زيارة الشرع إلى واشنطن ضبط خارجي تكتيكي يُعمق الإستقطاب في المشهد السوري

زيارة الشرع لواشنطن تعكس اتفاقاً غير معلن على قواعد لعب جديدة تُفرض من الخارج على الأطراف السورية.

تشكل زيارة الشرع إلى واشنطن نقطة انعطاف حاسمة في مسار السياسة السورية المعقدة، إذ تستحضر هذه الخطوة الدور الحاسم الذي تلعبه القوى الدولية، وخصوصاً الولايات المتحدة، في ضبط إيقاع التطورات الداخلية والمساءلة السياسية للنظام السوري. ولا يمكن، في هذا الإطار، قراءة هذه الزيارة بمعزل عن النسق الأوسع للتدخل الأميركي، الذي يسعى إلى فرض نموذج سياسي جديد قائم على إعادة توزيع الأدوار ضمن معادلات النفوذ الخارجي، بعيداً عن أي تحول استراتيجي حقيقي أو جذري في بنية النظام السوري.
تجسد هذه الزيارة نموذجاً لنمط "الضبط الخارجي" الذي يهيمن على مجريات الساحتين السياسية والأمنية في سوريا، ويحول دون استقلالية القرار الوطني، بينما يعزز من حالة الانقسام والاستقطاب السياسي التي تعيق مسار الحل السياسي الشامل. بذلك، تبرز زيارة الشرع كآلية أميركية موجهة تعكس سياسات ضبط المناخ السياسي السوري، وتتحكم في إعادة إنتاج الحلول السياسية على مقاس المصالح الأميركية، في ظل توازنات إقليمية ودولية دقيقة تتحكم بفاعلية في المشهد السوري الراهن.

في العمق، تمثل زيارة الشرع إلى واشنطن نقطة محورية في مشهد السياسة السورية المعقد والمتحول، لكن بالتوازي يمكن التأكيد على أن هذه الزيارة لا تُعبّر بالضرورة عن أي بُعد استراتيجي بالمعنى الواقعي والتقليدي الذي يرتبط بخطط واضحة ومستدامة تغيّر الواقع السوري أو المعادلات على الأرض بشكل جذري.
بدلاً من ذلك، تحمل الزيارة طابعاً عملياً وأداتياً يهدف إلى إعادة ترتيب المشهد السياسي السوري وفق صيغة ومقتضيات أميركية. وتعكس هذه الصيغة، في واقع الحال وربطاً بعناوين الحدث السوري، أولويات واشنطن في ضبط قيادة سياسية سورية جديدة تُدار وفق مصالح ومناهج الإدارة الأميركية، حيث تُرسم الخطوط العامة بدلاً من إحداث تغيير شامل. وهنا يدور الحديث حول إعادة صياغة وتثبيت أدوار الفاعلين السياسيين وفق توجهات الولايات المتحدة، مع المحافظة على عناصر النفوذ الأميركي في الساحة السورية عبر قنوات سياسية معتمدة.

بالتالي، تعكس الزيارة اتفاقاً غير معلن على قواعد لعب جديدة تُفرض من الخارج على الأطراف السورية، وهي محاولة أميركية لترتيب البيت السوري بطريقة تخدم التوجهات الأميركية من دون أن تعيد تشكيل المشهد السوري جذرياً بنفسها. وهذا يعني أن التبدلات السياسية في الداخل ستخضع لتنظيم خارجي وضعته الإدارة الأميركية، من دون وجود مخطط عميق أو استراتيجي يدفع نحو حل شامل أو تغييرات بنيوية في النظام السوري.

بهذا المعنى، تشمل الآثار المتوقعة من هذا الترتيب الأميركي تمكين نوع من الشرعية السياسية التي يمكن أن تحاكي تحديات الواقع السوري بمستوياته السياسية والأمنية، مع توقع استمرار حالة الاستقطاب وعدم الاستقرار الداخلي، إذ لا تزال الأجندات الإقليمية والدولية تلقي بثقلها على الأرض السورية.

إذاً، تمثل زيارة الشرع إلى واشنطن مفصلاً دقيقاً ضمن تطورات المشهد السوري الراهن، لا من حيث الإحداثيات الاستراتيجية الكبرى التي تعيد تشكيل النظام أو إحداث تحولات بنيوية جذرية، بل كخطوة تكتيكية وعملية تستهدف إعادة ترتيب الأوراق السياسية تحت إشراف الإدارة الأميركية وبمقتضياتها. ويمكن قراءة هذه الزيارة في سياق التوازنات والتحولات المتشابكة في السياسة السورية، حيث تتداخل المصالح الدولية والإقليمية مع الديناميات الداخلية المتعددة الأوجه.

في دلالاتها السياسية، تبدو الزيارة في توقيت يتسم بمرحلة تموضع أمريكي جديد في المنطقة، يركز على تثبيت أدوار سياسية يمكن التحكم بها ضمن منظومة مصالح وقيود أميركية. وضمن هذا الإطار، ثمة مؤشرات على رغبة واشنطن في إضفاء شرعية إقليمية ودولية على جناح سياسي محدد يمثله الشرع، بما يتيح له تمثيل الذات السورية في المحافل الدولية.
ويأتي ذلك في سياق محاكاة القرارات الأميركية لضبط المشهد الداخلي دون المساس بهيكل النظام جذرياً. وفي جانب آخر، تسعى الإدارة الأميركية بقيادة ترامب إلى تثبيت أدوار الفاعلين السياسيين، كما لو أن واشنطن تحاول ضمان استقرار نسبي في مجرى الأمور عبر بيئة سياسية يمكن السيطرة عليها، وهو ما يمكن قراءته ضمن تقييد التحرك السياسي السوري بانسجام جزئي مع المصالح الأميركية، لا بوصفه انطلاقاً حراً نحو الصراع أو البناء.

في السياق نفسه، يمكن وضع توقيت الزيارة في إطار فرض قواعد لعب جديدة على الأرض السورية، حيث يصبح “التغيير” مظلة متحكم بها من الخارج، بما يمنع المفاجآت أو التحولات غير الخاضعة للمراقبة. والأميركيون هنا يفرضون “رتوشاً” على المشهد أكثر مما يجرون انقلاباً سياسياً شاملاً.

أما في الأثر السياسي الداخلي، وتحت ضغط هذه الديناميكية، تواجه التيارات السياسية المعارضة للشرع والمجتمع السياسي عموماً في الداخل السوري واقعاً مضطرباً؛ فترسيخ هذه الأدوار “المبرمجة أمريكياً” سيزيد من تأزيم هوة الاستقطاب السياسي بين أطراف النظام الرسمي من جهة والمعارضة بمختلف أطيافها من جهة أخرى.
ويؤدي ذلك إلى:
أولاً – استمرار حالة التجاذب والانقسام السياسي العميق، إذ لا تقدم هذه العملية مخرجاً للأزمات البنيوية بين القوى والتيارات السياسية في سوريا.
ثانياً – إضعاف فرص التحول الديمقراطي؛ فإذا كان الترتيب أمريكياً بحتاً بهدف تدعيم قنوات النفوذ لا أكثر، فإن إمكانية بناء مؤسسات سياسية مستقلة أو وطنية جامعة تبقى ضعيفة، مع ترسيخ حالة سياسية ثقيلة تُكرّس في النهاية سلطة مركزية.
ثالثاً – تفاقم المشكلات الأمنية وعدم الاستقرار الداخلي، إذ تبقى التحديات الأمنية والتهديدات الإرهابية أو الصراعات الأهلية على مستويات متفاوتة من التشنج، من دون رؤية واضحة للتعامل معها.

في الخلاصة، تُعدّ زيارة الشرع إلى واشنطن حلقة ضمن مسلسل طويل من التحولات السورية التي ترعاها قوى إقليمية ودولية، حيث لا يُنتظر منها تغيير جذري أو استراتيجي، بل ضبط تكتيكي لمعادلات الصراع السياسي السوري. ويعكس ذلك مرحلة تحكّم خارجي منظّم يهدف إلى إرساء أطر نظامية جديدة للسلطة داخل سوريا، تستوعب التحديات الأميركية وتُبقي النفوذ السياسي الأميركي قائماً، وتدفع باتجاه نموذج سياسي هشّ يغذي بقاء الاستقطاب والصراعات الداخلية، مع تأثيرات اقتصادية تعيق النهوض الوطني الفعلي.

تؤكد الزيارة في جوهرها واقع الإدارة الخارجية الدقيقة لمشهد الأزمة السورية، إذ تأتي ضمن استراتيجية أميركية واضحة لا تهدف إلى إعادة هندسة النظام أو إحداث تحولات بنيوية جذرية، بل إلى ضبط تكتيكي يعيد ترتيب الموازنات والقوى السياسية في إطار تحكمه المصالح الأميركية. هذا الإطار يؤدي إلى تثبيت شرعية سياسية محدودة لا تعبّر عن تحولات معيارية في الدولة، ويكرّس بقاء حالة الاستقطاب السياسي العميق والصراع المستمر بين الداخل السوري ومحيطه الدولي. وبالتالي، تبقى متطلبات بناء حل شامل وديمقراطي بعيدة المنال في ظل استمرار تقييدات التدخل الخارجي.
وبهذا، تشكل الزيارة نموذجاً ومؤشراً على هيمنة التحكم الخارجي الذي يقيّد استقلالية القرار السوري ويغلق أبواب الحلول الوطنية الحقيقية، مما يفرض ضرورة التوجه نحو تفاهمات إقليمية ودولية أوسع وأعمق تتجاوز الضغوط المباشرة وتفتح مسارات جديدة لمستقبل أكثر استقراراً وحرية للمشهد السوري.