سلاح الولاءات وأزمة السيادة في العراق
لم تعد السياسة في بغداد تُدار من داخل مؤسساتها، بل من على أرصفة السفارات. هناك، لا تُراجع التجارب بقدر ما يُعاد تسويق الفاعلين أنفسهم. قوى كانت حتى الأمس القريب تتغذّى على لغة الصدام، تحاول اليوم ارتداء قناع الاعتدال، ظنًا منها أن تبديل المفردات كافٍ لتبديل المواقع.
غير أن هذا التحول لا يقوم على مراجعة سياسية أو أخلاقية، بل على حساب زمني بحت: كيف نمرّ من هذه المرحلة بأقل خسائر ممكنة؟ وكيف نشتري وقتًا إضافيًا بانتظار تبدّل المزاج في واشنطن؟ إنها براغماتية بلا قطيعة، وتكيّف بلا اعتراف، ولهذا تبدو هشة وسريعة الانكشاف.
يقال إن الاقتصاد تحكمه معادلات التضخم والعرض والطلب. هذا صحيح نظريًا. لكن في العراق، يُدار الأمن القومي بمعادلة مختلفة تمامًا: سلاح خارج الدولة، وسلطة منقسمة على ذاتها، ودستور يُستدعى عند الحاجة ويُعطَّل عند أول اختبار. لم يعد الحديث عن السلاح المنفلت توصيفًا سياسيًا، بل حقيقة وثّقتها تقارير بعثة الأمم المتحدة في العراق، التي ربطت بين انتشار الفصائل المسلحة وتقويض سيادة القانون وتعطيل مفهوم الدولة ذاته.
توصيف "الدولة الموازية" لم يأتِ من خصوم داخليين، بل من تقارير وزارة الخزانة الأميركية ومراكز أبحاث غربية ربطت بين بعض هذه الفصائل وشبكات اقتصادية تشمل تهريب النفط وغسيل الأموال. ووفق تحليلات International Crisis Group، فإن الأزمة العراقية لم تعد أمنية أو حكومية، بل أزمة نموذج حكم يقوم على ازدواج السلطة والسلاح، حيث يتآكل القرار السيادي لحساب منطق الولاء.
هذا الولاء لا يُقاس بمدى القرب من المجتمع، بل بمدى الارتباط بمركز نفوذ خارجي، ليس جغرافيًا فقط، بل أيديولوجي أيضًا. تشير دراسات Carnegie Middle East Center إلى أن النفوذ الإيراني في العراق لم يُبنَ على شراكة سياسية متكافئة، بل على تصدير نموذج عقائدي يُقدّم الولاء الأيديولوجي على السيادة الوطنية. وما يُسمّى "المهمة العقائدية" ناقشته Brookings Institution بوصفه أداة نفوذ تستخدم الفوضى بدل الاستقرار، وتُعيد تعريف الدولة كساحة صراع لا كإطار جامع.
من هنا، لا يمكن فصل الملف العراقي عن الحسابات الأميركية الأوسع. تتعامل واشنطن مع العراق، بحسب تقارير Congressional Research Service، كملف احتواء مخاطر أكثر منه مشروع بناء دولة. ووفق RAND Corporation، فإن السلاح المؤدلج في العراق يُقرأ ضمن سلّة إقليمية واحدة مع لبنان واليمن، ما يفسّر سياسة الحذر والتردد. غير أن هذا التردد، كما ناقشته Foreign Affairsلا يجمّد الأزمة بل يطيل عمرها، ويمنح القوى غير الدولية مساحة أوسع للمناورة.
تزداد خطورة هذا المسار مع عودة تنظيم داعش كتهديد كامن. تقارير مجلس الأمن الدولي ربطت بوضوح بين نشاط التنظيم وبين هشاشة الدولة وانقسام القرار الأمني، فيما تؤكد دراسات IISS أن التنظيمات المتطرفة لا تعود بقوتها الذاتية، بل بضعف الدولة وتآكل شرعيتها. هنا، تصبح الفوضى السياسية بيئة حاضنة لا عرضًا جانبيًا.
وسط هذا المشهد، تحاول بعض القوى إقناع الغرب بأنها تغيّرت، وأنها باتت جزءًا من الحل لا المشكلة. تُطرق أبواب واشنطن ولندن وتل أبيب بخطاب ناعم، لا بدافع التحول الحقيقي، بل بدافع الخوف من العزلة. الرهان واضح: إدارة مرحلة مؤقتة، وكسب وقت إضافي، مع قناعة دفينة بأن كل شيء قابل لإعادة الضبط بعد تبدّل ساكن البيت الأبيض.
في المقابل، تبدو كردستان حالة مختلفة نسبيا. ليست مثالية، لكنها أكثر وضوحًا في مشروعها السياسي وأكثر استقرارًا في علاقتها مع الخارج. تحليلات مراكز أبحاث وتقارير دبلوماسية غربية تشير إلى أن الإقليم يُنظر إليه كمساحة استقرار نسبي في مشهد عراقي مضطرب. أربيل تتقدم، والقافلة تسير، لا لأن الطريق خالٍ من العقبات، بل لأن الاتجاه محدد.
أما المشهد السني، فيغرق في أزمة مركبة: فراغ مشروع، وتنافس إقليمي، وسوق مفتوح للمساومات. تتحول السياسة إلى بازار، ويُختزل "العرض والطلب" في منطق الغنائم، لا في بناء تمثيل حقيقي أو شراكة وطنية، في ظل عجز مزمن عن إنتاج قيادة جامعة.
وفي قاع هذا كله، تتراكم مأساة الأقليات. مأساة مسيحيي العراق ليست سردية عاطفية، بل موثّقة في تقارير Human Rights Watch وAmnesty International، التي تحدثت عن مصادرة ممتلكات وتهجير قسري وفشل الدولة في الحماية.
وقد صنّفت US Commission on International Religious Freedom العراق مرارًا كبيئة غير آمنة للأقليات الدينية بسبب نفوذ الجماعات المسلحة وضعف القضاء. ما حدث للمسيحيين والإيزيديين والمندائيين والبهائيين والكرد والتركمان لم يكن استثناءً، بل نتيجة منطق سياسي يرى التنوع عبئًا لا قيمة.
في هذا المناخ، يكتسب الصوت الفردي أهمية استثنائية. فكما تشير دراسات حرية التعبير، قد يربك صوت واحد منظومة كاملة حين يكسر التواطؤ الصامت. ليست قوة الكلمة في عدد متابعيها، بل في قدرتها على فضح ما يُراد له أن يبقى في الظل.
العراق اليوم لا يحتاج إلى خطاب جديد، ولا إلى إعادة تدوير الوجوه، بل إلى استعادة معنى الدولة: دولة تحتكر السلاح، وتحمي التنوع، وتفصل الولاء الوطني عن أي مركز خارجي. ما دون ذلك سيبقى مجرد عرض سياسي متكرر… بلا طلب حقيقي، وبلا مستقبل مستقر.