عائشة الحكمي تتحدث عن إشكاليات ماهية الرواية التفاعلية

الباحثة السعودية: تقديم الأدب التفاعلي إلى المتلقي لا بد أن يحقق المتعة  وبعض الفائدة. 


الأدب الرقمي فرض حضوره  في المشهد الأدبي والنقدي إبداعا وأبحاثا، شعرا وسردا


توجيه طلاب الدراسات العليا نحو الاشتغال على الأجناس الرقمية 

ترى الباحثة السعودية د. عائشة يحيى عثمان الحكمي أن الرواية الرقمية تعد أحد الاشكال السردية   المنبثقة عن العلاقة المتسارعة والمتشابكة  بين الأدب  وأدوات التقنية  التكنولوجية، تحمل سمات  مختلفة  عن نظيرتها  الرواية  التقليدية؛ إذ أنها من النصوص التي  أصبحت تعرف  بالنص المتشعب  أو المتفرع أو المترابط.
وتوضح أن البحث الذي قدمته بملتقى الشارقة للسرد الذي عقد في العاصمة الأردنية عمّان خلال الفترة 17 – 19 سبتمبر/أيلول 2019 يعي أهمية الموضوع، ومدى أهمية ملتقى مثل هذا الملتقى الذي يسبح في مساحة فيها كثير من الصخور والمنزلقات لوجود أسماء عديدة ومهمة من الباحثين المتحمسين لهذا التيار، ولحضور العزائم عند هؤلاء للمضي قدما في دفع التيار الرقمي إلى شط الحضور الطاغي يقينا منهم أن أي جهود تبذل في سبيل كل جديد ستواجه عقبات لكن على الأغلب تصبح في زمن ما تتصدر الإنجازات. 
وقالت: كلنا نعي مرحلة نشأة الرواية في الأدب العربي، واجهتها كثير من العقبات، ثم أصبحت واقعا فلكل متحمس للتيار الرقمي سيكون حماسه ثمارا يانعة في المستقبل. من هذا المنطلق رحبت الباحثة بالمشاركة مع  أرباب الأدب الرقمي إبداعا ونقدا للإفادة ولمواصلة نقل التجربة إلى أروقة الجامعة كتطبيق عملي حيث اعتادت الباحثة على طرح الرواية الإلكترونية كمرحلة من مراحل تطور الرواية العربية الحديثة.
وهي تطرح في بداية بحثها تساؤلا: إلى أين تتجه أشكال التعبير الابداعي في  زمن الطفرة الرقمية؟ وما هي الأشكال الأدبية الجديدة التي ولدت في رحم التكنولوجيا الحديثة؟ وما هي سماتها؟ وهل المستجدات في العالم الافتراضي تنبئ بأشكال جديدة للأجناس السردية، وما هي ردة فعل  مستقبل النص الأدبي وبمَ يتميز النص الرقمي عن النص التقليدي؟ وهل يمنح النص التقليدي المتلقي نفس الحماس الذي يخلقه  النص الرقمي؟ وماذا عن قدرات الكاتب الرقمي؟ وبمَ يختلف عن الكاتب التقليدي، هل يكتفي بالملكة الإبداعية أم يفترض التسلح بمتطلبات  العالم الرقمي، وماذا يشترط في الناقد الرقمي، وما هي الأدوات المختلفة التي يستند عليها في التواصل مع النص الرقمي؟

كل مقترح نقدي يحمل رؤية ينطلق منها لضبط حدود المصطلح الأدبي، والرواية التفاعلية على وجه التحديد، خطوة مهمة في ضبط هوية جنس جديد 

وقالت في الجلسة التي ترأستها الدكتورة فتحية النمر: في السنوات الأخيرة فرض الأدب الرقمي حضوره  في المشهد الأدبي والنقدي  إبداعا وأبحاثا، شعرا وسردا. وقد أصبحت الحاجة  ضرورية للتعاطي مع هذا الاتجاه وخلق مساحة من الود والرغبة في خوض معتركه وتوظيف إمكاناته المفتوحة  الخاصة المغايرة عن إجراءات الأدب الورقي.
وتوقفت عند ماهية الأعمال السردية التفاعلية المنتجة عبر الوسيط الرقمي وقالت: إنه من الطبيعي أن تسعى الأجناس الأدبية إلى التجديد بفعل طبيعة المنتج والمتلقي؛ لذلك سنتفق أن أي جنس أدبي ينتج عبر الوسائط التفاعلية ينطبق عليه أن يكون: "كلّ وثيقة تتركب من نص أولي ومجموعة من الوثائق المرتبطة به بالقوة الكامنة فيه، التي تكتسب تواجدًا فعليًا بمجرد تنشيطها مثل: التعليقات، التأويلات، الملاحظات، البيبليوجرافية. والنص المترابط من هذا الصنف يشكل بالنسبة للإبداع نشاطًا نقديًا في تطور مستمر، لأنّه يتوفر على إمكانية إضافة عقد وروابط ويتيح إمكانية التحقق المادي للنشاط التأويلي الذي يمارسه القارئ من خلال تنشيط مبدأ الحاشية. تلك الوثائق ترتبط فيها الكلمة بوسائط متفاعلة: الصور والفيديو والصوت عبر تقنية. 
وأوضحت أنه شاع استخدام المفردة الالكترونية وتوظيفها في أشكال الإبداع الأدبي    في مطلع ستينيات القرن الماضي، حيث موجة التحديث  المتسارعة التي عرفت في مسمى ما بعد الحداثة وظهور نظريات في الدرس النقدي تحتفي بالمتلقي كشريك في عملية إنتاج النص وسمحت  بتوظيف كل ما من شأنه يعمل على تأويل وتفسير الخطاب الأدبي، فأصبحت تتردد مصطلحات مثل التواصل الالكتروني، التفاعل  الأدبي، الأدب التفاعلي، الأدب الرقمي .... الخ.
وقد انسحب التطور في الدرس الأدبي والنقدي باستخدام مصطلحات كانت شائعة في المجال اللغوي والنفسي والاجتماعي والتاريخي والتكنولوجي وتسارعت مظاهر التطور والتحديث، فشاع مصطلح  وسائل التواصل الاجتماعي. هذه التحولات  الثقافية على مستوى الكتابية استغرق أزمنة طويلة في رحلة شاقة قبل التدوين   وبعده إلى أن وصلت مرحلة الطباعة والآلات الطابعة، كما قطعت مرحلة الآلة عدة أطوار، وفي كل طور يسعى المبدع  في نتاجه إلى البحث الدائم عن وسائل وأدوات غير مألوفة  تتناسب مع المرحلة وأفق التلقي، وحين يصل إلى عالم التكنولوجيا   تحدث قفزة نوعية في أدوات الإنتاج الإبداعي، فظهرت هوية مختلفة للخطاب الأدبي محمولا على متن الوسائل الالكترونية، فولد نصا جديدا فشاع مصطلح "النص الالكتروني".
وأضافت عائشة الحكمي أن النص  الأدبي أصبج يخضع لمسارين: النص التقليدي  والنص الالكتروني. وقد حاول باحثون رقميون اقتراح محددات لمصطلح الأدب الالكتروني، ومنها الآتي: 
عرفته كاترين هيلس (ناقد أميركية) في مقالة لها تحت عنوان "الأدب الإلكتروني ما هو؟" (نشرت إلكترونيا  2008)، تقول فيها: الأدب الإلكتروني "أحد أنواع الأدب الذي يتألف من أعمال أدبية تنشأ في بيئة رقمية أي عن طريق الحاسبات الشخصية والإنترنت"، وهو الأدب الذي يقرأه الحاسوب، بينما يذهب  عبدالله الفيفي إلى أن وظيفة الأدب الالكتروني مازالت في طور المحاولة. فهو نص يتحاور مع حاستي العين والأذن  مباشرة من خلال الوسائل الإلكترونية، إنها محاولة تستهدف تقديم النص الأدبي إلى جيل بدأ يهجر التعامل مع الورق، وفي هذا التوجه يرسل النص بطريقة جاذبة مدهشة غير مألوفة تستولي على حواس المتلقي نحو مجمل الخطاب التعبيري ومنذ انطلاق هذا التوجه قبل عقدين من الزمن أحدث ثورة  نوعية  في  الإرسال والاستقبال، ولهذا النص الرقمي التفاعلي استحدث  جمالية شعرية معاصرة تتوازى مع شعرية الكلمة، وهي لم تصل إلى الخطاب النقدي  الذي لا يزال يترقب ويبحث عن مدى تأثير الحالة الإلكترونية. 
وتقول الحكمي: مهما يكن -  كما يرى عبدالله الفيفي - الأدب الالكتروني تجربة مهمة "تمثل رافدا للحركة الأدبية  والمستقبلية" في العصر الرقمي الذي يقال إنه يهمش الأدب.  
وإذا كان الشعر هو الجنس الأقرب إلى الاستعانة بالتقنية الرقمية بحكم سمات  التكثيف والاختزال والتناص فإن مثل هذه الجماليات الخاصة بطبيعة  الشعر يمكن أن  تكون  للرواية الرقمية لما تتمتع به الرواية من طاقات ومرونة باتجاه استيعاب  التفرع والتداخل وتمكنها من اشتراطات فنية  لم تعهدها الرواية التقليدية إنها تحول  في الرواية إلى شريط سنيمائي.
وتستعرض الباحثة السعودية آراء نقاد آخرين من أمثال وصفي  عباس ونوال خماسي وفيليب بوطز وجان لوي بوازييه الذي يجعل التفاعلية تشمل خاصية مختلف مكونات العمل المتمثلة في تحركها وتواصلها فيما بينها.  
إن الأدب الأوروبي قدم تجربة الرواية التفاعلية المفتوحة التي يشارك القراء في كتابة   جوانب منها كما هو شأن رواية ميشيل جويس "قصة ما بعد الظهيرة"، أما في السرد العربي فلا يزال المبدع يحاول الدخول في تجربة السرد التفاعلي.
غير أن التفاعل يجب أن يتم بطريقة غير مباشرة، فيتفاعل القارئ مع العمل دون أن يشعر أنه يفعل ذلك مجبرا، أو نتيجة فرض ما ألقي عليه، فالقراءة  يجب أن تكون لذة وليست واجبا، ذلك لأن القارئ لن يكون قارئا في اللحظات التي يكون فيها مرغما على القراءة، لكن في اللحظات التي تكون فيها القراءة رغبة فالقراءة هي التي تحب النص وتقيم معه علاقة رغبة وتداخل، فأن تقر أ معناه أن تشتهي الأثر وأن تريد أن تكون أنت الأثر. 
ولكثرة المصطلحات الواردة بخصوص الرواية التفاعلية ترى الباحثة الأردنية أنها بحاجة إلى غربلة هذه المصطلحات والحد من اتساعها ومعالجة الإشكالات الاصطلاحية الترجمية التي يثيرها قبل الشروع في المطارحات. إذ من الملاحظ  في هذه المصطلحات التقارب في المقاصد أي أن الناقد يأتي بمفردة أخرى لذات المقصد.

وتقول: لاحظ الباحثون ازدياد تعدد مسميات الأدب التفاعلي واختلاف مفاهيمها  بصورة لافتة مثله مثل تعدد المصطلحات السردية واعتبروا هذه الحال إشكالية، فأخذوا في البحث عن أسبابها فبعضهم يرى أن تعدد المسميات واختلاف المفاهيم حولها مصدره غياب المصطلح الموحد في الدراسات النقدية العربية، ويكاد يجمع  الدارسون على أن الترجمة  والمثاقفة هي العامل الأهم  في الفوضى الاصطلاحية. وأصبح الأمر يحتاج تدقيق في المصطلحات، وذلك ضروري وصعب في ذات الوقت، فإذا نجح الباحثون في ضبط  المفاهيم وتوضحيها سيكشفون غموضها.
الرواية التفاعلية 
وترى عائشة الحكمي أن الرواية تبقى ابنة الحداثة باقتدار، لذلك تتقبل التجريب بكل صوره في المحتوى والتقنيات، وبصفتها الجنس السردي الأشهر والأقرب إلى تفاصيل الحياة مغرية للمرسل والمستقبل، ومهما جرى حولها من تحولات قادرة على المتابعة والتكيف مع كل جديد، ففي العصر الحديث دخلت الرواية ما عرف بمرحلة التجريب  ونجحت في اختراع وابتكارات على مستوى الثيمات والتقنيات فاستوعبت تحولات  الحضارات وتحولات الإنسان والمجتمعات ومستجدات التكنولوجيا باندهاش وإعجاب  من المهتمين بها. ويجمع الباحثون على أن الرواية شديدة الاتصال بعصرها ومجتمعها وقضاياه، مرنة تقترب وتبتعد وفق الخطوط المتاحة أمامها، تتكيف مع  كل الأحوال وتفيد من كل التجارب. ووفقا لهذه المرونة التي تتمتع بها الرواية اتجه الباحثون في مرحلة مبكرة قبل ظهور الرواية التفاعلية إلى التأكيد على قدرة الرواية  قبولها كل  المستجدات. فالشكل الروائي كما يقول الناقد موريس بلانشو ربما لا يعيش إلا على تغيراته وانحرافاته.
وتختم الباحثة السعودية عائشة الحكمي بحثها بأن كل مقترح نقدي يحمل رؤية ينطلق منها لضبط حدود المصطلح الأدبي، والرواية التفاعلية على وجه التحديد، وجهود الباحثين الرقميين خطوة مهمة في ضبط هوية جنس جديد فكما نلاحظ أن لكل ناقد رؤيته التي تختلف عن الآخر، فمنه من رأى الخصوصية تكون في الدعامة الرقمية، ومنهم من رآها في الرابط، ومنه من رآها في القارئ والتفاعل، وهذا الاختلاف في الحقيقة يعبر عن الوعي النقدي بالظاهرة الأدبية أكثر ما يعبر عن اللبس في تلقي الظاهرة. إن عملية ضبط مصطلح "الرواية التفاعلية" للممارسة الإبداعية الأدبية الرقمية تتداخل مع نشاط العملية النقدية ومع إنتاج النص التفاعلي.
وفي نهابة بحثها تقدم الحكمي مجموعة النتائج والتوصيات، منها: 
  ــ سهولة استلهام فكرة الرواية التفاعلية، فالأديب يستطيع طرح أي موضوع من بنات أفكاره بصورة بسيطة وعفوية فتجد قارئا متفاعلا.
ـــ   ولدت الرواية التفاعلية في رحم برامج التقنية. 
  ـــ  تقصير الأدباء والروائيين والباحثين عن استثمار معطيات التقنية.
 ـــ خطورة دور المتلقي في العملية الإنتاجية للأدب التفاعلي والحرص على رضاه.
 ـــ  لجوء الروائيين الرقميين إلى الوسائط التواصلية لادراكهم أنها الأسرع والأقدر على الوصول إلى المتلقي.  
 ـــ  إدراك المبدعين أن تقديم الأدب التفاعلي إلى المتلقي لا بد أن يحقق المتعة  وبعض الفائدة. 
ـــ  التأثير الإيجابي للأدب التفاعلي على الأدب التقليدي وعدم وجود قطيعة بينهما.  
ـــ  لا بد من مسايرة مستجدات التكنولوجيا خاصة التطبيقات الذكية وملاحقة المتلقي. 
  ـــ  تبرئة  المتلقي من قضية العزوف عن القراءة.
  ــــ  اهتمام النقاد والمنظرين المتزايد بالأدب التفاعلي أكثر من المنتجين. 
وهي توصي بالآتي:
ـــ لا بد من زيادة الوعي لدى الأدباء والباحثين  إلى الأدب التفاعلي.  
ــ  ضرورة الاحتفاء بالأدب التفاعلي عند الأدباء الشباب. 
ــ  ضرورة طرح الأدب التفاعلي في المقررات الجامعية.
ـــ  توجيه طلاب الدراسات العليا نحو الاشتغال على الأجناس الرقمية. 
مؤكدة في النهاية أن النسخة المبدئية لدراستها مازالت على طاولة البحث.