زينار قدري ترصد خطاب الحداثة في الشعر المصري

الباحثة المصرية تتناول قصائد عفيفي مطر وعلاء عبدالهادي ورفعت سلام ومحمد الحمامصي في ضوء نظرية التلقي.


الشعر لا يمكن فصله عن الإطار الحضاري والاجتماعي


أي فن حداثي يتأرجح بين القبول والرفض من قبل المتلقين

رأت الناقدة د. زينار قدري أن الحداثة مثلت جوهر النص المتجدد وإشراقاته، وامتزجت بالخطاب الشعري المصري الذي واكب تطوراتها، وعمل على تطور ذاته وأفكاره، مشيرا إلى أن ذلك ظهر ذلك جليًا في حداثة الخطاب الشعري المصري عند عدد من الشعراء في النصف الثاني من القرن العشرين، وحتى انتهاء جيل السبعينيات وبداية الثمانينيات.
جاء هذا في دراستها المعنونة بـ "حداثة الخطاب الشعري المعاصر في مصر" في ضوء نظرية التلقي، والتي نالت عنها درجة الدكتوراه أخيرا، وقد ركزت فيها على الجوانب المتصلة بالخطاب الشعري المعاصر في مصر في ضوء نظرية التلقي، حيث قامت باستقصاء أهم الملامح التحديثية التي شكلت ملامح الخطاب الشعري المعاصر عن طريق آراء الكتاب والقراء واتجاهاتهم وأفكارهم ورؤيتهم للقصيدة وتشكيلاتها، راصدة أهم تلك التحولات والتشكيلات، سواء أكانت تلك التحولات مرتبطة بطبيعة الخطاب أم مرتبطة بالوظيفة الجديدة لهذا الخطاب بوصف الخطاب الشعري في المناهج النقدية الحديثة، خطابًا شعريًا خاضعًا للقراءة والتأويل، ولم يعد خطابًا ذا طبيعة مباشرة، ولم تقتصر وظيفته الإبداعية على الإفهام.
وأكدت قدري على أن الشعر لا يمكن فصله عن الإطار الحضاري والاجتماعي،  وقالت "الشعر المصري مرّ في حياته بالعديد من الآلام التي تمثلت في الاستعمار والاستبداد والجوع، فرغب في التحرر، معبرًا عن كل تلك المعاناة عن  طريق خطاباته الشعرية، والتي انعكست على نواحي الإبداع، أدي ذلك إلى ظهور أنماط مختلفة على الساحة الأدبية، وأدي إلى تغيير وجهة التلقي والمتلقي، فقد تغيرت وظيفة التلقي للنصوص، وكذلك الأدوات المعيارية التي تقاس بها درجة الشعرية، في ظل التغاير الذي أحدثه النص الحداثي في قيمة الكلمة أو اللفظة التي تستخدم في بناء النص".

الباحثة توضح أثر التناص على القارئ وأن هذا  الأثر لا يقتصر على المتلقي فقط بل يترك أثره على الناص الذي أنتج النص

وحددت قدري أزمنة النصوص، وأسباب اختيارها، ومكانية النصوص، لتقتصر الدراسة على الخطابات الشعرية لعدد من المبدعين المصريين؛ والسبب يعود إلى أهمية النص المصري، ومدى ما حققه من تشكيلات تميزت بالجدة والغرابة، والفترة التي خصصت للدراسة (النصف الثاني من القرن العشرين) شهدت تباينًا واضحًا في التَّجْرِبَةِ المصرية الحداثية، فقد كانت ثورة تجديدية على مستوى الخطاب، جعلت كثير من النقاد يلتفتون إليه، فقد خرجت التجربة من عباءة جيل الرواد، وكونت خطابًا جديدًا يحتفي بالتشكيلات اللغوية المغايرة.
انصبت دراسة قدري على عدد من الشعراء لتطبيق فكرة الدراسة عليهم، وهم: محمد عفيفي مطر- علاء عبدالهادي - رفعت سلام- محمد الحمامصي. لافتة إلى أن "عملية الإبداع الفني عامة والشعري خاصة عملية تتعلق بالمبدع نفسه، وليس بالشكل أو النوع الذي سيعرض فيه إبداعه، فالأمر راجعٌ بمقدرته علي تحكمه وتوظيفه لتقنياته الفنية من لغة وصورة وإيقاع، وقد عبر كثير من هؤلاء المبدعين عن رغبتهم في التحديث، وعدم البقاء على نمط شعري محدد، وأشاروا إلى أهمية البحث عن أشكال جديدة، بحيث تكون ملائمة لأفكارهم ورؤاهم، وتخرج عن الإطار التقليدي، بالإضافة إلى الخروج عن الإطار التقليدي المألوف، وبعض الأشكال الوزنية التي تقيد تلك الأفكار والرؤى، هذا ما جعلهم يرفضون الخطاب الشعر التقليدي، ويبحثون عن أشكال أخرى كشعر التفعيلة، أو قصيدة النثر".
وتابعت أن أي فن حداثي يتأرجح بين القبول والرفض من قبل المتلقين، كما أن هذا الفن الحداثي يعبر عن جماليات عصره، ولم ينشأ من فراغ بل تسبقه تجارب وتيارات مختلفة، وقد عرضت لآراء المتلقين تجاه ما أسمته بتشكيلات حداثية، واعتبرت القارئ العليم، أو القارئ الناقد واحدًا من أهم أنواع المتلقين القراء؛ وذلك لأنه لا يقبل الرأي المطروح على حالته أو يركن إلى ما وصل إليه المؤلف السابق، ولكنه يعيد بناء النص من جديد بناءً آخر، يجعل البناء الثاني "رأيه" أو رؤيته ونقده لفكرة أو نظرية تنشأ مولدًا جديدًا يختلف كلية عما قبل سابقًا.
وأشارت قدري إلى اختلاف القراءات بين القراء والنقاد فكل قارئ يرى النص من وجهة مغايرة للقارئ الآخر، وقد عرضت ذلك في رسالتها تحت عنوان "التلقي واختلاف القراءات في الخطب الشعري" مؤكدة على أن الشاعر نفسه متلق لنفسه، فالغوص في شعر شعراء الحداثة باستحضار قراءات النقاد والدارسين والموازنة بينهما يتيح للقارئ فرصة الاستفادة من تلك الآراء المختلفة المتعددة، ومن ثمة انفتاح الرؤيا على آفاق دراسية جديدة، ومن تلك القراءات تتحدد الرؤية الحقيقية المستخلصة. 

زينار قدري
التراكم المعرفي يعد ركيزة في إنتاج النص

وأضافت أن هناك عددا من الآليات لتلقي الخطاب الشعري، تمثلت في (أفق الانتظار/ أفق التوقع- المسافة الجمالية/ تغير الأفق – المتعة الجمالية – التطهير)، وذلك من خلال دور عملية التلقي، والتي يتمثل فيها القارئ ليقوم بإدراك الثغرات محاولا ملء هذه الثغرات واختبار الفروض ونشر النتائج والبحث عن المؤشرات ووضع الفروض وتتم هذه العملية من خلال مجموعة من الآليات تستخدم تلك الآليات في تذوق النص والإحساس به على أوسع مدى يختص بضبطها وتحدد منطلقاتها.
وأكدت زينار قدري أن التناص يعد من أبرز سمات الخطاب الشعري المعاصر، ومن أدق خصائص بنيته التركيبية والدلالية، حيث تتداخل فيها أبنية نصوصية لها صلة مختزنة في ذهن المبدع، وبذلك يصبح النص مجموعة من النصوص السابقة الممتدة في الذاكرة، والتي تلتقي جذورها في حقل التناص.
وقالت "التناص عملية مشتركة بين ثلاثة أقطاب (المتناص منه - النص الجديد - المتلقي)، فإن كانت البنية المعرفية لمنشئ النص هي الأساس الأول، فإن المتلقي هو صاحب الحق الرئيس في تفكيك بنية النص والكشف عن لقاحاته الفكرية وتوجيهها ويأتي آثرها سواء أكان التناص اعتباطيًا أو قصديًا، لتبقى رؤية المتلقي الفاعلة هي غير رؤية الناص أثناء الكتابة أو بعدها".
لفتت قدري الانتباه إلى أن التراكم المعرفي يعد ركيزة في إنتاج النص، ليس هذا فحسب بل يعد ركيزة في إنتاج النص أيضًا، هذا التراكم المعرفي يتيح لنا أقل تقدير استحضار المرجعيات المتناصية وإعادة قراءة المقولات التاريخية والشعرية والفلسفية، وهذا يعني إمكانية قراءة عدة نصوص من خلال نص واحد اعتمادًا على "حصافة القارئ ومقدرته ووعيه المعرفي المتراكم في توظيف أساليب التناص المختلفة.
ولاحظت أن  التناص عند شعراء الحداثة، لا يكون دافعه توظيف التراث فقط، فقد يوظف الشاعر العلوم الحديثة والأحداث المعاصرة لكتابة نصه، كما أن هناك تناصات مع شعراء وكتاب معاصرين، وتناصات مع فنون وأجناس أدبية ليست منتمية بالضرورة إلى التراث، كما أن الشاعر لا تقتصر دافعيته على توظيف تراث أمته فقط فقد يتناص مع فنون وأشعار أمم أخرى.
وأوضحت قدري أثر التناص على القارئ وأن هذا  الأثر لا يقتصر على المتلقي فقط بل يترك أثره على الناص الذي أنتج النص؛ وذلك من خلال انطباع القارئ على هذا النتاج، فالقارئ يحكم على الناص وفقًا لذلك فقد يسم إنتاج  بالغموض أو الإثارة أو المتعة، وهنا يمكنا القول إن هذا الحكم متوقف على ثقافة المتلقي، فهناك القارئ العادي، والقارئ النقدي.