"سيدات القمر".. فتنة الحكي وألم التذكر

رواية جوخة الحارثي تحكي  قصة ثلاثة أجيال عُمانية، لكنها لا تكتفي بذلك بل تؤصل تاريخيا لهذه الأجيال كلما احتاج الأمر إلى ذلك.


الوصول إلى عمل أدبي فائق العمق والمتعة يحتاج إلى أكثر من المعرفة التاريخية والدراسة الاجتماعية


عالم كامل من العلاقات الاجتماعية والعادات والتقاليد ينهار تدريجيا وتصبح شخصيات العمل الروائي على الحافة بين عالمين


الحارثي لم تقدم روايتها في تسلسل حكائي خطي عبر الزمن من الماضي إلى الحاضر، ولكنها قدمت زمنا لولبيا يبدأ من محطات زمنية مختلفة

استطاعت الكاتبة العمانية جوخة الحارثي في روايتها الثانية "سيدات القمر" أن تلمس نبض التغير في الصيرورة الاجتماعية التي تتغياها رواية الأجيال.
تحكي الرواية قصة ثلاثة أجيال عمانية، لكنها لا تكتفي بذلك بل تؤصل تاريخيا لهذه الأجيال كلما احتاج الأمر إلى ذلك.
تعرف الكاتبة جيدا أن حتمية التغير الاجتماعي هي النبض الخفي الذي يسري في عروق رواية الأجيال، وأن تقاليد المجتمع وعاداته وأعرافه هي ما تحكم هذا النبض بما تتميز به من بطء التغير ودراميته وتأثير ذلك على حيوات أعضاء المجتمع؛ شخصيات الرواية، بما يشكل علاقاتهم الاجتماعية ومصائرهم النفسية.
لكن الكاتبة تدرك أيضا أن الوصول إلى عمل أدبي فائق العمق والمتعة يحتاج إلى أكثر من المعرفة التاريخية والدراسة الاجتماعية، يحتاج إلى استخدام آليات سردية تنسجم في استخدامها الفني مع البناء المضموني والفكري للعمل الأدبي، وهو ما تسعى هذه القراءة للرواية إلى إضاءة بعض جوانبه.
الحياة على الحافة
ينهار تدريجيا عالم كامل من العلاقات الاجتماعية والعادات والتقاليد، وتصبح شخصيات العمل الروائي على الحافة بين عالمين أحدهما خانق جامد منهار، والآخر غامض ملئ بالتوتر والترقب والخوف من الآتي، ولا شيء تعتصم به الشخصيات في مواجهتها لمصائرها المختلفة سوى ما تؤمن به يقينا، قد يكون الحب مثلما فعلت ميا وخولة ولندن ونجية؛ مع اختلاف ظلال حكاية حب كل منهن، وقد يكون التاريخ المجيد مثلما تعلق به عيسى المهاجر، أو التاريخ الشخصى بما يحمل من آلام وانكسارات مثلما نرى في حياة عبدالله.  

سيدات القمر
اختيار عميق للتعبير عن طبيعة المجتمع 

لكن الكاتبة لا تكتفي بتلك الحافة الاجتماعية وتأثيراتها النفسية، إنها تضع شخصياتها دائما على حافة ما غالبا ما يسقطون بعدها في هوة ما، حافة بين زمن وزمن كما أشرنا، حافة بين عالم السادة والعبيد، حافة بين عالم الإنس والجن، حافة بين الواقع والكابوس، حافة بين الحب الحقيقي والحب المتخيل، حافة بين فكرة المجتمع عن شخص ومعرفة الشخص بنفسه، ولعل من فصول الرواية المحورية هنا الفصل الذي يحكي عن مروان الطاهر ابن عم عبدالله، وهو فصل محوري لأنه يستطيع أن يفسر الكثير من تركيبة شخصيات أخرى وأحوال علاقات روائية كثيرة في الرواية، فمروان التي تحلم أمه بأنه سيكون من أهل العلم ذوي الشأن وتلقبه بالطاهر ينصاع لما يريده المجتمع منه، يتعبد ويحفظ القرآن ويصوم ويتزهد، لكنه لا يستطيع الإفلات من نفسه الأخرى العميقة، يسرق من أهله أشياء لا يحتاج إليها، وتكون النتيجة أنه "بعد وفاة أبيه وخروج أمه من العدّة، تسلل إلى غرفتها وسرق عطرها الجديد وخنجر أبيه الفضي ومبلغا زهيدا وجده على الطاولة، وقبل أن يطلع الفجر بقليل قطع شرايين يده السارقة بنصل الخنجر الحاد ونزف في خلوته الطاهرة حتى الموت".
هنا ملمح أساسي من أهم ملامح الرواية، صراع الذات بصفاتها الفردية الحقيقية مع القوالب الجاهزة التي يريد المجتمع أن يصبها فيها، والتي تدفع الشخصية ثمنه دائما من عذابها النفسي وخسرانها لسعادتها أو حياتها، والأهم فقدانها لذاتيتها وفرادتها التي خلقها الله بها، ويدفع المجتمع أيضا ثمنه حيث يكون مجتمعا منافقا يظهر ما هو غير حقيقي، ويخفي الحقائق، بل لا يستطيع أن يتعامل أو يواجه الحقائق المجردة كما هي إلا أن تتزيا بزي تقاليد بالية. وهو ما نلاحظه على معظم شخصيات "سيدات القمر" من الرجال والنساء معا. عبدالله الذي لا يحصل على مزايا الأحرار ولا مزايا العبيد في بيت أبيه التاجر سليمان، وسالمة التي تقف في بيت عمها على حافة فلا هي حرة كما خلقها الله، ولا هي عبدة كما يعاملها عمها وامرأته بالفعل "لم تكن تستطيع الخروج من القلعة ولا اللعب مع بقية البنات في الحارة، ولا التضاحك أثناء الاستحمام الجماعي في الفلج، ولا الرقص في الأفراح كما تفعل بنات العبدات، لم تكن أيضا تستطيع إيجاد بقايا الأقمشة القديمة لصنع ثياب العرائس الخشبية، ولا التحلي بالقلائد والأساور الذهبية، ولا التمتع بلذائذ المائدة كما تفعل بنات الشيوخ. كانت تكبر تحت جدار المطبخ الخارجي، في الجوع، ومراقبة حرية العبدات في الحياة والرقص، وحرية السيدات في السلطة والزينة والزيارات".
سالمة من الجيل الأول، وعبدالله من الجيل الثاني لكن حالهما واحد، وضغط المجتمع عليهما هو نفسه.
الحكي والتذكر ولعبة السرد
لم تقدم الكاتبة روايتها في تسلسل حكائي خطي عبر الزمن من الماضي إلى الحاضر، ولكنها قدمت زمنا لولبيا يبدأ من محطات زمنية مختلفة، وينتهي أيضا في محطات مختلفة، معتمدة في ذلك بالأساس على اللعب بالسارد في روايتها، والذي كان استخدامه الذكي وسيلة أساسية لبناء العمل الروائي من جهة، وللتعبير عن المحتوى المضموني لهذا العمل من جهة أخرى.
يبدأ الفصل الأول براوٍ تقليدي عليم يقدم لنا في لمسات سريعة الحياة في بيت عزان وزوجته سالمة وبناته مع التركيز على ميا التي تجيد الخياطة، وكيف تقدم للزواج منها "ولد التاجر سليمان" هكذا دون أن يكون له اسم، لأنه بالنسبة لميا مجرد رجل مثل أي رجل سيأخذها من حبها وحلمها "على بن خلف" الذي رأته فعشقته دون أن تتحدث إليه أو تعرف صفاته الحقيقية، ويقدم الراوي العليم الحياة في رتابتها متكئا على الممارسات التقليدية التي تحدث في الأعراس وحالات الولادة وما تحتاجه النفساء إلخ، دون إشارة إلى حياة حميمة حقيقية بين ميا وولد التاجر سليمان، هكذا يتزوجان وينجبان، كأي رجل يتزوج أية امرأة وليس رجلا بالذات يتزوج امرأة معينة.
لكن الكاتبة تجعلنا نفيق في الفصل الثاني، فهنا راو آخر مختلف تماما، إنه ولد التاجر سليمان، له اسم؛ عبدالله، وهو ليس مجرد رجل، إنه عاشق حقيقي لميا، يحبها لدرجة الجنون، وهو ليس شخصا عاديا، إنه من الأغنياء سليل التجار، وهو مأزوم نفسيا للضغط النفسي والمعاملة القاسية من أبيه له منذ كان صغيرا، والتي تتكشف فيما بعد أسبابها عندما نعلم أن أخت التاجر سليمان قتلت أم عبدالله بالتوطؤ مع التاجر سليمان لاتهامها بالخيانة مع أحد عبيد الشيخ سعيد عم سالمة أم ميا.
وهكذا يتراوح السرد بين الراوي العليم، وبين عبدالله، بين الحكي عن القديم المستقر الراسخ بدءًا من لحظة زمنية قديمة تحركا نحو الحاضر، وبين ألم التذكر من لحظة راهنة يتم خلالها استعادة الماضي بما فيه من عذابات، وكل من الحكي والتذكر ينير الآخر ويكمله، رغم الاختلاف الأساسي بينهما كأداتين روائيتين، فالحكي يتحدث عما مضى وأصبح مستقرا ولن يتغير ولذا فرغم ما به من شجن إلا أنه فاتن، يبقى فيه جمال الحكاية وعذوبتها وإحساسنا ببعدها عنا فهي تحدث لآخرين، أما التذكر فينضح بالألم لأنه الذات نفسها تتفاعل مع ما أحدثته عوادي الماضي فيها وتأثيرها على هذه الذات حتى اللحظة الحالية؛ لحظة التذكر نفسها وما تحمله من طاقة عذاب فوق قدرة البشر، فالحكي فتنة قد تطبب الجراح بما تكشفه وتغسله وتطهر به النفس بالمعرفة، والتذكر ألم بما ينكأ به الروح في أعمق أعماق ضعفها.

لكنّ أمرين من الواضح أنهما كانا في بال الكاتبة بوضوح جعلاها لا تستسلم لتلك الثنائية السردية رغم جمالها، الأمر الأول هو تعبير السرد عن العالم الروائي وتعبير العالم الروائي عن العالم الحقيقي، وكلاهما الروائي والحقيقي لا يمكن أن يكون بهذا الانتظام البندولي. والأمر الثاني أن أي انتظام يمكن أن يصيب العمل الروائي؛ وبالتالي القارئ بالملل لأنه سيكون قادرا على توقع ما سيأتي. لذا نجد الكاتبة لا تحرص على المراوحة المنتظمة بين الساردين ففي بداية الرواية نرى فصلا للراوى العليم يليه فصل لعبدالله، وهكذا، لكنها عندما تشعر أننا سنبدأ في اكتشاف اللعبة ومن ثم الملل تلجأ إلى عكس التوقع بتقديم فصلين متتاليين وأحيانا ثلاثة فصول لنفس الراوي الذي غالبا ما يكون الراوي العليم، وهذا منطقي واقعيا وروائيا لأن الراوي العليم هو الذي يتحدث عن جميع شخصيات الرواية، وهو بشكل ما صوت المجتمع، ولذا ستظل له الغلبة في المساحة التي يحتلها في الرواية كما أن له الغلبة في العالم الواقعي، غلبة المجتمع على الفرد.
لكن الكاتبة أيضا، وفي إطار الراوي العليم ذاته تحرص على أن تنوع في صوت السارد، وتفعل هذا في مواضع مهمة، أهمها عندما يصبح هذا الراوي هو صوت ظريفة العبدة التي ربت عبدالله ابن التاجر سليمان، وهي تتحدث إلى نفسها (ص109)، وكذلك عندما يحكي خالد عن نفسه في علاقته بأبيه (ص190)، إذ لم يكن عشوائيا أن تقتنص هذه الشخصيات بالذات صوت السارد، فظريفة بما أنها عبدة ورغم أن هذه العبودية من أقوى قيود المجتمع إلا أن هذه العبودية نفسها إضافة إلى علاقة الحب التي ربطتها بالتاجر سليمان يجعلانها قادرة على تحدي هذا المجتمع بشكل أو بآخر، فتسرق صوته لتتحدث ولو للحظات تخلو فيها إلى نفسها ومشاعرها الدفينة، أما خالد فهو الجيل الجديد الثائر على تقاليد المجتمع، وهو غادر عمان صغيرا وعاش وتعلم في مصر، وهو ترك كلية الهندسة ليلتحق بكلية الفنون الجميلة، لكل هذه الأسباب استطاع أن يخلص إلى شخصيته الفردية في مواجهة شخصية أبيه المسيطرة بعكس عبدالله التي سلبته شخصية أبيه شخصيته هو، وبذا استحق خالد أن يتحدث بنفسه عن نفسه دون حاجة إلى صوت الراوي العليم.
كما أن الراوي العليم لا يلتزم دائما بخط الحكي الزمني، إذ تتركه الكاتبة يستشرف الزمن المستقبلي انطلاقا من لحظة الحكي واعتمادا على مشاعر الشخصية التي يحكي عنها كما نرى في صفحات 74 و167، حيث يحكي الراوي العليم بعض أحداث قصة حب لندن وأحمد انطلاقا من لحظة تعيشها ميا، وبما يلقي ضوءًا ما على قصة حب ميا نفسها لعلي بن خلف.
إذا كانت الرواية قد بدأت بالراوي العليم يحكي حكيا تقليديا عن مجتمع تقليدي مستقر ومسيطر، فإن الفصول الأخيرة من الرواية بما تقدمه من علاقات، وبما يتنازل عنه الراوي العليم من مساحات للشخصيات، وبالذات الفصل الأخير الكابوسي الذي تدور أحداثه في مخيلة عبدالله، فإن كل هذا ينبئ عن مجتمع يتهاوى ليسلم الراية لمجتمع آخر، ربما ليس أقل منه تعاسة وشقاء، لكنه أكثر فردية وذاتية وانفصالا عن الآخرين، له قواعده وعلاقاته ولغته المختلفة التي نُسى فيها المتنبى ودخلتها الإنجليزية (ص 210).
هذا اللعب بالعلاقات السردية يجعل القارئ نفسه على حافة سردية لا يعرف ما سيأتي بعدها، وهو ما يجعله بشكل ما مشاركا في العمل الروائي.
علاقات الحب الثلاثية
تقوم الرواية على عدد من علاقات الحب معظمها ثلاثي الأطراف، لكنها في معظمها علاقة مأزومة، فميا في وسط علاقة حب طرفاها علي بن خلف وعبدالله ابن التاجر سليمان، وناصر في وسط علاقة حب طرفاها خولة والمرأة الكندية، وهي نفس العلاقة التي عاشها أبوها عزان بين زوجته سالمة ونجية القمر، والتي كان أحمد فيها بين لندن ورئيسة الجماعة الأدبية بالجامعة. فقد عانت سالمة وابنتها خولة وحفيدتها لندن من نفس تركيبة العلاقة العاطفية، أما ميا ابنة سالمة وأم لندن فقد عاشت تركيبة مختلفة، لكن هذه العلاقات كلها باءت بالفشل، فلم تكن سالمة سعيدة مع عزان التي اختطفها عمها من بيت خالها ليزوجها له من دون رضاها ثم إذا به يقيم علاقة ملتهبة غير شرعية مع نجية البدوية، ولا اكتملت سعادة عزان ونجية، ولم تسعد ميا مع عبدالله عاشقها بسبب أحلامها حول علي بن خلف، وابنتها لم تسعد مع من عشقته رغم اقترانها به بعقد زواج، وخولة التي تصمد في وجه المجتمع بكل ضغوطه من أجل حبها هي التي تطلب إنهاء العلاقة الزوجية مع الحبيب بعد عشرين سنة من الزواج. المجتمع القديم المتلاشى، والمجتمع الجديد البازغ، كلاهما بيئة غير صالحة لحب حقيقي نقي يتنفس هواء صالحا، ولعله لهذا تبدو نبرة حنان صديقة لندن التي تهاجم فيها الحب مقبولة في مثل هذا المجتمع الذي ينتج مثل هذه العلاقات المتفسخة، فتفرق بين الحب والزواج وتهاجم الحب الوهمي المبني على مشاعر هلامية بمنطقية صارمة.
ربما تكون أقوى علاقة حب في الرواية هي علاقة ظريفة بعبدالله، فأصبحت بديلا له عن أمه، وأصبح هو كل دنياها.

سيدات القمر لا أبناء القمر.. لماذا؟
"كان الناس جنسا واحدا: ذكرا وأنثى في الوقت نفسه وهم أبناء القمر، لكل إنسان أربع أيد وأربع أرجل ورأسان، ولكن الآلهة خافت من نفوذ هؤلاء الناس فشطرتهم شطرين وبقي مكان السرة فى البطن تذكيرا لهم بهذا الانفصال، وهكذا أصبح الناس جنسين ويبحث كل شطر عن شطره الضائع ليتحد به من جديد!!".
فلماذا تسمى الكاتبة روايتها "سيدات القمر" لا "أبناء القمر"؟ إنه ليس مجرد انحياز سطحي لبنات جنسها، إنه اختيار عميق للتعبير عن طبيعة المجتمع الذي تعالجه الرواية، إنه مجتمع ذكوري قاهر، مجتمع هو نفسه السبب فما حكته الأسطورة من انشطار الإنسان على ذاته فيصبح رجلا وامرأة منفصلين تمام الانفصال، بل ويشطر كل منهما داخل نفسه فيصبح في داخله شيئا وفي علاقاته الخارجية شيئا آخر، واستخدام الكاتبة لراوٍ ذكري رئيسى هو عبدالله يعطي شرعية أخرى لاسم الرواية رغما ما يبدو عكس ذلك ظاهريا، إذ أن القهر الذي وقع على عبدالله من أبيه لا يختلف عن القهر الذي يوقعه المجتمع على المرأة بما فيه من سحق لشخصية كل منهما بدافع غامض يجمع ما بين الحب والكراهية والتوجس، فهو مجتمع قاهر لكل أفراده ذكورا وإناثا وإن بدا قهره للأنثى أجلى صورة، وبالتالي كان رد الكاتبة على هذا المجتمع بـ "سيدات القمر"!.