في الزمن المصيري لا تسويات

لا مكان للأحقاد في نفوس غالبية اللبنانيين. الشعب لا يشبه قادته والقادة لا يشبهون وطنهم.


يا فخامة الرئيس، حبذا لو وضعت منهجية لإنقاذ البلد بدل تشكيل الحكومة


ليس المطروح اليوم حقوق المسيحيين وسلطات الرئيس بل وجود لبنان نفسه


اللبنانيون أمام مفترق بين الثورة والفتنة. جميع عناصر الثورة جاهزة وجميع قوى الفتنة حاضرة

أيهما نختار لحل أزمتنا اللبنانية: مبادرة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون سنة 2020، أم انتفاضة الشعب الفرنسي سنة 1871؟ فرنسا تقدم لنا نموذجين: تغيير من خلال المؤسسات الشرعية أو تغيير من خلال انتفاضة شعبية. لفرنسا أيضا "منهجية". الثابت أن سماع نداء الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون هو الأفضل لأنه يبقي التغيير سلميا وقابلا التنفيذ السريع. لكن إجهاض الطبقة السياسية ـــ وفي طليعتها الجماعة الحاكمة - مبادرة ماكرون، قد يدفع الشعب اللبناني إلى التماهي مع انتفاضة أهالي باريس بين 18 آذار/مارس و28 أيار/مايو 1871 رغم خطر الانزلاق إلى العنف الذي يرافق أي انتفاضة تفتقد القيادة والمشروع والوحدة.

سنة 1870 خسر الفرنسيون معركة سيدان ضد بروسيا (ألمانيا لاحقا)، وتقصدت القوات البروسية إجراء عراضات عسكرية دورية في شوارع باريس استفزت الفرنسيين. توقع الأهالي، وقد مضت أشهر على انتهاء المعركة، أن تدافع الحكومة والجيش عن كرامتهم ويمنعا استعراضات القوات البروسية في العاصمة، لكنهما تقاعسا، لا بل ارتكبت الحكومة ثلاثة أخطاء: فرضت ضرائب على الباريسيين، خفضت أجور الحرس الوطني الـمولـج حماية باريس، وحاولت سحب المدافع التي خبأها الباريسيون خشية أن تستولي عليها القوات البروسية. ثار الأهالي على رئيس الحكومة الموقتة، أدولف تيير وقرعوا أجراس الكنائس حزنا، فهرب مع أركان حكومته إلى ضاحية باريس الجنوبية واستقر في ڤرساي. ولـمـا أرسل تيير الجيش لاسترداد المدافع، رفض الجيش مواجهة الشعب، فتشتت قسم منه وانضم القسم الآخر إلى الشعب ضد الحكومة، وسيطر الشعب في آخر أيار 1871 على باريس. لم تدم سيطرة الثوار طويلا. غضب السكان على الثوار الذين تسللوا إلى مدينتهم لأنهم خلقوا الفوضى واختلفوا على النظام الجديد وعلى الشعارات السياسية، وارتكبوا مجازر رهيبة بحق الطبقة السياسية البورجوازية وأنصار الملكية. وهكذا أجهضت ما عرفت في تاريخ فرنسا بـــ"انتفاضة باريس".

يقع اللبنانيون اليوم على خط التماس بين مبادرة ماكرون وانتفاضة باريس. يحتالون على الأولى ويخافون الثانية، فيما هم بحاجة إلى المبادرة الفرنسية بصيغتها الأساسية كخريطة طريق سياسية، وإلى "انتفاضة باريس" أيضا كأداة ضغط سلمية على السلطة لتحل الأزمة أو تحل عنهم. لكن التطورات الأخيرة من شأنها أن تخرج اللبنانيين عن مزاجهم السلمي وترميهم في دورات عنف مجهولة المعالم والنتائج. فلا يغيب عن البال أن اللبنانيين هم أيضا أمام مفترق بين الثورة والفتنة. جميع عناصر الثورة جاهزة، وجميع قوى الفتنة حاضرة، والغائب الوحيد هي الدولة. رحلت تبحث عن صلاحيات تشكيل الحكومة وتركت شعبها يبحث عن الرغيف.

يا فخامة الرئيس، حبذا لو وضعت منهجية لإنقاذ البلد عوض منهجية لتشكيل الحكومة. كيف كانت تؤلف الحكومات السابقة منذ مئة سنة؟ " الغميضه"؟ وهل "المنهجية" صارت بديلا عن الدستور والميثاق؟ من ذا الذي في بيئتك ظن نفسه فيلسوفا زميلا للفلاسفة باسكال ومونتسكيو وديكارت وهيغل وكانط فوضع منهجية على نحو منهجياتهم؟ هذه بدعة لا منهجية.

ليس المطروح اليوم حقوق المسيحيين وصلاحيات رئيس الجمهورية، بل وجود لبنان وبقاء المسيحيين وسائر اللبنانيين في أرضهم. فما نفع حقوق لشعب يضمحل وصلاحيات لرئاسة تذكارية؟ أول حقوق المسيحيين تأليف حكومة. وأول صلاحيات رئيس الجمهورية قدرته على الاتفاق مع الآخرين. السلطة لا تحتاج إلى سلطة أخرى، والحاكم لا يحتاج إلى أن يتحكم. كلمة واحدة تكفي ويشفى الوطن. كلمة واحدة تغني عن دستور وميثاق وأعراف ومنهجيات وخطب متلفزة. يا فخامة الرئيس، يا دولة الرؤساء، يا رؤساء الأحزاب، يا جميع المسؤولين، الحل هو بقراءة رسالة مار بولس الأولى إلى أهل كورنثوس عن المحبة...

الجنرال ديغول، بعظمته وهالته وهيبته، استعان بالمحبة، لا بالدستور والجيش، ليستعيد ثقة فرنسيي الجزائر الثائرين ضد استقلال الجزائر. قال لهم في 4 حزيران/يونيو 1958: "فهمتكم"، فتحولت الثورة تظاهرة تأييد له. ولدى إعلان الحرب على صربيا سنة 1914، قال إمبراطور النمسا فرنسوا ــ جوزيف لرئيس الأركان الجنرال فرانز كونراد: "إن كان لا بد للإمبراطورية من أن تهلك، فليكن ذلك بكرامة، لأني أحرص أن يبقى شعبي يحبني مثلما أنا أحببته".

لا قيمة للإيمان بالله ما لم ترافقه محبة الإنسان. واحتكام المسؤولين إلى المحبة يغني لبنان عن ثورة من نوع "انتفاضة باريس" 1871، وحتى عن مبادرة الرئيس الفرنسي ماكرون وعن أي مبادرة أخرى. المؤسف أن الواقع اللبناني افتقد المحبة وأتخمته الأحقاد بين المسؤولين. ومتى سادت الأحقاد تتعطل الحلول السلمية، ولا يعود ينقذ لبنان مبادرات أو ثورات. المبادرات تصبح تمنيات والثورات تمسي فتنا.

لا مكان للأحقاد في نفوس غالبية اللبنانيين. الشعب لا يشبه قادته والقادة لا يشبهون وطنهم. وأصلا، المسؤولون ليسوا على قياس الشعب العظيم والدولة العظيمة. وبالمقابل، لا مكان في نفوسنا للخوف والتردد والانهزامية. هذه مشاعر قاتلة في زمن تقرير المصير. في اللحظة التاريخية التي نـمر فيها، قدرنا أن نصمد ونواجه ونقاوم من أجل وجودنا الحر. الخوف هزيمة مسبقة، والانهزامية هزيمة لاحقة. الهزيمة اليوم قد تكون غير قابلة التصحيح غدا. وبدء الهزيمة هو القبول بمبدأ التسوية الآنية والسطحية. في الزمن المصيري لا مجال للتسويات إذ غالبا ما يستغلها الآخر ليستعد أكثر وينقض على خصمه في أول مناسبة سانحة. في الزمن المصيري لا يوجد سوى الانتصار الوطني دفاعا عن ثوابت لبنان وقيمه.

الحقيقة أن الصراع الداخلي في لبنان ليس بين لبنانيين ولبنانيين آخرين، بل بين لبنانيين ولبنان. هناك من يحارب فكرة لبنان ورسالته، وحدة لبنان وكيانه، حضارة لبنان وهويته، تعددية لبنان وصيغته، وديمقراطية لبنان ومدنيته. هذا هو جوهر الصراع مذ تأسست دولة لبنان في هذا الشرق المخالف والخلافي. وإذا كنا احتكمنا إلى مبدأ التسويات عوض حسم الصراع، ظنا أنها الحل، فها تبين بعد مئة سنة أن التسويات كانت أزمات بأسماء جديدة، لا بل كانت سببا لتوسيع الصراع وسقوط التجربة اللبنانية.