فيلم أميركي فاشل بتذاكر رخيصة

ليس هناك فرق بين طالبان الحليفة وطالبان العدوة. الغزو الأميركي شبيه بالانسحاب الأميركي.


وجد الأميركان في طالبان حجة لغزو أفغانستان وكانت أيضا سببا للانسحاب


العالم كله ساحة لمهرجان الولايات المتحدة الذي يشبه السيرك، وبايدن احد الممثلين


أميركا ضحكت على الافغان والأوروبيين وجيران أفغانستان ولكنها ضحكت على نفسها ايضا

فشل المشروع الأميركي في أفغانستان. لم يحن بعد موعد الاعتراف العالمي بذلك الفشل. بدلا من ذلك الاعتراف يتجه الغرب إلى معاقبة أفغانستان اقتصاديا لأنها فضحت حقيقة المشروع اللا اخلاقي الذي انطوى عليه الغزو بعد عشرين سنة من محاولات الترقيع.

العقوبات الاقتصادية التي أعلنها الغرب برعاية أميركية لا يمكنها أن تغطي على العار الذي نتج عن انسداد الافق في أفغانستان أمام الادارة الأميركية وحلفائها. فما الذي كانت تفعله كل تلك الجيوش هناك؟ ما هو مصير الاموال التي هبطت من السماء لتبتلعها خزائن الفاسدين؟

كل شيء ذهب هباء. ضحكت أميركا على الجميع، الافغان والأوروبيين وجيران أفغانستان معا. ولكنها ضحكت على نفسها أيضا حين غزت وحين انسحبت. فعلت الأسوأ في الحالين. حين غزت خرقت القانون الدولي محملة بالأكاذيب والوعود الخرقاء وحين انسحبت تركت شعبا في العراء من غير حماية أمام عدوه الظلامي.

حين كان الاحتلال قائما كان الغرب يقول كلاما مدهشا عن الشعب الذي يتوق إلى الحرية ونالها، عن النساء اللواتي تخلصن من ظلام البرقع وخرجن إلى الحياة، تعليما وعملا وابداعا. اما ما بعد الانسحاب الذي يصوره البعض على أنه جزء من استراتيجية جديدة تقوم على فرض عقوبات على أفغانستان باعتبارها دولة طالبان ستقود العقوبات ذلك الشعب الذي كان يتوق إلى الحرية إلى الهلاك.

شيء غامض يحدث فعلا. فالقوات الأجنبية غادرت أفغانستان وفق اتفاق الدوحة الذي وقعته الولايات المتحدة وحركة طالبان بعد سنوات من المفاوضات وهو ما يعني أن كل شيء حدث بالتراضي. وإن كان ذلك التراضي ملغوما من جهة انهيار الحلم الأميركي وتدهور الثقة بالولايات المتحدة بين أصدقائها.

السؤال الآن: لمَ العقوبات الاقتصادية (ايقاف المعونات وحجز أموال أفغانية وانسحاب البنك الدولي) إذاً؟ يغلب الحديث عن الارهاب على أي حديث آخر. الأوروبيون يبحثون عن سبل للوقاية والتأكد من أن اجراءاتهم تسير بهم في طريق السلامة بعيدا عن الازعاج الذي يمكن أن يسببه لهم شعب أنفقوا عليه المليارات وظل متشبثا بأصوله المتخلفة. تلك روايتهم التي لا تأخذ بعين الاعتبار مصير شعب لم يكن في الأساس حاضنة لحركة طالبان التي تأسست في باكستان بتمويل ودعم المخابرات هناك.

لم تتأسس طالبان على أساس كونها المشروع الوطني البديل للفصائل والجماعات المسلحة التي كانت تتقاتل في ما بينها دفاعا عن مصالحها بعد أن تم طرد القوات الروسية. لذلك لم تكن نهاية الحرب الاهلية مريحة للافغان، ذلك لأن فكرة الحرب هي عنصر أساس في جوهر العقيدة الطالبانية. وهي عقيدة تقوم على أساس التشدد والعزلة وتطبيق المقولات الجاهزة ورفض كل مظاهر الحياة المعاصرة.

لقد أوت أفغانستان في ظل دولة طالبان الأولى كل الفاشلين، كارهي الحياة ممن ينظرون إلى المجتمع المعاصر بعين معادية. كان أولئك هم الضيوف المناسبون لحركة طالبان من الافغان العرب الذين تم التضييق عليهم حسب أجندات خاصة بالحركة. غير أن كراهية العالم الخارجي كانت هي العامل المشترك بين الطرفين.

حركة طالبان تعرفها أجهزة المخابرات الغربية جيدا.    

كانت حركة طالبان هي الحصان الأميركي. وكان مطلوبا في الوقت نفسه أن تكون طالبان هي العدو. ليس هناك فرق بين طالبان الحليفة وطالبان العدوة. الغزو الأميركي شبيه بالانسحاب الأميركي. لقد وجد الأميركان في طالبان حجة لغزو أفغانستان وكانت أيضا سببا للانسحاب. معادلات ذرائعية يعتقد الأميركان أنهم يجيدون اللعب عليها كما أنهم يحترفون استعمالها في مواجهة كل مَن ينتقد سياستهم.

ما نراه اليوم فشلا لمشروع الغزو الأميركي لافغانستان يراه الأميركان استمرارا لسياستهم إزاء بلد، كانوا من رعاته المهيمنين على لحظات انهياره. فهل كان على شعب افغانستان أن يدفع ثمن تبدل المزاج الأميركي؟ كان الاحتلال الروسي سيئا فيما أصبح الاحتلال الأميركي حسنا. قبل طالبان ومعها كان الدين المتشدد ضروريا لضبط الحياة في أفغانستان اما حين قررت الولايات المتحدة غزو أفغانستان فقد كان التطرف الديني باعتباره ارهابا هو السبب.

تصنع الولايات المتحدة المعجزة لتتعامل معها في ما بعد بالطريقة التي تجدها مناسبة. العالم كله ساحة لمهرجانها الذي يشبه السيرك. الرئيس الأميركي هو واحد من ممثلي ذلك السيرك. إنه يقول ما يجب أن يُنسى. الرئيس واجهة. ليس ذلك مهما. فالعقوبات التي تؤدي بشعب يحلم بالحرية إلى الهلاك هي صناعة جاهزة. لو تُركت الأمور من غير عقوبات تخنق الشعب الافغاني فإن الأمور ستبدو متفقا عليها.

كان يجب على الغرب كله أن يستمر في تمثيل دوره الثانوي في فيلم أميركي بدأ سيئا وانتهى سيئا.