صابر المصري آخر الكنوز البشرية الحية

مصطفي عثمان والمعروف بالعم صابر المصري حمل "الأراجوز" فنا شعبيا خالصا.


العم صابر قدم منذ عام 2007 حتى وفاته مع فرقة ومضة عرضا أسبوعياً أحدهما في بيت السحيمي يوم الجمعة من كل أسبوع بالمجان للجمهور


العم صابر عاش حياته لمصر حيث لقب نفسه بالمصري

أكد د.نبيل بهجت أستاذ علوم المسرح ومؤسسة فرقة ومضة التي أعادت فن الأراجوز لواجهة التراث الشعبي المصري، في حفل تأبين شيخ لاعبي الأراجوز عم صابر المصري الذي أقيم ببيت السناري أن عم صابر كان "آخر الكنوز البشرية الحية لفن الاراجوز". وقال حمل مصطفي عثمان والمعروف بالعم صابر المصري "الأراجوز" فنا شعبيا خالصا، وكما كان يقول دائما عن نفسه إنه "أكبر مسرح وأصغر مسرح". انتصر العم صابر لثقافة الشعب المصري وظل ينشر البهجة طوال حياته، حيث حمل الأراجوز من الأسواق والموالد والأحياء الفقيرة إلى أن وصل به إلى العالمية، فلم يرحل عن عالمنا حتي تم الاعتراف العالمي بفن الأراجوز من خلال منظمة اليونسكو كأحد أهم الفنون البشرية التي يجب الحفاظ عليها من الانقراض".
وأضاف "أضحك العم صابر بفنه ملايين الأطفال حول العالم، حيث ظل يحمل رسالة الأمل والفرح والبهجة حتي وافته المنية ظهر 7/10/2019. إن تأمل قسمات وجهه لا ترى إلا الوطن، تسمع صوت أمانته يحيط المكان، فتشرق وجوه الأطفال بالضحك حتى تغرورق أعينهم بالأمل".
ورثاه بهجت "كان عم صابر يصنع من قلب الجوع والفقر والقهر الضحكات، يحملها للناس من دون مقابل. أن تصنع من قلب الجوع الفقر القهر الضحكات فتلك عبادة، أن تحملها للناس فتصلي صلاة الفرح وتلزم باب الفرح فتلك عبادة، أن تحيا مثل المصباح بقلب العتمة لينير لأهل الدرب طريقا فتلك عبادة، مولاي الحمل ثقيل، ففي صحبة العم صابر تشعر أنك في حضرة عشق صوفي، هو إمام الفرح فيها، سألته عن شعوره بالضحكات التي تنهمر عليه ولا يراها؟ فأجاب "قلبي يراها" ولسان حاله يقول "قلوب العاشقين لها عيون.. ترى ما لا يراه الناظرون".

رغم كبر سنه وفقدان بصره لم يتوقف أبدا عن نشر البهجة والفرح. كان نموذجا حيا للفعل الإنساني الذي نتمني أن يعم البشرية أنه العم صابر آخر الكنوز البشرية الحية

وأوضح: عشت في حضرة العم صابر عشرين عاما أنهل من فيضه، أرتحل معه محاولا إحياء لفنون "الأراجوز وخيال الظل" وإعادتها للحياة، للناس، للشارع، عملنا كفرقة أن ننتزع اعترافا محليا وعربيا وعالميا بتلك الفنون وبفنانيها الحقيقيين من حملة الموروث الشعبي، وأن نخلق جيلا يتلقى هذا الفن.. يحيا به ومعه. رحلة حياة قضيناها معا لتكون فرقة "ومضة" نموذجا ملهما يضيء الحياة، وتؤكد أن لدينا ما يستطيع أن يعبر عنا. إنه البصير الذي أنار بصائرنا وعلمنا صناعة الأمل إنه العم صابر.
ولكن من هو العم صابر الذي تم تصنيفه كأحد الكنوز البشرية الحية ويحمل في ذاكرته فنا مصري خالصا، يشير بهجت أن صابر المصري ولد في 30/8/1939 وتوفي في 7/10/2019، ضعف بصره منذ طفولته وفقده تماماً منذ 2012، احترف فن الأراجوز منذ ما يزيد على خمسة وخمسين عاماٌ تقريباً، ويذكر أن أول من لفت انتباهه لهذا الفن كان محمود شكوكو الذي توطدت العلاقة بينهما فيما بعد، وبدأ رحلة تعلمه في الموالد وظل أكثر من عشر سنوات يقدم فن الأراجوز فيها متنقلاً بين أرجاء مصر، ويقول العم صابر عنها "هي مدرستي الأولي ألتقيت فيها بفنانين أمثال نعمه الله العجمي والذي عُرف بفيلسوف الأراجوز، وكذلك محمود علي صالح، علي محمود، أحمد زُربه ومصطفي الأسود، ومنهم ومعهم تعلم فنون الأراجوز، وعَرفت كل شئ عن هذا الفن الذي اخترته طريقا لحياتي، فقد كان بإمكاني أن اختار أي مهنة أخري ألا أن حبي للفن والأراجوز هو الذي شكل حياتي".
رافق عم صابر في مشواره الفني عدداً من اللاعبين أمثال: سعد شيكو، محمود ألف صنف، صالح الجيزاوي، الفسخاني، فلفل، محمد كريمه، عبدالظاهر، وغيرهم.. وأنتقل بعدها لشارع محمد علي ليجعل من مقاهي "التجارة، ونجيب السواح" مستقرا له وانطلق من شارع محمد علي ليقدم فنه في الأماكن العامة والخاصة والمدارس وأعياد الميلاد وغيرها.
انضم العم صابر كعضو مؤسس لفرقة ومضة لعروض الأراجوز وخيال الظل والتي أسسها د.نبيل بهجت عام 2003 لإحياء فني الأراجوز وخيال الظل تأكيداً علي إن لدينا ما يستطيع أن يعبر عنا في محاولة لخلق مسرح يعتمد علي العناصر الشعبية العربية كأدوات أساسية تشكل لغته.
وحرصت الفرقة على أن تفتح أبوابها منذ اليوم الأول كمدرسة لراغبي تعلم هذه الفنون فأستحدثت ورش الأراجوز وخيال الظل. وكان العم صابر هو معلمها الاكبر ومرشدها الفني، حيث قدم من خلالها مئات الورش داخل مصر وخارجها لنقل خبرته للأجيال المختلفة، وتتلمذ علي يده جيل حمل هذا الفن ليبقي للعالم ولمصر وللذاكرة الإنسانية أحد فنونها.
وشارك في العديد من المشروعات والمبادرات التي أطلقتها الفرقة ومنها: مشروع إعادة الأراجوز للشارع والذي بدأ منذ 2003، مشروع دراما في الفصل المدرسي والذي بدأ منذ 2007، مشروع هنروح للناس مسرح ببلاش 2013، شارك بعروضه في عمل مشروع الأرشيف القومي للأراجوز المصري والذي أصدره المجلس الأعلي للثقافة 2012.

وقدم عددا من العروض أهمها مع فرقة ومضة: على الأبواب، حكايات الأراجوز المصري، حكمة الأراجوز، أراجوز في مزاد، هكذا تكلم الأراجوز، صندوق الحكايات، السندباد، جحا المصري وجحا الايطالي، أراجوز دوت كوم، عرايسنا، ما حلاها الايد الشغالة، علي الزيبق، أحلام ملك، جحا وحاكم المدينة، شعبيات، الفلاح الفصيح حكايات كتاب، التمساح، شارع المعز، ملاعيب شيحه، جحا والحياة، العرض الأخير، البطل، عن الحب عن الخوف نحكي، مفيش مشكلة، أصل الحكايه إيه، قرب وأتفرج، بكره أحلى، ورحلة الأراجوز، وصندوق الحكايات وحكمة الأراجوز وغيرها من العروض من تأليف وإخراج د.نبيل بهجت.
وقد قدم العم صابر هذه العروض في العديد من دول العالم، حيث مثل مصر رسميا في كل من الدول الآتية: إيطاليا ـ أسبانيا ـ فرنسا ـ اليونان ـ تونس ـ موريتانيا ـ الكويت ـ البحرين ـ الامارات وغيرها من البلاد.
كما قدم منذ عام 2007 حتى وفاته مع فرقة ومضة عرضا أسبوعياً أحدهما في بيت السحيمي يوم الجمعة من كل أسبوع بالمجان للجمهور. وهكذا ساهم في إحياء هذا الفن، وحصـل على العديـد من شهـادات التقديـر والـدروع من جهـات مختلفـة منها: وزارة الثقافة التونسية - المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بالكويت - المكتب الثقافي المصري بموريتانيا - المكتب الثقافي المصري بفرنسا - المكتب الثقافي المصري بالكويت - وكان أهم الجوائز التي حصل عليها في حياته جائزة الكنوز البشرية الحية من الشيخ سلطان القاسمي في 2016، وكذلك تكريمه من الهيئة العربية للمسرح في 2015.
أطلق العم صابر عددا من الأمنيات قبل رحيلة وكان آخر ما أطلقه أمنياته بعد أن تجاوز الثمانين حيث قال: اليوم وبعد أن تجاوز عمري 80 عاما وفقدت بصري تماماً أعلن أنني سأستمر في نشر السعادة والضحك لكل الناس، فلم أفقد الأمل يوماَ في قدرتنا على صنع عالم سعيد، فلا تفقدوا الأمل في ذلك. أقول لكم لقد عشت حروباً وصراعات انتهت جميعها وبقي الإنسان، فلا يدفعكم الاختلاف إلى التخلي عن القيم الإنسانية. توقفوا عن صناعة الموت وأفسحوا الطريق للتعايش والأمل والحياة. انبذوا الكراهية. أناشد الجميع حكاماً وشعوباً بالتوقف عن صناعة الموت، لا تحكموا العالم بالخوف واليأس والجهل، وأحكموه بالحب والأمل والعلم. إن مقياس تقدم العالم هو قدرته على إنهاء الصراع والقتل والعنف والمرض والجهل ومازال العالم يئن تحت ذلك كله، علينا أن نعمل جميعاً نحو تحقيق تقدم يسعد الجميع لذا أناشد كل أطراف الصراع في العالم بوقف كل أشكال العنف والاضطهاد. ولنحمِ الأطفال فهم الملائكة الحقيقيون لهذا العالم اعطوهم الحب والحياة ميراثا.
وختم بهجت: هكذا عاش العم صابر حياته لمصر حيث لقب نفسه بالمصري، وكانت رسالته البهجهة والفرح وأن يكون الجيل الجديد صالحا. هكذا رغم كبر سنه وفقدان بصره لم يتوقف أبدا عن نشر البهجة والفرح. كان نموذجا حيا للفعل الإنساني الذي نتمني أن يعم البشرية أنه العم صابر آخر الكنوز البشرية الحية.