سيناريو التصويت العقابي يطرق بقوة تشريعية تونس

نتائج الانتخابات الرئاسية في دورتها الأولى التي فاز فيها مرشح مستقل ورجل أعمال محبوس، تقلب المشهد الانتخابي التونسي رأسا على عقب.



كابوس التصويت العقابي في التشريعية يؤرق منظومة الحكم في تونس


القائمات المستقلة المرشحة للتشريعية تفزع حركة النهضة بعد زلزال الرئاسية


النهضة تخشى صفعة انتخابية ثانية بعد نكسة الرئاسية


البرلمان التونسي القادم سيكون على الأرجح تشكيلة متنوعة من الأحزاب الصغيرة


التحالفات بعد التشريعية مفتاح محتمل لتشكيل الحكومة


حالة من الاستقطاب السياسي تسبق الانتخابات التشريعية

تونس - تتوجس الأحزاب السياسية في تونس التي برزت بعد ثورة يناير/كانون الثاني 2011 وهيمنت على المشهد السياسي طيلة السنوات الماضية، من صفعة جديدة في الانتخابات التشريعية التي تنطلق يوم الأحد القادم، فيما تتجه الأنظار إلى القائمات المستقلة.

وقلبت نتائج الانتخابات الرئاسية التي فاز فيها المرشح المستقل أستاذ القانون الدستوري قيس سعيد بالمرتبة الأولى ومرشح حزب قلب تونس رجل الأعمال وقطب الإعلام نبيل القروي بالمرتبة الثانية، المشهد الانتخابي التونسي رأسا على عقب.

ويرى مراقبون أن توجه التصويت ضد المنظومة الحاكمة سيتواصل في التشريعية، وسيخرج حزب قلب تونس المستفيد الأكبر منه وسيزيد من حظوظ نبيل القروي في الدورة الثانية أمام منافسه قيس سعيّد الذي أعلنت حركة النهضة دعمه رسميا.

واللافت أن عملية الاستقطاب بدأت مبكرا بإعلان عدة أحزاب سياسية دعمها لقيس سعيد الذي خاض سباق الرئاسة في دورته الأولى بلا برنامج سياسي واضح، فيما ترشح القروي بعد حملة إنسانية أدارها على مدى ثلاث سنوات استهدفت الفئات الفقيرة والمهمشة ما أتاح له بناء قاعدة شعبية.

البرلمان التونسي القادم سيكون تشكيلة متنوعة من الأحزاب الصغيرة على خلاف تركيبته الحالية
البرلمان التونسي القادم سيكون تشكيلة متنوعة من الأحزاب الصغيرة على خلاف تركيبته الحالية

وكان واضحا أن التصويت في الانتخابات الرئاسية في دورتها الأولى، كان تصويتا عقابيا بامتياز ضد المنظومة، فيما شكّل هذا الاقتراع مؤشرا قويا على حالة انعدام ثقة التونسيين في الأحزاب السياسية التقليدية وعلامة على اتجاه الناخب لتكرار التصويت العقابي في الانتخابات التشريعية.

وتتنافس أكثر من 1500 قائمة حزبية وائتلافية ومستقلة بأكثر من 15 ألف مرشح، على 217 مقعدا في البرلمان.

وتدخل اللوائح المستقلة بقوة غمار السباق بنسبة تقدر بثلث مجموع اللوائح المرشحة، ما يعزز فرضية إفراز برلمان متنوع الكتل وبتمثيل صغير، على أرجح التقديرات.

ويدخل حزب النهضة ذو المرجعية الإسلامية الانتخابات التشريعية بعد أن فشل مرشحه للرئاسة عبدالفتاح مورو في التأهل إلى الدورة الثانية.

في المقابل، تقدم رئيس الحزب راشد الغنوشي للمرة الأولى منذ ثورة 2011 على قائمة الدائرة الأولى في ولاية تونس في خطوة قد تمكنه من ترأس البرلمان القادم في مرحلة لاحقة.

لكن النهضة تبدو أكثر الأحزاب توجسا بعد تراجع قاعدتها الانتخابية وخسارتها لجزء كبير من التأييد الذي كانت تحظى به بعد الثورة.

الغنوشي يخوّف الناخبين من مرشحي القائمات المستقلة وعينه على رئاسة البرلمان
الغنوشي يخوّف الناخبين من مرشحي القائمات المستقلة وعينه على رئاسة البرلمان

ويبدو واضحا أن الحركة الإسلامية التي قالت إنها تحولت لحزب مدني وأنها فصلت بين النشاط الديني الدعوي والسياسة، تآكلت شعبيتها بفعل فشلها في تجربة الحكم سواء في ائتلاف حكومة الترويكا (2011 إلى 2013) أو لاحقا بالتوافق مع نداء تونس العلماني (2014 إلى 2019) واهتزت ثقة الناخبين فيها.

وما يعكس حالة التوجس من نكسة انتخابية ثانية، دعا راشد الغنوشي في اجتماع شعبي نهاية الأسبوع الماضي بمدينة صفاقس (جنوب) إلى عدم التصويت للوائح المستقلة لأن التصويت لها "تصويت للفوضى"، في محاولة لترهيب الناخبين وكأن التصويت للنهضة يعني التصويت للأمن والاستقرار وهي مقولة لم تعد تقنع التونسيين.

ولم يتمكن حزب نداء تونس غريم النهضة والفائز بانتخابات 2014، من الحفاظ على تماسكه والقوة التي ظهر بها قبل خمس سنوات إثر أزمات داخلية على القيادة انتهت بتفككه، لكنه قدم قوائم انتخابية في عدد من الولايات (المحافظات).

قائمة عيش تونس تخوض التشريعية وسط جدل حول مصدر تمويلاتها
قائمة عيش تونس تخوض التشريعية وسط جدل حول مصدر تمويلاتها

واستفاد حزب تحيا تونس الذي أسسه رئيس الحكومة يوسف الشاهد وكان الخاسر الأكبر في الانتخابات الرئاسية في دورتها الأولى، من تراجع نداء تونس والتحق به عديد من قيادات النداء للرهان على مقاعد البرلمان.

ويدخل حزب قلب تونس ومؤسسه نبيل القروي، الانتخابات النيابية بحافز كبير مدعوما بترشح رئيسه للدورة الرئاسية الثانية في إطار ما عرف بتصويت "العقاب" ضد المنظومة الحاكمة وممثليها الذين لم يقدموا حلولا اقتصادية واجتماعية للتونسيين.

ويبرز في انتخابات 2019 التشريعية متنافسون جدد انطلقوا في نشاطهم السياسي منذ شهور، أبرزهم جمعية 'عيش تونسي' الثقافية الممولة من المرشحة على قائمة ولاية بنزرت (شمال) ألفة تراس زوجة غيوم رامبورغ الموظف الكبير السابق بوزارة المالية الفرنسية الذي عرف بأنه أحد داعمي حملة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.

وتبقى الانتخابات التشريعية، كما كان الحال بالنسبة للدورة الرئاسية الأولى، مفتوحة على كل الاحتمالات مع تواصل منع نشر نتائج استطلاعات الرأي.

ولكن واستنادا إلى دراسات غير رسمية، من المتوقع أن تستفيد اللوائح المستقلة من التوجه العام للناخب التونسي الذي عبّر عن رفضه لسياسات الحكم الحالية.

وإلى جانب حزب قلب تونس وجمعية 'عيش تونسي'، من المتوقع أن ينال ائتلاف الكرامة الذي يترأسه المحامي المثير للجدل الشاب سيف الدين مخلوف مركزا متقدما. وترشح مخلوف للانتخابات الرئاسية، فيما تحوم حوله الكثير من الشبهات ومنها علاقته بعبدالحكيم بلحاج زعيم الجماعة الليبية المقاتلة. ويدافع رئيس ائتلاف الكرامة عن متشددين متورطين في قضايا الإرهاب.

ويحاول حزب النهضة تدارك تراجعه والحفاظ على أقصى ما يمكن من المقاعد في البرلمان ما يمنحه أريحية المشاركة في القرار السياسي في البلاد بالرغم من هزيمة مورو في الرئاسية.

ويقول المحلل السياسي عبداللطيف الحناشي "ربما ستكون هناك حظوظ أكبر للمستقلين" بالنظر لنتائج الدورة الرئاسية الأولى.

الانتخابات التشريعية كما كان الحال بالنسبة للدورة الرئاسية الأولى، مفتوحة على كل الاحتمالات فيما تسعى حركة النهضة لتدارك تراجعها والحفاظ على أقصى ما يمكن من المقاعد في البرلمان بما يمنحها أريحية المشاركة في القرار السياسي

كما يحظى الحزب الدستوري الحرّ المناهض للإسلاميين بحافز مهم في التشريعية إثر تمكن رئيسته عبير موسي من حصد أربعة بالمئة من الأصوات في الدورة الرئاسية الأولى.

وقد قلبت وفاة الرئيس الباجي قايد السبسي كل الحسابات السياسية للأحزاب وأصبحت الهيئة العليا المستقلة للانتخابات مقيدة بتطبيق بنود الدستور التي تنص على إنجاز الانتخابات في مدة لا تزيد عن تسعين يوما.

ويتولى الحزب الفائز بأكبر مقاعد البرلمان تقديم تشكيلة للحكومة في مدة زمنية لا تتجاوز الشهرين على أن يصادق عليها البرلمان بأغلبية 109 أصوات، لكن ومع تقدم العديد من الأحزاب للانتخابات التشريعية من المتوقع أن يكون الحزب الفائز مدعوا للتوافق مع أطراف أخرى ليتمكن من تحصيل الغالبية.

وإذا فشل في ذلك، يقترح رئيس الدولة رئيس حكومة ويكلفه بتشكيل حكومته وعرضها على البرلمان.

وبالرغم من التوافق الذي حصل بين حزبي نداء تونس والنهضة الفائزين بأكبر المقاعد في الانتخابات البرلمانية عام 2014، لم يتمكن رئيس الحكومة حينها الحبيب الصيد من تحصيل الغالبية البرلمانية على حكومته في المرة الأولى واضطر إلى تغييرها وعرضها للمرة الثانية على التصويت.

وقد دعي أكثر من سبعة ملايين ناخب للمشاركة في الانتخابات التشريعية التونسية المقررة الأحد والتي تأتي بين دورتين رئاسيتين وقد تفضي إلى مشهد سياسي جديد وبرلمان مكوّن من كتل صغيرة.

والانتخابات التشريعية هي الثانية منذ إقرار دستور جديد للبلاد عام 2014. وكانت مقررة قبل الانتخابات الرئاسية، لكن إثر وفاة الرئيس الباجي قائد السبسي في 25 يوليو/تموز، تم تقديم الرئاسية إلى 15 سبتمبر/أيلول.

وتعلن الهيئة العليا المستقلة عن النتائج الأولية يوم التاسع من أكتوبر/تشرين الأول، فيما تأتي الانتخابات التشريعية بعيد ثلاثة أسابيع من الدورة الأولى للانتخابات الرئاسية التي كانت بمثابة "زلزال انتخابي"، فقد نتج عنها تأهل كل من أستاذ القانون الدستوري قيس سعيّد المستقل ورجل الإعلام نبيل القروي الموقوف بتهم تبييض أموال وتهرب ضريبي، إلى الدورة الثانية، بعد أن قدّما برامج انتخابية تقوم على القطع مع السياسات الحالية للدولة في معالجة الأزمة الاقتصادية والاجتماعية.