عندما تتحدى الدراما المغربية ثوابت المجتمع

الكتابة السيناريستية للأعمال التلفزيونية تأخد مسارا يخدم توجهات شعارها حقوقي ومضمونها تخريبي يستهدف مبادئ الشباب.

الرباط - تُعد الدراما التلفزيونية أداة ثقافية ذات تأثير غير مباشر في تشكيل الوعي الجمعي وإعادة إنتاج القيم الاجتماعية المغربية، خاصة عندما تتجذر الهوية في نسيج ديني وثقافي تقليدي. غير أن بعض الأعمال الدرامية الحديثة تثير جدلاً واسعًا بسبب توجهاتها التي يُنظر إليها على أنها تمس الأخلاق والقيم المجتمعية. يتجلى هذا الجدل في تقديم صورة مُقلَّصة لهيمنة الرجل، وتقويض دور الوالدين، والترويج للإنجاب خارج الزواج، وإبراز المرأة الحامل دون زواج بصورة إيجابية، إلى جانب إثارة الفتن بين الأبناء والآباء، والترويج لمدونة الأسرة والجمعيات الحقوقية، وتهميش دور الأجداد والتربية الدينية، فضلًا عن التركيز المفرط على كرة القدم مقابل تقليص الاهتمام بالتعليم. هذا الواقع يستدعي تحليلاً نقديًا يستند إلى نظريات اجتماعية لفهم خلفياته وتأثيراته المحتملة.

يمكن تفسير تحجيم دور الرجل في الدراما المغربية كجزء من محاولة لإعادة تعريف الأدوار الاجتماعية في سياق حداثي، حيث يُصوَّر الرجل أحيانًا كشخصية ضعيفة أو هزلية، وهو ما يتناقض مع الصورة التقليدية له كمعيل الأسرة. وهنا يُطرح تساؤل: هل هذا التوجه يعكس تمكين المرأة أم يسعى إلى تقويض البنية الأبوية التي كانت تشكل دعامة للأسرة المغربية؟ يرى النقاد التقليديون أن هذا الطرح يُضعف مكانة الرجل الاجتماعية ويؤدي إلى اختلال التوازن الأسري، في حين يعتبره دعاة الحداثة تعبيرًا عن واقع متغير يستدعي التكيف مع قيم المساواة.

وتقدم بعض الأعمال الدرامية صورة الوالدين كأفراد فاقدي القدرة على السيطرة على أبنائهم، بينما يُصوَّر التمرد على السلطة الأسرية كقيمة إيجابية. وفقًا لنظرية التفكك الاجتماعي لإميل دوركايم، فإن انهيار السلطة التقليدية داخل الأسرة يؤدي إلى تفكك الروابط المجتمعية، الأمر الذي يجعل تمجيد العصيان العائلي تهديدًا للهوية الجماعية في المجتمع المغربي، حيث يُعتبر احترام الوالدين حجر الأساس في القيم الدينية والأخلاقية.

وتروج بعض الأعمال لفكرة الإنجاب خارج الزواج، معتبرة إياها إعادة تعريف للأمومة بعيدًا عن الإطار التقليدي، وهو طرح يستند إلى منظور ما بعد الحداثة الذي يرفض المطلقات الأخلاقية ويدعو إلى تعددية القيم. لكن في مجتمع مغربي يقدس الزواج كإطار شرعي للأسرة، يُنظر إلى هذا التوجه كتقويض مباشر للقيم الدينية والاجتماعية. ويرى النقاد أن تصوير هذه الظاهرة بشكل طبيعي قد يساهم في تطبيع سلوكيات تتعارض مع الإجماع الأخلاقي، بينما يراها آخرون مجرد انعكاس لتحولات اجتماعية قائمة.

وتعكس النزاعات بين الأجيال في بعض الأعمال صدامًا بين القيم التقليدية والحديثة، ما يتماشى مع نظرية الصراع الثقافي لثورستن سيلين، التي ترى أن التوترات تنشأ عندما تتقاطع القيم المتوارثة مع المفاهيم المستحدثة. كما أن تغييب دور الجد والجدة، اللذين كانا يمثلان مصدر حكمة واستقرار في الأسرة المغربية، يُفسَّر على أنه محاولة لاستبدال السلطة التقليدية بمنظومة علمانية.

ويروج الإعلام لثقافة كرة القدم بشكل مُفرط على حساب التعليم، الأمر الذي يتماشى مع نظرية الثقافة الشعبوية، حيث تُعزز وسائل الإعلام المحتوى الترفيهي على حساب القيم البناءة. في ظل التحديات التي يواجهها التعليم في المغرب، فإن تصوير الرياضة كحلم يستحق التضحية يُضعف قيمة العلم كأداة للتقدم، ويثير مخاوف من تأثير هذا التركيز على الأجيال الصاعدة التي قد تفضّل الشهرة السريعة على العمل والاجتهاد.

في المحصلة، تتأرجح الدراما المغربية بين التجديد وخطر تقويض القيم الأساسية. فمن جهة، يمكن اعتبارها مساحة لحرية التعبير تعكس تحولات مجتمعية، ومن جهة أخرى، فإن تجاهلها للإطار الثقافي والديني قد يساهم في تفكيك النسيج الاجتماعي. يبقى السؤال المطروح: كيف يمكن للدراما أن توازن بين الحداثة والحفاظ على الهوية؟ إذا لم يُعالج هذا التحدي بحذر، فقد تتحول الدراما من أداة للتنوير إلى وسيلة لإشاعة الانقسام والتفكك.

أصبح من الضروري أن يعي المجتمع المغربي المخاطر التي قد تنجم عن بعض الرسائل الإعلامية التي تروج للتمرد الأسري والتغيير القيمي. فحين تقدم بعض الأعمال صورة مشوهة للعلاقة بين الآباء والأبناء أو تُقلّل من قيمة الأسرة الممتدة، فإن ذلك قد يخلق توجهًا ثقافيًا يزعزع الثوابت المجتمعية. ولذلك، يُعَدّ الوعي بهذه التأثيرات والقدرة على التمييز بين النقد الفني والتأثيرات السلبية خطوة جوهرية للحفاظ على التماسك الاجتماعي.