'عشرة أيام في عين قسيس الإنجيلي' للسعودية رجاء البوعلي في ثلاث روىً نقدية

المجموعة القصصية موضوعا لجلسة نقدية بالقاهرة بحضور صاحبتها ومشاركة ثلاثة كتاب ونقاد المصريين قدموا ثلاث دراسات تناولت قصص

كانت المجموعة القصصية "عشرة أيام في عين قسيس الإنجيلي"، للكاتبة السعودية رجاء البوعلي، موضوع جلسة نقدية انقعدت في العاصمة المصرية  بحضور صاحبة المجموعة، ومشاركة ثلاثة من الكتاب والنقاد المصريين، الذين قدموا ثلاث دراسات تناولت قصص المجموعة عبر رؤى نقدية مختلفة.

الجلسة التي شهدت الكثير من المداخلات من قبل الحضور من المصريين والسعوديين، أقيمت بصالون غادة صلاح الدين الثقافي، في القاهرة، وتزامنت مع انقعاد فعاليات الدورة الـ 56 من معرض القاهرة الدولي للكتاب.

جدليات هامة

وفي دراسة نقدية حملت عنوان "الجدليات الهامة في قصص رجاء البوعلي"، قال الناقد مجدي نصار: وفق جدلية عامة بين الفنين السردي والتشكيلي تتحاور المجموعة القصصية "عشرة أيام في عين قسيس الإنجيلي" مع القاريء؛ إذ استعانت الكاتبة رجاء البوعلي – في قصصها الخمس عشر – بلوحات تعبر إلى حد كبير عن فلسفة القصص ومضمونها، وهي قصص تنتمي لعدد من الفنانين المجيدين، علاوة على اندراجها في مدارس تشكيلية مختلفة كالتعبيرية والتكعيبية والسوريالية. بالتوازي مع هذه الجدلية العامة التي تدفع القارىء إلى تأمل القصة واللوحة بالتوازي تارة أو بالتناسج بين المؤثِّر والمتأثر تارة أخرى، تتحرك القصص وفق جدليات خاصة منها على مستوى المضمون جدلية الأنا والآخر وجدلية الذاتي والعام، ومنها على المستوى الشكلاني الفني جدلية الواقعي والأدبي وجدلية السردي والشعري وجدلية السردي والتحليلي وأخيرا جدلية السردي والحواري.

واضاف نصار بأن سردية الأنا تتبدى في مقابل الآخر في عدة قصص، كما تتجسد الأنا بصفتيها الذاتية والجمعية، فقصة "عاملتي الإفريقية" تمثل محاولة للبحث عن المعنى الإنساني للوجود، بالخوض في فضاء بيني ثالث يصنع هجنة خاصة تتموضع بين الثقافتين العربية والإفريقية، وتنهيها البوعلي نهاية تتأرجح بين القلبي المتعاطف مع الخادمة والذهني الرافض لخمولها، صانعة بهذه النهاية مفارقة خاصة.

فنيا، تتحرك ولفت إلى أن قصص المجموعة تتحرك فنيا وفق منظومة سردية يتدفق فيها السرد ويتألق فيها الوصف مستعينا بالشعر، غير أن الحوار  يأتي في مواضع ليست قليلة معادلا للسرد في رصانته.

أنثى مسكوت عنها

وفي دراسته التي حملت عنوان "أنثى مسكوت عنها"، قال الدكتور أحمد صلاح هاشم، إن الناظر لـعنوان النص "عشرة أيام في عين قسيس الإنجيلي"، لا شك، يشعر بأنه أمام لغزٍ مفتوح على كل مضمون، وأن المفارقة الدينية مقصودة لذاتها، ثم لا يلبث أن تزداد حيرته حينما يتخيل أن الكتاب هو رواية أو سيرة ذاتية للكاتبة، لكنه يجده في مكان بين المجموعة القصصية والمتتالية الحكائية، لا سيما والكاتبة قد أخفت نوع المصنَّف تقصُّدًا منها لأن يكون العمل عابرًا للأجناس الأدبية، يشبه نفسه فحسب.

ونوّه إلى أن الكاتبة تمتلك لغةً غنيةً تتنقل بين الشعر والنثر بسلاسة، مما يجعل نصوصها أشبه بلوحات فنية متكاملة مليئة بالألوان والروائح والحركات؛ ففي قصة "جاثوم الحب"، نجد وصفًا بديعًا للحزن: "هكذا وَجَدْنا أنفسَنا ننام بعد بكاء طويل، كبكاء الأطفال المتشبثين بأذيال ثوب والدهم وهو يهم بالخروج من البيت، ولا يستدير لبكائهم، لأن خروجه أعقَلُ من عاطفتهم الأنانية". (ص97). هذا الوصف يعكس قدرة الكاتبة على تحويل المشاعر إلى كلمات والكلمات إلى ريشة وألوان. إنها على عمد تصنع لوحةً فنية نراها بعين العقل!

وبيّن بأن الكاتبة تمزج كذلك بين الفنون المختلفة، حيث تسبق كل قصة لوحة فنية، فيها من مضمون اللوحة، وليس حَرْفيَّتها، إذ تحتاج اللوحات إلى تأمل لبيان الغوامض، وفنان تشكيلي يستطيع حلحلة الرمز، وفك الشيفرة، مما يضفي على المجموعة طابعًا بصريًّا أيقونيًّا مميزًا. هذا المزج بين الشعر والنثر وفن الريشة يجعل النص أشبه بسيمفونية أدبية، تتناغم فيها الأصوات والألوان.

ورأى بأن الكاتبة تكتب قصيدة النثر، وتسلكها داخل نصوص المجموعة/ المتوالية/ الكتاب!! بما يمثل كسرًا (للتابوه الشائع) في الأدب المشرقي الذي لا يزال يناصر القصيدة التقليدية ويسمح بقصيدة التفعيلة، وعلى الرغم من وجود شعراء نثر على مستوى عالٍ، فما زال منقسمًا أشدَّ الانقسام حول حدوده الشكلية، والتسمية، وهل وُلد كاملًا أم مبتورًا!

وأضاف بأن قصائدها شاعرية موحية، مما يعني تبحُّرها في فنون القول، وأنها لم تهرب إلى السرد عن ضعف شعري، فيما يشبه تدنية إجبارية للنثر على حساب الشعر. إنها بذلك تعيد للنثر موضعته إلى جوار الشعر، وتصرح فيما يشبه الميثاق الاجتماعي المتفق عليه بأن النثر قد يكون أصلح من الشعر أحيانًا للتعبير عن المواقف الإنسانية! وأنه مع ذلك فإن لغتها النثرية تتلاحم مع الشعر حتى في وصف المواضع والأماكن وطبائع البشر، ويكفي قراءة مقدمة قصة "جاثوم الحب' ليتأكد المطلع من قدرة الكاتبة على الوصف، وبراعة الاستهلال والحكي.

التأمل اليقظ

وفي دراستها التي حملت عنوان "التأمل اليقظ"، توقفت الكاتبة  صفاء عبد المنعم، عند أهمية إدراك قيمة التأمل اليقظ في العمل عند الدخول إلى عالم النص، مؤكدة أنه لابد أن يكون القارئ متيقظا لكل كلمة وإشارة ودلالة لتدخلنا إلى أعماق النص، وتكشف تجلياته وجماليته، سواء الظاهرة بدلالة واضحة أو الخفية من خلال الإشارات، وهنا يكون القارئ مشاركًا وليس قارئًا هامشيًا “ المتلقي السلبي” ، فالنص يفضي بأسراره للقارئ الموسوعي الباحث عن مواطن الجمال، وليس عن الحكاية فقط، اعتبارًا بالعمق النفسي داخل النص، والبعد الزمني والمكاني، الحدث الذي تشكلت منه الشرارة لبناء النص، الواقع الاجتماعي والثقافي والبيئي، الصدام الدرامي أو المأساة، الصراع بين الموروث الراسخ والوافد الذي جاء مع الحضارة والتقدم. وكملمحٍ آخر مهم تأتي المجموعة القصصية بمحاولة التماس من نص (ألف ليلة وليلة) في طريقة البناء (سرد وشعر).

وعن القصة المعنونة على الغلاف، قالت الكاتبة صفاء عبدالمنعم، إن  الراوية تظهر كـكولمبس الذي دار حول الأرض فاكتشف منطقة جديدة، فقد أكتشفت منطقة جديدة في الوعي الإنساني، كانت مجهولة لولا صفعة السفر بمفردها والتعرف على الجانب الآخر.

يُذكر أن رجاء البوعلي، كاتبة سعودية، لها مقالات في زوايا الرأي في صحف ومجلات سعودية عدة، كما نُشر لها قصائد شعرية منشورة في الكثير من الصحف العربية، بجانب عشرات المشاركات في فعاليات أدبية وثقافية داخل وخارج المملكة، وقد صدر لها المجموعة القصصية "عشرة أيام في عين قسيس الإنجيلي"، ورواية "أيقظني الديك".