فرويد وتعرية الوعي

اهتمام فرويد بالمسألة الجنسية لم يكن بإرادته بقدر ما أنَّ الموضوع قد فرض نفسه أمام عالم النفس أثناء أبحاثه.


فرويد سحب البساط من تحت الوعي والعقل ونحت مصطلحا جديداً هو "العقل الباطن"


فرويد قام بتعرية الوعي واختراق المنطقة التي توارت وراء مفهوم العقل

إذا أردت تخيل شخصية فرويد بناءً على ما أنجزهُ في مجال التحليل النفسي وحفره في طبقات سحيقة لأعماق الإنسان وتفكيكه للرغبات التي تعومُ في الأحلام ستراهُ في صورة عالم الآثار الذي شمرَ ساعدهُ لإزالة الطبقات الظاهرة على سطح الأرض متوغلا إلى ما يشهدُ على وجودِ حضارات غابرة وامتداداتها في المراحل التاريخية اللاحقة.
كذلك ما فعلهُ فرويدُ في دراسته لظواهر نفسية لدى الفرد، فهو قام بتعرية الوعي واختراق المنطقة التي توارت وراء مفهوم العقل. إذ ساد الاعتقاد قبل صاحب "مستقبل الوهم" أنَّ أنشطة الإنسان بأكملها هي نتاج الطاقات الواعية والأفكار الواضحة، فيما أعلن فرويد أن الأنشطة النفسية يديرها اللاوعي. صحيح كما يقولُ ستيفان زفايغ أنَّ علم النفس ما قبل الفرويدي قد أدرك أن العقلية الواعية لا تحيط تمام الإحاطة بأبعادنا النفسية، لكن لم يتمكن من استغلال هذه المعرفة وتسمية هذا المجهول. ومن المعلوم أنَّ إطلاق الأسماء على الأشياء تعبر عن مرحلة متطورة في التفكير. 
وهذا ما تفوق فيه فرويد، وبالتالي سحب البساط من تحت الوعي والعقل ونحت مصطلحا جديداً "العقل الباطن". طبعاً أنَّ فتوحات فرويد على هذا الصعيد توازي أكبر الاكتشافات على مر التاريخ  برأي كثير من الدارسين، وكان له وقع صدمة في وقتها تماماً مثل صدمة الوسط الإكليروسي بإعلان كوبرنيكوس بأن الأرض ليست مركز الكون. 

فرويد كان رب الأسرة من ستة أطفال ومع ذلك حقق مكاسب علمية مهمة لدرجة لا مبالغة في القول إن هناك إنسانا جديداً يظهرُ بفضل اكتشافات فرويد

إذن حقق فرويد تحولاً في تفكير عصر كامل على حد تعبير مؤلف "الليلة العجيبة" ولم يعد النظر إلى الأمراض النفسية قيد الآليات والتقنيات التقليدية إذ تقمص فرويد دور مروضي الطريدة، ولم يعتمدْ على ما يقوله المريض لتشخيص الحالات فحسب بل ينفذُ ببصيرته إلى ما يسكتُ عنه، وهذا يعني إلى جانب صرامة رجل العلم كان فرويد فناناً في استنطاق زبائنه المرضى.
الطب الرومانطيقي
كسر الكاتب والروائي النمساوي ستيفان زفايغ القوالب التقليدية في فن السيرة الغيرية، ولا يغطي في أعماله السيرية حياة الشخصيات النابغة والعوامل الفاعلة على تكوينهم الفكرى وتطلعاتهم الإبداعية فحسب بل يضعك أمام تفاصيل البيئة الاجتماعية والفكرية التي ترخي بظلالها على طبيعة العصر والقيم السائدة في الأوساط الاجتماعية والثقافية، هذا ناهيك عن رصده للدوافع المحركة في عملية التحول الفكري والعقائدي، وهذا ما تراه بوضوح فيما نشره عن المصلح الألماني "مارتن لوثر" كذلك بالنسبة لكتابه السيري عن "إيرازموس" الذي كان شاهدا لبوادر المساعي الرامية لإجراء الإصلاحات في المنظومة الدينية.
وعلى هذا المنوال يسردُ زفايغ حياة العالم النمساوي سيغموند فرويد في كتابه المعنون بـ "سيمغوند فرويد العلاج بالروح" في المقدمة يتناولُ المؤلفُ توسلات الإنسان بالحلول الماورائية لمعالجة المرض مشيراً إلى أنَّ الصحة هي حال الإنسان العادية وبالتالي لا تحتاج إلى الفهم فيما العذاب الناجم من الأمراض يحدو به نحو السؤال عن السبب ما يعانيه هل هو عقاب لخطيئة اقترفها؟ طبعاً تنشأُ نتيجة خيبات متتالية طبقةُ توسمَ منها الإنسان البدائي التوسط بينه وبين القوة الفاعلة في الكون وبذلك تسود ثقافة الكهنة إذن في المراحل البشرية الأولى لم يكن الطبُ منفصلاً عن اللاهوت.
وكانت المحاولات الطبية تهدفُ إلى إرضاء القوى المجهولة بدلاً من البحث عن أسباب المرض ومحاربته قبل أن يفتكَ بالمريض. ولكن هذه الحالة تتبدلُ مع تطور العلوم والنهوض المعرفي والانطلاق إلى مدار العقلانية إذ ينفصل الطب عن الدين ويصبحُ مجالاً مستقلاً عن العبادات والشعائر الدينية، ويشهدُ القرن التاسع عشر طفرة في مجال عندما يتخذُ العلاج مسلكاً مادياً وآلياً مع ظهور المجهر وآلة رسم القلب. وهذا يعني غياب الجانب الذاتي في النظام الطبي غير أنَّ كل ذلك لا يمنعُ نشوء ما يسمى بالطب الرومانطيقي، فإنَّ الطبيعة وفق أتباع هذا التيار هي أكثر دراية وحكمة في معالجة الإنسان على المستوى الجواني.
يبدو أنَّ ذلك كان انزياحاً عن ممارسة الطب العملية. وتحول الإنسان إلى مجرد موضوع في المختبر، ما ينقصُ هذا التطور في مجال تشخيص أعراض المرض الجسدي هو عدم الاهتمام بالجانب النفسي في التكوين البشري، وما يلبثُ طويلاً حتي يعلن عددُ من الباحثين عن إمكانية تحقيق الشفاء بالاعتماد على الأساليب النفسية.
ويشيرُ زفايغ في هذا الإطار إلى فالانتان زيليس الذي أنشأ مدينة طبية كاملة وفرت ضروب الشفاء بالإيحاء والكهرباء، الأمر الذي أكد أن تركيبة شخصية الإنسان لا يمكن استنكاه سرائرها ومعرفة أمراضها من خلال معاينة آلية، فحسب إنما ثمة عقد يتم تفكيكها بما يكشفهُ المريضُ عن حالته ويطلبُ المنهج النفسي من المريض أن يكون فاعلاً في عملية إستعادة عافيته الروحية.

المسكوت عنه
يضمُ سجلُ فرويد إكتشافات متعددة، وفي رصيده سلسلة من الإنجازات التي زادت من وعي الإنسان بنفسه، إذ لم يعد ما يراهُ المرءُ في المنام أضغاث أحلام أو عبثاً بل هو تعبير عن الرغبات التي لم تتم تلبيتها، لأنَّ "الأنا العليا" تريدُ حماية صورتها المعهودة. فاجأ الطبيب الشاب في أوائل القرن العشرين زملاءه في المهنة بالحديث عن اضطراب الغرائز وكبتها بعيدا عن لهجة الوعاظ، معلناً بالهدوء أن عدداً كبيراً من أنواع العُصاب ربما ناتجة من الكبت الجنسي. وما قاله فرويد لم يكن منافياً للحقيقة برأي جُلِّ الحضور، لكن الكلام نزع القناع عن هذا الموضوع كان صدمةً للعقليات التقليدية. 
يقارنُ زفايغُ علم النفس قبل فرويد والمسلك الذي يتخذه مع اكتشافات مؤلف "موسى والتوحيد" فكان علم النفس قيد إكراهات مفهوم سيطرة العقل على الغريزة، فيما أكد  فرويد بأن الغرائز لا تسمحُ بأن تكبتَ، ومن العبث القول بأن ما يكبتُ ينمحى ويختفي إلى الأبد. كل ما في الأمر أنَّ الغرائز تنصرف من الوعي إلى اللاوعي. ما تميزَ به فرويد هو صراحته، وكانت بالنسبة إليه الأولوية للمبدأ قبل التقاليد، لذا قد صرح بأنَّ كل تقنيات العلاج العصبي للظواهر النفسية المعتمدة سنة 1885 لا تجدي نفعاً ولا تشفي مريضاً، وهو شأنَ أي مكتشف عظيم قد حاربهُ الخصوم والتيارات المتزمتة. فبرأي فرويد أن الصراع القائم بين الوعي واللاوعي يعبرُ عن نفسه من خلال الزلات والأخطاء التي تبدو غير مقصودة. 
ضف إلى ذلك فإن الأحلامَ تمثلُ رموزاً لعالم اللاوعي، فبنظر الطبيب النمساوي أنَّ الحلم شأن كل اللغات البدائية لا تعبر إلا من خلال صور تحتاج إلى التفكيك. يوافق زفايغ ما قدمه فرويد عن الأحلام قائلاً "من يدرك بأن إرادة لا تتجسم فحسب في حياته الوعية بل في أعماق أحلامه أيضا يتبين فعلا مراحل الحياة الزمنية المعيشة التي نسميها "شخصيتنا" تتراخي القيود في الحلم ويكون المرءُ نسخة من الإنسان البدائي المتخفف من إرغامات الحضارة. 
ما يجدرُ بالإشارة هنا أن اهتمام فرويد بالمسألة الجنسية لم يكن بإرادته بقدر ما أنَّ الموضوع قد فرض نفسه أمام عالم النفس أثناء أبحاثه. إذن أن اللبيدو هذه الرغبة الأصلية في اللذة تحرك الطاقات لاكتشاف العالم. 
وما يكون غريباً بالنسبة لأي متابع أن فرويد كان رب الأسرة من ستة أطفال ومع ذلك حقق مكاسب علمية مهمة لدرجة لا مبالغة في القول إن هناك إنسانا جديداً يظهرُ بفضل اكتشافات فرويد، لم يكن التكريم والترقية والمظاهر الخارجية ضمن اهتماماته، وهو قد تصرف وفق عبارة ستاندال "لتكون فيلسوفاً جيداً يجبُ أن تكون جافاً واضحاً خلوا من الأوهام". فعلا كان فرويد واضحاً صارماً ما يهمه هو الإبانة عن الطريقة التي تقود الإنسان إلى معرفة ذاته.