فن حياكة قماشة خيري شلبي

العراوي الفنان والكاتب الصحفي المخضرم يقدم أصناف السرد المختلفة كافة.


لمحات من طريقة الإبداع


السير الشعبية وعاء للرواية

بقلم: خالد جودة أحمد
مقدمة:
عاش الكاتب خيري شلبي حكاء المهمشين والزعر والحرافيش، حياة إبداعية خصبة، وقد قدم للمكتبة العربية (75) مصنفًا في كافة فنون القول، أحصيت منها (48) مصنفًا بلغت عدد صفحاتها (10788) صفحة، فهو شاعر، وناقد مسرحي، ومحقق تراثي، وباحث ومقالي ومزهر فن البورترية في الأدب العربي، حيث كتب -في أقوال - ألف بورترية، تم جمع بعضها في عدد (4) كتب. 
وهو مؤسس الفانتازيا الريفية، وهو "مركيز العرب" في علم الأوائل الأدبي المعاصر، وقدم أصناف السرد كافة من قصة قصيرة، ورواية طويلة تتخطي عدد صفحاتها الخمسمائة صفحة، وكتب الرواية القصيرة، وكتب المسلسل التليفزيوني، وهو صحافي، إضافة لنشاطه الإداري والثقافي في المطبوعات الثقافية المنوعة.
    هذا جميعه يضع لنا ضرورة تأمل تجربة الكاتب السخية، ونبحث وراء فلسفته وطريقته ورؤيته في تأسيس خارطة طريق الإبداع، يمكن الإهتداء بمعالمها لتحقيق المنجز الثقافي الخلاق لمريدي طرق الكتابة ووسائط التأثير في محيطهم ومجتمعاتهم بالكلمة البناءة والسبيل الجمالي والفكري.
قماشة "خيري شلبي":
ونستهل رصد لمحات من طريقة الإبداع لدى الكاتب بمقولته حول الأدب العظيم، يقول: "فلسفتي أن الكاتب لا ينجرف وراء حركة المجتمع وإلا يكون هو نفسه في خبر كان بعد قليل! إنما الكاتب هو القلعة الوحيدة التي تظل لآخر لحظة متشبثة بالبقاء، والإبقاء على القيم النبيلة في الحياة (..) في رأيي أن الأدب العظيم ليس هو أدب رصد التحولات، ليس هو الأدب الذي يراه العامة ويعجبون به، ليس هو الأدب الذي يقرأه النقاد ويعجبون به، إنما هو الذي يكشف للإنسان عن قواه الخفية ويبصره بإمكانياته لتغيير الواقع، ويشجعه ويعطيه الثقة في نفسه على تغيير الواقع)، فسبيل الكاتب رؤيتة للفنان بأنه الوجه التعبيري للواقع، وفي نفس الوقت يؤثر بأدبه في إعادة بنائه من جديد، فهو في علم اجتماع الأدب يعمد لتطوير (نظرية الانعكاس) في الأدب (الأدب مرآة للمجتمع = المجتمع في الأدب)، بحيث لا يكتفي بهذا الدور بل يكون محدثًا وسببًا في التغيير للأحسن (الأدب في المجتمع)".
يتحدث في حوار أجري معه حول الرواية عام 2006، ويقول: "الرواية فن شعبي طوال تاريخها، وفي مصر هي ابنة شرعية للسيرة الذاتية التي دربتنا علي الإنصات ومتابعة الحكاية"، وتلك هي المشكاة التي صدرت عنها معظم أعماله الإبداعية، فالبنية الشعبية غالبة بعناصرها المتفاعلة مع بعضها البعض أو مع الآخر، وتلك أطلق عليها مفردة "القماشة" التي يشتغل عليها من خلال كتابته عن الفقير والغني في المجتمع. 
وللروائي روايته "العراوي" والصادرة عام 1986، والتي تحدث عنها الناقد محمد الفارس، فيذكر عن "ابو سماعين" في الرواية أنه "إنسان مصر علي أن يرفع قامته عاليه، في مواجهة الحياة (..) فهو الممثل الخالد علي أرض الكنانة علي مر العصور، فهو الإنسان المصري الحكيم بطبعه منذ الأزمنة الأولى، والصبور صبرًا أسطوريًا".
ويتابع محمد الفارس في رؤيته لفلسفة الحكاء لإنتقاء العنوان: "العراوي الذي يتكفل بصنع عراو، وحياكة أزرار بين الموضوعات المختلفة لخدمة هدف نبيل هو إنسانية الإنسان، ويقول العراوي نفسه: العلاقات بين أولاد آدم وبعضهم تشبه هذا الصديري الذي في يديك، هي التي تسترنا وتستر عوراتنا، هي الثوب الذي لا بد أن نلمه حول جسدنا".
    ويوضح الحكاء الكبير جوهر العمل الفني الحق في مقاله المنشور بمجلة الفنون الشعبية، عن الأدب الشعبي ودوره في سلم تأهيله كاتبًا: "إن العمل الفني الجيد هو ما يغذي في الناس روح الطموح والتطلع، ويجسد لهم صور القوة والشجاعة والعزة والسؤدد، يشخص لهم معاني الوفاء والإيثار والتضحية والكرم والعفة والصدق والأمانة والقناعة والنزاهة والفضيلة والمحبة والشرف والرحمة والمودة والاتحاد والتكافل والتضامن، وما إلى ذلك من قيم أصيلة كرست لها الحضارات (..) على طول الأزمنة، وكانت السير الشعبية وعاءً حقيقيًا لها".
العراوي الفنان وخزان التجارب:
    وفي معلم من بهاء الإبداع وصيته أن يكدح الكاتب الكدح الشديد في الحياة، ويودع الأناقة، وينفي الرفاهية، لأن تلك الرفاهية هي أكبر داء قاتل للجسد الإنساني، فالكاتب الحقيقي عنده لا بد أن يعمل ويعيش الحياة ذاتها وبين البسطاء، وأن يملأ خزان تجاربه لا يتوقف، فالكتابة من الدماغ فقط لا تنتج أدبًا، فهي تقدم كتابة غير مغذية للروح، منزوعة السعرات الحرارية، تشبه الطعام المعلب، وليست المعرفة المبهجة المنتجة بالدم والعرق.
    وكان الكاتب نفسه نموذجًا، فهو يختار مقابر قايتبادي سنوات طويلة ليكتب في مقهي هناك علي ترابيزة الأستاذ كما أطلق عليها أهل المكان، ويتعلم من أستاذه يحيى حقي كيف يقرأ الشارع، ويختلط بالناس في أماكنهم، فيشرح أن حقي كانت له هواية غريبة عندما يسير في الشارع، بأن يقوم بعد عربات الكشري والفول ولوحات الإعلان وغيرها، وخيري شلبي هو من يدور يافعًا في المنادر ويحفظ السير الشعبية، ويرويها للأهل والأصحاب، وعمل في عدد من الحرف منها تطهير الترع والمصارف، وشتل الأرز، والحياكة، والحدادة. 
وفي الاسكندرية يعمل بائعًا متجولاً فيبيع علي المقاهي وفي المواصلات العامة زهرة الغسيل والمشابك، وينشد الملاحم والسير والغنائيات الشعبية، وعمل فترة مع عمال التراحيل، لكن مهنة الحياكة كانت لها منزلة خاصة أثرت حتى في فنه، يقول: "في قريتنا الواقعة شمال الدلتا، يسود قول مأثور: صنعة في اليد أمان من الفقر. ولذا فقد التحقت بحرف كثيرة في الأجازات الصيفية، تعلمت مبادئ بعضها، واتقنت بعضها الآخر، تعلمت النجارة، والحدادة، والخياطة؛ وهذه المهنة أمضيت فيها وقتًا طويلاً، وكنت – حتي وأنا كاتب معروف - ألجأ إليها عند اشتداد الحاجة إلي ما يسد الرمق"، فكان العراوي الكبير.
    ويصف ضرورة ذلك، يقول: "لا يصنع مجد الكاتب إلا قدرته علي الإلتحام بأفئدة الناس، للإسهام في إضاءة الدروب المظلمة أمامهم، العمل على ترقيتهم، المشاركة الفعالة في همومهم الكبيرة والصغيرة علي السواء، يحقنهم بمصل المقاومة، يكشف لهم عن مواطن القوة فيهم، عن قدراتهم الخفية الخارقة، يوعيهم بها، يربطهم بالتاريخ والجغرافيا، بالزمان والمكان".
رحيق الكتب وتأسيس الذاكرة الأدبية:
ويكتمل مع المعلم الأول (التجارب) في خارطة الطريق إلى الإبداع في فكر خيري شلبي، المعلم الثاني بتغذية الملكات الإبداعية بالتجارب والأفكار المدونة بالكتب، من خلال حصد "رحيق الكتاب" لتكون مادة ثقافية زاهرة تخصب آيات الفكر والجمال الأدبي لإبداع الكاتب، يقول: "نصيحة أوصاني بها أبي من الصغر، كنت أقرا ممسكًا بالقلم وبجواري كراسة أدون فيها ما يلفت نظري ويعجبني من عبارات وأفكار، حتى إذا ما انتهيت من قراءة الكتاب، أنحيه جانبًا وأكتب من الذاكرة تلخيصًا لما فهمته من الكتاب يتضمن ما يمكن أن أقدر عليه من تعليق أو انتقاد أو وجهة نظر، وإني لزعيم بأن هذه النصيحة كانت من أثمن ما علمنيه أبي فلولاها ما تكونت لي ذاكرة أدبية، ولا عرفت الطريق إلى معالم الذوق السليم".
بناء الجسر الذهبي:
    ويأتي المعلم الثالث من خلال تجسير الفجوة بين لحظات الإضاءة الثمينة وديمومة الإبداع، وهي معضلة تواجه الكاتب ولا يمكنه اجتيازها إلا بالإخلاص لأدبه، وكدحه الكبير، والتعدين لموهبته وملكاته الأدبية، وتأتي المشكلة من ظاهرة يعرفها الكتاب لمعالجة لحظة الإضاءة واقتناصها، وما ينشب عن ذلك من رهبة تجتاح الذات الكاتبة وهي تقارب وتخالط هذه اللحظة المشعة، وهنا يقدم لنا الحكاء الكبير خبرته، ففي كتاب "كنوز السرد" لدكتور جلال أبوزيد يذكر هذه القصة في هامش بحثه الرائع حول الأنساق الثقافية في رواية "الوتد" لخيري شلبي: 
"يتحدث خيري شلبي أنه كان يعمل كاتباً لدى أحد المحامين المثقفين في مدينة قلين كان يهوى الأدب والقصة القصيرة، يقول: فلما أطلعته على كتاباتي قرأها بإمعان وقال: لماذا لا تكتب مثلما تتكلم؟ فقلت لا أستطيع، قال: جرب، وظللت أجرب دون جدوى، إلي أن ألتقيت بصديق يدعي بكر رشوان يكبرني بأعوام، وكان يحضر لليسانس الآداب قسم فلسفة، ويكتب القصة القصيرة، فزودني بأكبر نصيحة .. لا تجلس لتكتب عامدًاً متعمدًا اقبل على الكتابة كأنك ستلعب عشرة طاولة، وأبدأ بكتابة مذكرات نثرية في الموضوع الذي تنوي كتابته قصة، فجئت مره أكتب هذه المذكرات، فإذا بي أنساب مع المذكرات في يسر وليونة وإذا بهذه المذكرات تصبح - بعد تعديلات طفيفة جداً – هي قصصي الأولي".
    وبعد هذه سياحة في لمحات يسيرة لدرب الإبداع لدى الحكاء الكبير إلى مدينة الحروف والجمال البهي، يعبد طريقا، ويكشف فنون حياكة تزهو بها القلوب والعقول.