم اختبار هذه الآليات على مجموعة من المتفاعلين قبل إطلاقها، ونشرها. يعتمد المبرمج على ردود أفعال، وملاحظات المتفاعلين لاعتماد آلياته، أو إعادة النظر فيها. على الجانب الآخر، يستخدم المتفاعل التقنيات التي أعدها له سلفًا المبرمج لكي يشتبك مع النص، ويفتح كل أبوابه المغلقة. تتوقف درجة معايشة المتفاعل للتجربة الأدبية على عدد الخيارات، ونوعية الإمكانات التي يوفرها له المبرمج. والهدف الرئيسي للمتفاعل أن يحصل على الرسالة التي يريد المؤلف توصيلها له متخذًا من التقنيات الرقمية طريقًا لتحقيق ذلك. 
أما عن التفاعل بين المتفاعل، والجهاز الرقمي فيعد الغاية التي تسعي كل أطراف العملية الإبداعية لتحقيقها، ويعتمد جودة العمل الأدبي على مدى، وقوة، وسلاسة التفاعل بين المتفاعل، والجهاز الرقمي.
ثم تحدثت الباحثة المصرية عن التفاعل بين ما يعرض على الشاشة، وما خلفها والتفاعل بين المحتوى الرقمي، والعالم الفيزيائي من حوله
ثم تحدثت عن التفاعلية في رواية الواقع المعزز، والهولوجرام "البـرَّاح"، وقالت إن رواية "البــرَّاح" مشروع أدبي تعاوني بين كاتبة هذه الدراسة، والمبرمج، ومطور تطبيقات الهواتف الذكية، والويب محمد ناصف. 
وذكرت أن "البـرَّاح"، تعد في حدود علم الكاتبة، أول رواية ورقية تدمج بين تقنيات الواقع المعزز، والتصوير التجسيمي "الهولوجرام" مع نص لغوي باللغة العربية داخل حدود الصفحة البيضاء للكتاب الورقي لتقدم للقارئ تجربة فريدة من نوعها، تغمره داخل العالم السردي، وتأتي له بالعالم ليصبح بين يديه، بل وتطلب منه أن يصنع أدوات تلقي هذه الرواية بنفسه. 
وإشارت حسني لى أن الرواية تنقسم لجزئين، يسرد كل جزء قصة مختلفة عن الجزء الآخر، و ُقرأ كل جزء في الاتجاه المعاكس للجزء الآخر بحيث يقوم القارئ بقلب الكتاب من أعلى لأسفل من أجل قراءة الجزء الآخر، وبهذا يمكن قراءة الرواية من كلا الجهتين، وبطريقة عكسية. تسير القصة الأولى زمنيًا في اتجاه الزمن المعاصر، بينما تغوص القصة الثانية في الأزمنة السحيقة، وعالم الأساطير. تلتقي القصتان في منتصف الكتاب، وتشتبكان دلاليًا في النهاية. 

ومن أجل تيسير مناقشة رواية "الــبرَّاح" في هذه الدراسة، تشير الكاتبة إلى قصة الزمن المعاصر بمصطلح الجزء الأول أو القصة الأولى، وتشير لقصة الأزمنة السحيقة بالجزء الثاني، أو القصة الثانية.
توظف "البـرَّاح" تقنيات رقمية متطورة، أهمها تقنيتي الواقع المعزز، والهولوجرام. نوضح فيما يأتي آلية عمل كل تقنية منهما:
وتوضح أن مفهوم الواقع المعزز ظهر في تسعينيات القرن الماضي، ومنذ ذاك الحين، تتطور تكنولوجيا الواقع المعزز يومًا بعد يوم، وتدخل في كافة الأنشطة الإنسانية. وتعتمد تقنية الواقع المعزز على توظيف الذكاء الاصطناعي Artificial Intelligence (AI)  وفروعه مثل قدرة الآلة على التعلم .Machine Learning (ML) ويُعرَّف الواقع المعزز بأنه "التكنولوجيا التي يتم فيها تعزيز رؤية المستخدم للعالم الواقعي بمعلومات إضافية، تولد بواسطة نموذج كمبيوتر"). تعتمد تقنية الواقع المعزز على تعزيز الواقع الفيزيائي الذي نتواجد فيه بمحتوى رقمي افتراضي، وذلك من خلال استخدام أحد الأجهزة الرقمية الذكية مثل الهاتف الذكي، أو الكمبيوتر اللوحي مثل "التابلت"، أو "الآي باد"، فتتجسد للشخص أشياء أخرى في محيطه المتواجد فيه. وتأتي أهمية تكنولوجيا الواقع المعزز في كونها تساعد على استخدام معظم حواس الإنسان للانغماس في شقي التجربة: الافتراضي، والواقعي، كما تتعدد مستويات التفاعل هنا لتكون بين المستخدم، والمحتوى الافتراضي، وما يحيط به من عناصر واقعية، وأيضًا بين الواقع الافتراضي الموجود على شاشة الجهاز الذكي، وما حوله من واقع واقعي. وتستخدم رواية "البـــــــــــــــــرَّاح" تقنية الواقع المعزز في الجزء الأول منها لتعزيز الصور، والسرد اللغوي المطبوعين داخل حدود الصفحة الورقية، وإضافة محتوى رقمي عليهم بحيث يرى القارئ الصور الصماء الموجودة على الصفحة البيضاء وقد دبت فيها الحياة وباتت تتحرك، وتصدر أصواتًا.
أما عن التصوير التجسيمي/ الهولوجرام (Hologram)، فقالت حسني: تعتمد تقنية الهولوجرام أو التصوير التجسيمي على قوانين الفيزياء بحيث يتم استخدام الموجات الضوئية/الليزر في عكس أبعاد الأجسام لتتم محاكاتها في هيئة أشكال ثلاثية الأبعاد، وما يفرق هذه الأشكال التجسيمية عن الصور ثلاثية الأبعاد أنه يمكن رؤية هذه الأشكال من كل الاتجاهات، والتفاعل معها كأنها كائنات حقيقية. ويسمح آخر تطور لتقنية الهولوجرام بلمس الأشكال التجسيمية بما يعطي الإحساس بأنها موجودة في محيطنا بالفعل. 
وتوظف رواية "البـرَّاح" تقنية الهولوجرام في الجزء الثاني منها حيث يتم استدعاء أجسام افتراضية على الصفحة الورقية من خلال هرم بلاستيكي رباعي الأضلاع يقوم القارئ/المتفاعل بصنعه بنفسه، لتتجسد هذه الأشكال بداخله.
ثم تحدثت الباحثة عن التفاعلية، والخطاب السردي في رواية "البرَّاح"، وتوقفت عند الشكل السردي موضحة العلاقة بين التفاعلية والزمن، والتفاعلية والمكان، والتفاعلية والحبكة، التفاعلية والصيغ السردية والموقف السردي، ثم تمظهرات الشكل السردي حيث تولي رواية "الــــــــــــــــــــبرَّاح" عناية كبيرة بالشكل المادي للسرد، أي الشكل الفيزيائي للرواية الذي يُنقل السرد من خلاله.
لقد ناقشت دراسة ريهام حسني ماهية التفاعلية، ومراحل تطورها، وتاريخ التفاعل بين الإنسان، والأجهزة الرقمية، ودور واجهة المستخدم في تحقيق ذلك التفاعل. واهتمت الدراسة بعد ذلك بمناقشة البعد التفاعلي لرواية الواقع المعزز، والهولوجرام "الـبراح" في ضوء مفاهيم البنية السردية للشكلانيين الروس، والبنيويين الفرنسيين. وتوصلت الدراسة لنتائج عدة أهمها: 1. التفاعلية هي أهم سمة تميز الكمبيوتر، والأجهزة الرقمية عن غيرها من الوسائط 2. غياب التفاعلية، واستخدام الكمبيوتر كأداة تعبير، وليس كوسيط تعبير أسهم في خلق أزمة يعاني منها الأدب الإلكتروني العربي حاليًا. 3. وظفت رواية "الـــــبرَّاح" التفاعلية من خلال استخدام تقنيات عدة أهمها تقنيتي الواقع المعزز، والهولوجرام، ودمجت هذه التقنيات بالسرد اللغوي داخل الرواية بحيث لم يكن استخدام هذه التقنيات من باب البهرجة، والتكلف، بل شكلت هذه التقنيات جزءًا أصيلًا من الرواية لا يستقيم النص بدونه. 4. ساعد استخدام التفاعلية في رواية "الـــــبرَّاح" على غمر القارئ في التجربة الأدبية، وإشراكه في صياغة هذه التجربة، وذلك بتقرير مصير بعض شخصيات الرواية، وصناعة أدوات التلقي مثل صناعة الهرم البلاستيكي رباعي الأضلاع، وتغيير أجواء تلقي العمل مثل الدخول في غرفة مظلمة لمشاهدة الهولوجرام، وأيضًا حث القارئ على إخراج مواهبه مثل الرسم، وكتابة الشعر، والحكي عن تجارب مماثلة مر بها القارئ. 5. تمثل رواية "الـــــبرَّاح" نموذجًا لاشتباك الأدب مع تكنولوجيا، وتقنيات العصر، وتوظيف هذه التكنولوجيا، والتقنيات بما يخدم التجربة الأدبية حتى يتطور الأدب بخطى وثّابة، ويواكب الثورة التكنولوجية التي اجتاحت كافة مناحي الحياة.