عاصفة الوحشة تجتاح "كازانوفا المصري" 

عنوان مجموعة أحمد الباسوسي يشير لنموذج الشخصية الهاربة من إغترابها بإدمان الشهوة، يحتسي المالح فلا يرتوي أبداً.


للإهداء أهميته الخاصة حيث شكل مفتاحاً مهمًا للتعاطي مع القصص


مفردات تحمل الدال المعنوي، وتمنح فكرة التماثل السردي بين المادي والنفسي

تظل دائماً النواحي الشكلية مدخلاً مهمًا للمقاربة النقدية خاصة إذا تداخلت في نسيج البنية الموضوعية للكتاب الإبداعي، وأول ما نلتقي به لوحة الغلاف الملونة للمجموعة القصصية "كازانوفا المصري" للقاص د. أحمد الباسوسي لامرأة ترتدي ثوباً واسعاً مصبوغاً بلون أحمر، وشعرها المتطاير يمثل عاصفة تجتاجها، ويقبع في خلفية الصورة سمكة ضخمة تشير لعالم يأكل فيه الكبير الصغير.
ويظل للإهداء أهميته الخاصة حيث شكل مفتاحاً مهمًا للتعاطي مع القصص، حيث شكل مفارقة بين (الصحبة الرائعة / ألم الوحدة القاسي)، فرفيقة القاص تصحبه دائماً حتي لو فارقته وأوجعه الفراق، ويشدني هذا بشكل مباشر للحديث عن ثيمة المجموعة الرئيسية وهي الوحشة المفضية للموت المعنوي، وذلك بإدماج الخاص والعام، والذاتي والمجتمعي، فالقصص علي المستويين تمثل تشريحاً فنياً للعصف النفسي للإنسان العصري، متجسداً في مرض "الإغتراب"، فالأمي غريب في وطنه، والفقير المطحون غريب في وطنه.
أما العنوان فيحمل عنوان القصة الأخيرة من المجموعة، والتي تشير لنموذج الشخصية الهاربة من إغترابها بإدمان الشهوة، يحتسي المالح فلا يرتوي أبداً: "يحتمي بعلاقاته النسائية من شراسة الوحدة الداخلية التي تقتله كل ساعة"، لكن القاص يضفي صفة المحلية علي النموذج العالمي لـ "كازانوفا"، فنجد النسخة المصرية المثقلة بمتاعبها وبيئتها المحطمة.
العوز الروحي والكآبة النفسية مفردات عاصفة "الوحشة":

القصة الواحدة تتيح للقارئ إعداد دراسة كاملة عنها، وما فعلناه رشف يسير من رحيق القصة المبهجة فنًا وقيمة نفسية لدي طبيب النفوس القاص محب القصة القصيرة

وإذا كانت القصة المعنونة بها المجموعة كانت في الخاتمة، فإن قصة البداية "يوم بارد" تمنح القارئ أيضاً آفاق معني المجموعة الكلي طبقاً لهذه القراءة، فالتصحر العاطفي والإنسحاق بالوحدة والخوف والعوز الروحي مجسداً في برودة الأحاسيس، تمثل طقس القصة، بعنوانها الموفق شاحنة لهذا الدرب (برودة / خلاء الشارع / الطيور متثاقلة ومختبئة / ... إلخ)، جميعها ترسم الجو النفسي للقصة، وتحفز نحو إنتاج أثرها الدلالي في إتجاه وصف إنعدام الوزن النفسي وكآبة المنقلب، طبقًا لمفردات القاموس القصصي اللغوي.
ومثال آخر، في قصة "الشيخ رمضان يعدو": "وكان شتاء مارس باردا للغاية .. لا تقاومه كوفية قديمة متهرئة تغطي معظم وجه الشيخ .. أو جلباب صوف تآكلت أنسجته وبدا غير نظيف .. وكان الشيخ قد اعتاد الولوج عبر هذا الأخدود يوميا للصلاة منذ نصف قرن .. غير عابئ بما تحمله أعواد الذرة التي يراقصها هواء مارس البارد .. بزخاته التي تلفح سمرة وجه ..". 
إن هذه المفردات (باردًا للغاية / هواء مارس البارد / تآكلت أنسجة / كوفية قديمة مهترئة / ...) تحمل الدال المعنوي، وتمنح فكرة التماثل السردي بين المادي والنفسي، وتمنح عمقًا للقصة المنسوجة بوعي اجتماعي.
ويتميز إبداع القاص بشبكة علاقات بالغة القوة بين مفردات القصص، فثيمة "العصف النفسي" نجدها مضمرة بتنويعات متعددة تشربت بها القصص، فلا تكاد تخلو قصة في المجموعة منها، كالتيار الهوائي القادم من أقصي مناطق الغرب.
قصة الطبقة المسحوقة:
إذا كانت القصص تنتمي في عالمها الفني لعالم التحديث، بمؤشرات كثيفة دالة منها: النص السردي القصير، والتجريب المفيد، والصور اللونية الكثيفة، لكنها في بنائها الموضوعي تنتمي لفكرة فرانك أوكونور في كتابه "الصوت المنفرد"، حيث القصة القصيرة هي أدب التعبير عن الطبقات المسحوقة، ففي قصة "مصطفي يا مصطفي" بطل القصة جندي بسيط من ملح الأرض، أبطال الحرب الحقيقيين الذين يضحون بأرواحهم في كفاح "عدو الوطن" اللئيم، إنه الشخص العادي بطلاً للقصة، فالاسم في العنوان يثير ذكري اللحن (مصطفي ... يا مصطفي ..) والمضمر (أنا بحبك يا مصطفي)، أي الإنحياز للبسطاء في عاديتهم، لأنهم الأبطال الذين تثمر عنهم لحظة الضغط باسمي آيات الفداء، سواء في معارك حربية أو في معركة الحياة "سفيان الثوري: عليكم بعمل الأبطال، الكسب من الحلال والإنفاق علي العيال".
شعب فيضي ... وأوهام يابسة!

وفي تعرض القاص البارع لقصة "الطبقة المسحوقة" ومواصفاتها النفسية والاجتماعية، وتأطير عاصفة وحشتها في متن السرد القصير، يرصد عطر اللين والصلة بالأرض والنهر في طبيعة شعبنا المصري الطيب، فرغم قسوة ظروفه، فداخله مورق ومشمس رغم العاصفة الباردة التي تجتاحه لا تتوقف، ففي قصة "الشيخ رمضان يعدو": ("... لم يعتد أحد من أهل القرية الصغيرة أن يشفق عليه ... وهو يدفع بيديه المتيبستين عربة الخضار في السوق .. فالجميع هنا يدور بحثا عن قروش قليلة لا تكاد تبين في راحة يد متيبسة متشققة .."، نجد مبادئ صحة نفسية وسلامًا داخليًا يشمل رحاب الشخصية النبيلة الصبورة الدينة: "ومع ذلك لم يتفوه بالسؤال أو طلب حاجة .. بل على العكس .. رأى الناس في بشاشته .. ومرحه .. وإصراره على دعوات الشاي عنده علامة على يسر الحال ..)، ويستعمل القاص تقنية التكرار – كشأنه في أسلوبه القصصي القائم علي الإشباع للمعني- ".. كان بساما دائما .. وهو يتابع فقاعات الشاي المغلي تبتهج فوق السبرتاية .. مع رفاقه في ليالي الشتاء ..". 
إنها بهجته اليسيرة كشأن المصريين، يقول الراوي في القصة: "حتى إن ضربات قلبه التي كانت تصرخ عليه بين الحين والآخر .. لم تعد قادرة على زعزعة ذلك الجسد الناحل المتيبس .. الذي أضفت علية مرارة السنين الطويلة رونقا ذهبيا مذهلا من القوة والصلابة والتحدي والحلاوة أيضا .. واليوم غادر الشيخ عامه الثامن بعد السبعين .. وهو يولج داخل الأخدود في اتجاه المسجد .. موفورا بالحركة والنشاط .. وعلى الرغم من الوهن الذي ضرب عينه اليمنى .. وثلثي عينه اليسرى .. تمضي قدماه بخطوات متسعة وجلة تخترق العتمة .."، وهذه العبارة اللامعة "خطوات متسعة وجلة تخترق العتمة" تكشف المجال النفسي والإيجابي للشخصية المصرية النبيلة كالنهر تتدفق بالرضا والسكينة والعطاء. 
ورغم هذا التكثيف الدلالي لمورثات قيمية (رمضان / الخطوات إلى الصلاة / اليد المعطاءة بالقروش والحلوى للأحفاد، والتي لا تبين فيها النقود الشحيحية وتختفي بين تشققات اليد الخشنة / ...)، نجد عاصفة الأوهام تردي المصري "الشيخ" قتيلًا في حقل الذرة، حيث الخرافات ووهم الجنيات والعفاريت يجتاح الشيخ في مفارقة خاتمة القصة، بما يقول إن الجهل أحد أضلاع ثالوث الشر (المرض / الجهل / الفقر) يجني على الحياة رغم غزارة المورد البشري لوطننا العزيز. 
ويبقي القاص الباسوسي أيقونة في مجال القصة القصيرة، بحيث يمكن لك أن تعيد الإنتاج المتعدد بالمقاربة النقدية، بحيت تتيح القصة الواحدة  للقارئ إعداد دراسة كاملة عنها، وما فعلناه رشف يسير من رحيق القصة المبهجة فنًا وقيمة نفسية لدي طبيب النفوس القاص محب القصة القصيرة.