صمود كردستان في وجه رصاص الفوضى

ما يحدث ليس مجرد صراع على البنية التحتية أو مصالح اقتصادية، بل اختبار حقيقي لقدرة العراق حكومة وفدرالية على حماية مكوناته وضمان أمنه.

إقليم كردستان يتعرض اليوم لهجمات متكررة على مصادر الطاقة والبنية التحتية الحيوية، في مشهد أصبح جزءاً من فوضى منظمة تتزامن مع إنجازات تنموية كبرى للإقليم. الهجمات لا تأتي عشوائية، بل تشمل الطائرات المسيّرة على المنشآت الحيوية، وأرضاً من خلال إشعال الفتن الشعبية والإثنية والعقائدية، مدعومة من وسائل إعلام وصفحات تعمل على ثلاثة مستويات، كما استهدفت اقتصاد الإقليم من خلال محاولة قطع رواتب موظفيه.

الأزمة الأخيرة ركزت على حقل كورمور للغاز، أحد أهم المشاريع الاستراتيجية في كردستان، الذي استهدف في 26–27 نوفمبر/تشرين الثاني 2025 بهجوم أدى إلى توقف الإنتاج وانقطاع واسع للكهرباء عن مدن كبرى تعتمد على الغاز المنتج من الحقل، في ضربة مباشرة للبنية التحتية والطاقة والإنتاج الصناعي.

وأفاد مرصد "إيكو عراق" أن الخسائر المالية الناجمة عن استهداف حقل كورمور بلغت 7.41 ملايين دولار يومياً نتيجة توقف إنتاج الغاز فقط. وذكر المرصد، في بيان لوكالة شفق نيوز، أن "الخسارة اليومية لتوقف حقل كورمور عن إنتاج الأنواع الثلاثة من الغاز تبلغ أكثر من 7.41 ملايين دولار"، ما يعكس حجم الضرر الاقتصادي الكبير للإقليم.

حقل كورمور يُعد شرياناً حيوياً للإقليم، حيث يبلغ متوسط الإنتاج اليومي للغاز الطبيعي حوالي 530 مليون قدم مكعب، ما يغذي محطات الكهرباء في جمجمال وبازيان وأربيل، ويولد إيرادات يومية تقدر بنحو 2–3 ملايين دولار من الغاز والمنتجات المرافقة مثل النافثا وغاز البترول المسال. الهجمات على الحقل لا تهدد البنية التحتية فحسب، بل تحاول تعطيل شبكة الكهرباء وحياة المواطنين مباشرة.

لم تقتصر محاولات الاستهداف على الهجمات الميدانية؛ فقد سعت الجهات المنفذة إلى قطع رواتب موظفي الإقليم، محاولةً إطفاء النور اقتصادياً، بعد أن حققت حكومة مسرور بارزاني اكتفاءً ذاتياً للكهرباء من خلال مشروع روناكي، الذي مكّن الإقليم من توفير الكهرباء بمعدل 24 ساعة يومياً، في إنجاز قلّل بشكل كبير من تأثير الهجمات على حياة المواطنين واستثمارات القطاع الخاص.

رد الفعل الدولي كان سريعاً ومباشراً. واعتبرت بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق (يونامي) استهداف كورمور "تهديداً للنظام الاتحادي العراقي وللشبكة الاقتصادية الوطنية”، داعية إلى فتح تحقيق فوري ومحاسبة الجناة، مؤكدة أن الهجوم يستهدف بنية الدولة العراقية برمتها.

كما شجب الاتحاد الأوروبي وعدد من الدول هذا الاعتداء على منشآت مدنية للطاقة، معتبرين أنه "يهدد استقرار العراق بأسره"، ومجدّدين دعمهم لـ "أمن واستقرار كردستان ضمن إطار عراق موحّد".

مبعوث الولايات المتحدة إلى العراق، مارك سافايا، أدان الهجوم، واصفاً منفذي الهجوم بـ"جماعات مسلحة تعمل بصورة غير قانونية ومدفوعة بأجندات خارجية معادية"، ومطالباً بغداد بملاحقة الجناة "وتقديمهم للعدالة فوراً". وأضاف أن الولايات المتحدة تدعم "كردستان قوية في إطار عراق موحّد ومستقر"، وأنه لا مكان لمثل هذه الجماعات المسلحة في دولة ذات سيادة.

واستنادا الى هذه الأحداث، تبدو كردستان بقيادة مسرور بارزاني، مصممة على تحويل كل الهجمات والتحديات إلى فرصة لتعزيز صمودها، حماية إنتاج حقل كورمور الحيوي، وضمان استمرار الخدمات للمواطنين، وتعميق التنسيق الأمني مع بغداد والداعمين الدوليين. وهنا يتضح أن ما يحدث ليس مجرد صراع على البنية التحتية أو مصالح اقتصادية، بل اختبار حقيقي لقدرة العراق حكومة وفدرالية على حماية مكوناته المتنوعة وضمان أمنه الاقتصادي والاجتماعي.
كردستان تثبت أن الصمود ليس خياراً بل استراتيجية، وأن رصاص الفوضى لا يمكن أن يوقف مسار البناء والازدهار، لتصبح نموذجاً يحتذى به في الشرق الأوسط لمواجهة التهديدات المركّبة للأمن والطاقة والتنمية.