صدى الذاكرة في "مدينة بلعها الطوفان"

آلان الأنصاري يرى أن مجموعته القصصية عبارة عن سرديات شعرية لسنوات طويلة من الترحال.


انهيار الحلم، وبروز حقائق لا ترحم، ومنها شيوع حالات التشظي والانكسار واليأس في أعماق المهاجر الذي استبدل أغلالا بأخرى


نصوص نثرية جميلة في حزنها وفرحها وعشقها ولوعتها

عن دار جدل للنشر والتوزيع صدرت المجموعة القصصية "مدينة بلعها الطوفان" للكاتب آلان الأنصاري، وهو مصمم كرافيك وموسيقي، إضافة إلى كونه كاتبا، وقد غادر العراق في بداية التسعينيات، واستقر في سوريا، وكان يكتب تحت اسم مستعار وهو عبد الله المهاجر، ومن سوريا هاجر إلى الدانمارك حيث درس الموسيقى والتصميم والإعلام، وحصل على الماجستير في الميديا تكنولوجي من جامعة كوبنهاگن، وأصدر عدة مشاريع موسيقية في سوريا والدانمارك. 
يرى آلان الأنصاري بأن مجموعته القصصية: "عبارة عن سرديات شعرية لسنوات طويلة من الترحال، وقد جمعتها في مدينة واحدة، كمن يريد أن يشعل النار في تاريخه كلّه مرة واحدة". 
من خلال نصوص المجموعة نتحسس حجم القسوة التي مارسها النظام السابق، فأغرق أجيالا كاملة وجرّدها من أحلامها. هذه الأجيال التي لاذت في بؤسها، وقحط ما يُحيط بها. وحينما أصبح الوطن عسيرا على البقاء، تسرب الكثير منهم خارج أسوار الوطن للبحث عن الحرية.
ولكن الصدمة التي تجلت لهم وهم يصارعون أقدارهم، هي انهيار الحلم، وبروز حقائق لا ترحم، ومنها شيوع حالات التشظي والانكسار واليأس في أعماق المهاجر الذي استبدل أغلالا بأخرى. فبعد أن هرب من عبودية الوطن استقبلته أغلال الغربة، فجعلته متأرجحا ما بين جحيم الذاكرة ووبؤس الواقع، حتى تتحول في قصصه الأماكن والمدن والنساء، إلى حبال من القلق، تلتف حول عنق حاضره المشحون بالترقب والحيرة والارتباك، فالمغترب يظلّ منهمكا في البحث عن ملاذ يقيه من التشرد، كي يستعيد من خلاله بعض إنسانيته.  
ثمة نص مختصر، ولكنّه يمثل صرخة لضياع أحد رفاق الدرب والغربة والمهجر:
 "ياسين، أين أنت؟"
 وياسين أحد الذين ضيعتهم أوجاع الوطن وزوابعه، وهو صديق للشاعر، وبرز في هولندا كفنان تشكيلي متميّز، وفي عودته إلى بغداد، حدث انفجار إرهابي مزّق جسده، وعفّر دمه بتربة الوطن التي طالما كان يحنّ إليه. 
قصص المجموعة تبحث عن الهوية التي تلاشت بين هيمنة الماضي وسطوته، وبين شحة الحاضر وفقر حصيلته. فشخوص القصص - وأغلبها تتحدث بضمير (الأنا) - تعبّر عن مشاعر الكاتب نفسه.
هذه الأنا التي تختزن الأوجاع والأحلام والأوهام، من خلال أشرطة الذكريات التي تنهال كمطارق قوية. عن العذابات التي تلقاها في معتقل أبو غريب، يتحدث الكاتب عن بشاعة السجن ورعبه الذي يطارد المخيلة حتى وهي في تحت سماوات آمنة. كانت أخيلة الكاتب تحلم بسقف يقيه من كرباج الجلاد الذي يطارد الأرواح العاجزة عن المواجهة، والتي لا تمتلك سوى حبها للوطن.  
بشاعة السجن تتجلى في امتداده وديمومته. فبعد أن ينجو الإنسان منه بمحض صدفة غير مفهومة، لكن خيوطه العنكبوتية تبقى منسوجة في أعماق وعيه، يتذكر الذين فقدوا رمقهم الأخير من رفاقه في التلمذة والتجنيد والسجن، فيتحول إلى شخص منكسر مهزوم، يحاول أن يصنع عالما جديدا يخلو من بقايا الماضي، التي يعبر عنها في أحد نصوصه: 

short story
نصوص رشيقة في لغتها ورمزيتها

"سجن أبو غريب والجوع الوحشي للكائنات التي كانت تنهش جثثنا المخترقة".
تتجلى في أحد النصوص قسوة تجربة الحياة العسكرية التي عاشها، حيث يتحول الإنسان إلى رقم تافه في واقع زاخر بالأضداد، والذي تتكدس في ما تبقى من الأحاسيس والمشاعر. إنها عملية التدمير حتى التلاشي، وفي خضم ذلك يتذكر وجوه الأصدقاء الذين غيبهم الموت، لكنّ وجوههم تبقى مسمرةً على لوحة الذاكرة. 
تتشبع نصوص المجموعة بالوجع العميق، من خلال الحيرة والضياع والذي تمثله الجمل والعبارات التي تتحدث عن القطارات التي تصهل بالمحطات والمسافرين والأضواء والمسافات المقفرة، ولكنه لا يجد محطة تأويه، وتصبح سقفه وسكنه وملاذه. إنها الحيرة والضياع في أعلى تجلياتها.   
المرأة عند آلان الأنصاري وطنٌ بديل، فمن لمستها الحنون يستمد القدرة على المواجهة، فهي ترافقه في نصوصه، تتحد أنفاسها بموسيقى البيانو، وتمتزج رائحتها الأنثوية برغبات وحشية، حيث التمرغ بين لحاء الشجر ورائة المرأة المشتهاة، والتي تؤكد حضورها بهذا العناق الأبدي الجميل، وكأنه يعيش تجليات حاجات الجسد بسفينة تصارع تيارات البحر وعواصفه، كي تصل إلى لحظة المستحيل، لحظة الانتصار والوصول إلى جزر غير مأهولة، حيث الشمس وزرقة البحر والعواصف.
 تتحول المرأة إلى موجة داكنة، أو وسادة هادئة، أو وردة تتضوع بالحب وأريج الحياة، أو كل تلك الصفات مجتمعة، حيث يعبر عنها:
"هي ومض الحلم ومعشوقة الجسد اللعين".
لكن المرأة تتحول أحيانا إلى وجه الأم التي اتعبتها السنين، والتي كانت ترافقه في كل منعطفات غربته. وجهها يحفّ به في غرفته وفي ظلمة أيامه، يتبعه في لحظات الأرق والمتعة والضجر، إنها امرأة بلون الحلم، ورائحة الأمل، تلك المرأة التي يقول عنها:
"أماه، لم يعُد لي وطنٌ بعدك، ضاعت معاني الانتماء".
  قصص آلان  الأنصاري تمتد إلى تسعينيات القرن الماضي، حيث كانت بداياته، ولكنها تمتد إلى اللحظة الراهنة، ولا ترتبط بزمن معيّن أو بشخص معيّن، وذلك لأنها تعبّر عن معاناة كثير من العراقيين الذين افترشوا أرصفة الغرفة، وظلوا يحلمون بالعودة إلى وطن غادروه دون رغبتهم، ولكنه لم يغادرهم. 
إنها نصوص نثرية جميلة في حزنها وفرحها وعشقها ولوعتها، ورغم أنها تنأى عن الوطن فإنها ترتبط فيه، لكنها تستعير من التاريخ بعض ومضاته، وتبحث عن المدينة الفاضلة. 
إنها نصوص رشيقة في لغتها ورمزيتها، وثراء معانيها، فهي مزيج من "نصوص منسية أو قصائد مبعثرة أو يوميات لشخص مجهول مرّ عبر هذا الخراب" وأراد أن يسجل شهادته للأمانة التاريخية.