سيجد الأطباء لقاح كورونا، ماذا عن وباء التضليل الإعلامي


توني هول مدير "بي.بي.سي" يرى أن العالم يعاني من وباء الأخبار المزيفة كفايروس كورونا، ويطالب بالحفاظ على الديمقراطية وحيوية المجتمعات عبر المصادر الإخبارية عالية المسؤولية.


نواجه وباء آخر يتمثل بالأخبار المزيفة والتضليل لا يقل خطرا عن كورونا

“لماذا أنتم أيها الناس مهمون؟” أطلق توني هول رئيس هيئة الإذاعة البريطانية “بي.بي.سي” هذا السؤال خلال مشاركته هذا الأسبوع في مهرجان إدنبرة الدولي للتلفزيون في اسكتلندا، لكنه استعار كلاما سابقا من المدير العام لمنظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم غيبريسوس، للإجابة عليه.

العالم لم يكن مشغولا بمصير الإنسان كما هو اليوم في إيجاد لقاح يحمي من فايروس كورونا الذي أودى بحياة الملايين وترك كدمات على وجوه البلدان وحياة الناس. لكن اللقاح وحده لن يكفي، فحتى إذا وجد فهو ليس مضمونا في الوصول إلا إلى أقل من نصف سكان الأرض، وفق مدير منظمة الصحة العالمية، وتلك محنة حياة نواجهها أيضا في وباء آخر يتمثل بالتضليل والأخبار المزيفة! فلا أحد يفكر أصلا بإيجاد هذا اللقاح، بينما وباء التضليل لا يقل خطرا عن كورونا وفق توني هول.

وباء الأخبار المزيفة قديم بقدم الحكومات والناس، لكن لا أحد يبحث عن لقاح له، في حقيقة الأمر “من بمقدوره التوصل إلى هذا اللقاح؟” فمثلما لا يوجد حل سحري لفايروس كورونا و”قد لا يكون موجودا على الإطلاق” وفق غيبريسوس، فإن وباء الأخبار المزيفة سيستمر إن لم يكن للإنسان دور شخصي في منع انتشاره.

على مر التاريخ، أدى تفشي الأمراض والأوبئة إلى تغيير الاقتصادات والمجتمعات. ووباء التضليل يهدد العالم اليوم بطريقة غير مسبوقة بعد صعود المواطن الصحافي كمصدر للأخبار التي كانت مقتصرة على الحكومات ورؤوس الأموال.

لقد تم إحياء المصطلح القديم “الأخبار المزيفة” ووصلنا إلى مرحلة “ما بعد الحقيقة” في عصر دونالد ترامب الذي هو أشبه ببرنامج من تلفزيون الواقع، تُحمل فيه مواقع التواصل الاجتماعي وشركات التكنولوجيا الكبرى مسؤولية تلك الأخبار الملفقة. مع أن هذه الشركات تنكر أي خطأ في أعمالها تعمد تزييف الحقائق.

هذا يعني ببساطة أن زمن مصطلح “ما بعد الحقيقة” لم يولد اليوم. الحكومات على مر تاريخها كانت مصدرا لما بعد الحقيقة. ولدى الدول تاريخ طويل في التلاعب بالحقائق وفرضها على وسائل الإعلام.

توني هول المنتهية رئاسته لهيئة أكبر مصدر إخباري مستقل في العالم، ركز خلال مشاركته في مهرجان إدنبرة الدولي للتلفزيون على جائحة “التضليل الإعلامي”، فمثلما لقاح كورونا مهم لعلاج البشر، فإن قيمة الأخبار الصحيحة لم تكن كذلك في أي وقت مضى، لأنها تحافظ على الديمقراطية وحيوية المجتمعات، بعد انتشار الأخبار المزيفة.

ويرى رئيس أكبر مصدر إخباري موثوق به في المملكة المتحدة، أن المصادر الإخبارية عالية المسؤولية تساعد في توحيد المجتمعات والأمم كقوة بالاتجاه المعاكس، مقابل مصادر المعلومات المضللة ووسائل التواصل الاجتماعي التي تميل إلى تغذية الانقسام ودفع الاستقطاب، وتكون غالبا مصممة خصيصا لاستغلال التقسيم لتحقيق مكاسب تجارية أو سياسية أو دينية، لزعزعة المجتمعات أو تقويض الديمقراطية.

يقول هول إن دور هيئة الإذاعة البريطانية “أكثر بكثير من مجرد حماية نزاهة الأخبار” على الرغم من أن هذا أمر بالغ الأهمية، ولكنه أيضا “يتعلق بالمساعدة في حماية الديمقراطية وتعزيز الوحدة والتماسك”.

من الواضح أن مأساة  كورونا كانت بمثابة التفاتة في غاية الأهمية بعودة الجمهور إلى المصادر التقليدية لاستقاء المعلومات منها، الأمر الذي دفع المؤسسات الإعلامية عالية الحساسية إلى استثمار ذلك وتقديم محتوى إعلامي دقيق خال من المبالغات والتضليل اللذين شاعا عن الفايروس بين وسائل التواصل الاجتماعي.

من المفيد الإشارة هنا إلى أن 94 في المئة من الجمهور البريطاني استقى أخباره عن الوباء من “بي.بي.سي” في شهر مارس الماضي في ذروة انتشار الفايروس، الأمر الذي دفع هول إلى القول “كنا محورا لعالم جديد” مطالبا بأن تستمر الهيئة في ذلك والضغط على الحكومة للمحافظة عليها.

سبق وأن لاحظ راند والتزمان، الذي عمل في السابق بهيئة المشاريع البحثية الدفاعية المتقدمة الأميركية، أن إضفاء الطابع الديمقراطي على عمليات إنشاء المعلومات وتوزيعها، لا يخلو من فوائد، ولكنه ينطوي أيضا على مخاطر جسيمة، بدءا بضياع معايير التميز الصحافية، كتلك التي تُفرَض عادة داخل المؤسسات الإعلامية الراسخة. ففي غياب حارس بوابة وسائل الإعلام التقليدية، لم يعد الخطاب قائما على مجموعة مشتركة من الحقائق.

إن التحيز صفة بشرية غالبة وجهود ضبطها واحتوائها وتقييدها هي من أعمال المؤسسات في المقام الأول، وفق الكاتب فرانسيس ويلكنسون، بينما افترض الكاتب جون ثورنهيل بأننا نعيش “فقاعات الفلترة” لأن التكنولوجيا وشبكات التواصل الاجتماعي دمّرتا الحقيقة، وكتب ثورنهيل في صحيفة فايننشيال تايمز معبّرا عن احتقاره لفيسبوك، “نحن نعيش في عالم ما بعد الحقيقة، حيث بإمكاننا تجاهل الحقائق التي لا تُعجبنا والاستفادة من أي سرد شخصي نرغب فيه”.

لذلك تطالب إيزابيلا كامينسكا الكاتبة في صحيفة فايننشيال تايمز بحماية المستضعفين عبر الإنترنت بإجراءات نشطة من قبل دول ديمقراطية موثوقة وملتزمة بحقوق الإنسان “وهذا يعني نشر أساليب التنقيب عن البيانات لتحديد نقاط الضعف الخاصة بنا على الإنترنت. فكر في الأمر على أنه نشر الحراس الرقميين الموثوق بهم، الذين يعملون بشكل علني وعلى مرأى من الجميع”.

لكن كيف لنا كمجتمع إعلامي أن نمنع سيطرة مثل هذه الأكاذيب على ثقة الجمهور، ذلك ما يعني الحديث عن مدونة أخلاقية ورقابية على ما ينشر، وهو أمر أصعب من أن يتحقق في الوقت الحاضر. لأن الحاجة إلى التيقظ المتوازن والمنصف لم تعد كافية. فالتاريخ يدرك عبر مسيرته أن الطريق إلى السلطة والثروة يكمن في الأكاذيب. وهذا سبب كاف لا يجعل العالم يبحث عن لقاح لوباء التضليل الإعلامي، كما يفعل مع وباء كورونا.