في بيت عميد الأدب العربي

يمكن لزائر البيت أن يتمثل التاريخ أمامه حيا طازجا لا ينقصه إلا حضور العميد بأناقته وعربيته العذبة في استقبال الضيوف.

لم يشتهر بيت كاتب أو شاعر في العالم العربي مثلما اشتهر بيت عميد الأدب العربي طه حسين (فيلا رامتان)، وذلك راجع لشهرة ساكنه، فارس التنوير ووزير التعليم وعميد الجامعة ورئيس مجمع اللغة العربية، وصاحب المؤلفات في النقد والقصة والإسلاميات، ذو الأسلوب البديع، والمفكر الثوري الذي أحدث ثورة فكرية في النصف الأول من القرن العشرين بكتابه ذائع الصيط "في الشعر الجاهلي" الذي تحول تحت وطأة التهديد إلى "في الأدب الجاهلي".

يقع بيت طه حسين الذي تحول إلى متحف قومي ومركز ثقافي للإشعاع الأدبي والفكري بالهرم بشارع طه حسين المتفرع عن شارع مدكور، فبتاريخ 28 يناير/كانون الثاني 1992 تم شراء الفيلا التي سكن بها العميد ووقع عن الوزارة وزير الثقافة آنذاك فاروق حسني وممثل عائلة العميد الدكتور محمد حسن الزيات صهر طه حسين، وفي 20 مايو/أيار تم تسليم الفيلا إلى المركز القومي للفنون التشكيلية  وافتتح للجمهور بتاريخ 15 يوليو/تموز 1997، وفي 2003 انعقد أول صالون ثقافي في بيت العميد أسوة بصالون الأحد شارك فيه تلاميذه وقد كان ناجحا وأثار انتباه واهتمام المثقفين.

في هذا البيت (الفيلا) عاش طه حسين مع أسرته المتكونة من الزوجة سوزان بريسو وابنته آمنة زوجة الدكتور محمد حسن الزيات وزير خارجية مصر السابق قبل 1973، وابنه مؤنس المتزوج من ليلى العلايلي حفيدة أمير الشعراء أحمد شوقي، فطه حسين الناثر البديع والكاتب البليغ وعاشق العربية في مصاهرته كذلك يوثق الوشائج الأسرية مع العربية والثقافة مع آل الزيات وآل شوقي. والفيلا أنيقة تكشف عن ذوق وجمال وهدوء في هذا الحي الراقي من أحياء الهرم.

وسمى طه حسين بيته "رامتان" أي مسكنان، ورامة في العربية تعني مسكنا، فرامة مسكن له، ورامة مسكن لابنه مؤنس، والمثنى رامتان، ومن طرائف بعض المستشرقين أن أحدهم ولم يكن متضلعا في العربية استغرق في التفكير والبحث في أصل الكلمة ومعناها وزعم أنها كلمة أرامية تارة وفارسية تارة أخرى مما أثار سخرية طه حسين من هذا المستعرب المتعالم غير العارف بالعربية ولو سأل العميد أو غيره لحظي بالجواب الصحيح الذي يقيه شر المزالق والعثرات وسخرية الناس منه. وهذه القصة تروى هنا لبيان نقص معرفة بعض المستعربين غير المتضلعين في العربية وتاريخها وعلومها وتراهم يخوضون في الآداب العربية والثقافة الإسلامية بيقين قاطع مخالفين المعروف والبديهي في الثقافة العربية الإسلامية!

كتب الدكتور صلاح المليجي رئيس قطاع الفنون التشكيلية عن تحويل البيت إلى متحف قومي "إن عميد الأدب العربي رمز من رموز الحركة الثقافية المصرية وأشهر من حمل شعلة التنوير بها حتى صار أيقونة للإبداع والتحدي. هو ما يجعل من منزله الشهير بفيلا رامتان (متحف طه حسين) سجلا تاريخيا وثقافيا غاية في الأهمية لمن أراد أن يرى حياة طه حسين، حيث حفظت لنا جنبات المتحف ذكرياته وترك لنا فيها كتبا ومخطوطات وصورا وأوسمة ونياشين تحكي قصة كفاحه وتؤرخ للثقافة العربية في مصر خلال حقبة طويلة من الزمن".

كما كتبت مديرة المتحف الفنانة زينب منهي "من هنا عني متحف طه حسين منذ اقتنائه مهمة الإشراف عليه والعناية بتراثه وبالحفاظ على هذا المنزل، فلم يكن المتحف في ضمائرنا منذ البداية مجرد جدران أو بناية ذات قاعات وطوابق بل كان إدراكنا أننا أمام بقعة تنوير كبيرة تتطلع إليها العيون مصريا وعربيا وعالميا، ورمز من رموز البحث العلمي المنهجي (العصري) وقامة من قامات التبشير بحرية الفكر وقيمة التسامح الحضاري. ومازلنا على درب العميد مصرين على مواصلة طريقه والعناية بهذا التراث والقيام بجهدنا التنويري والذي نؤمن به ونثق في جدواه".

وبيت طه حسين يتكون من دورين على مساحة 860 مترا مربعا تحيط به حديقة من ثلاث جهات يرتفع في وسطها تمثال نصفي للعميد للفنان عبدالقادر رزق، ويحتوي الطابق الأرضي على غرفة مكتبه حيث كان سكرتيره فريد شحاتة يقرأ له أو يكتب ما يمليه عليه من مقالات أو دراسات أو مؤلف جديد أو ردود لرسائل إلى مثقفي وأعلام العالم العربي والإسلامي أو الغربي على أنغام الموسيقى الكلاسيكية المنبعثة من جرامافون قديم، وقد حافظ القيمون على المتحف على الكتب فقاموا بتجليدها.

ومن هذا المكتب كان العميد يرأس اجتماعات اللجان التي كان مسؤولا عنها في السنين الأخيرة لما اشتدت وطأة المرض عليه. وبجانب غرفة مكتبه مدخل صغير يفضي بنا إلى صالون حيث كان يلتقي بزواره كل أحد من الأسبوع وبالصالون بيانو وجرامافون وراديو، فالموسيقى تحيط بالعميد في مكتبه وفي الصالون وفي غرفة نومه بل إن أسلوبه ذاته موسيقى عذبة من البيان العربي وشلال من الجرس الموسيقي العذب المتناغم الذي يعتمد لغة خاصة لغة الكاتب المملي الذي يتعمد التكرار غير الممل والتفنن في استخدام الروابط من حروف الجر والعطف بمهارة واقتدار.

وصالونه هذا اكتسب شهرة كذلك مثل صالون العقاد الذي كان ينعقد يوم الجمعة وصالون مي يوم الثلاثاء، وقد كان يستقبل فيه الأدباء الشباب يوجههم ويرشدهم ويساعدهم، كما كان يستقبل فيه مفكري وأدباء ومثقفي العالم، وتزين الصالون لوحات فنية أهديت إليه وعلق بالجدار كذلك إطار بهي يضم قصيدة لعضو مجمع اللغة العربية عبدالفتاح الصعيدي بمناسبة بلوغ العميد الحادية والثمانين من العمر:

ما للبشائر تترى في مغانينا

هلت يضئ سناها أفق وادينا

عقد الثمانين جاءت بعده سنة

تقود ثاني عقد من ثمانينا

فبارك الله عمرا قد حباك به

وبارك فيمن قال آمينا

عميد الأدب العربي رمز من رموز الحركة الثقافية المصرية وأشهر من حمل شعلة التنوير بها حتى صار أيقونة للإبداع والتحدي

أما الدور العلوي فيحتوي على غرفة نوم سوزان ملحقا بها غرفة نوم طه حسين وغرفة نوم ولده مؤنس وغرفة الاستماع والموسيقى وغرفة المعيشة الخاصة بالدور العلوي ملحقا بها غرفة مكتب العميد، وفي السنوات الأخيرة كان العميد يملي ويقرأ ويستقبل الضيوف بهذا المكتب حين اشتدت عليه وطأة المرض ولم يعد قادرا على النزول إلى الدور الأرضي.

وجدير بالتنبيه إلى أن هندسة البيت وتصميم المكان يساعدان الكفيف على التحرك بانسيابية وأريحية، كما يمكن للزائر إلى البيت أن يرى النياشين والأوسمة وقلادة النيل أرفع وسام في مصر، وشهادات الدكتوراه الفخرية من جامعات العالم وثياب العميد والروب الجامعي ونظارته، وكأنه يتمثل التاريخ أمامه حيا طازجا لا ينقصه إلا حضور العميد بأناقته وعربيته العذبة في استقبال الضيوف. وكان أنيس منصور يسمي طه حسين درويش البلاغة نظرا إلى جودة الإلقاء وجمال النبرات والتقطيع الصوتي والرنة العذبة في كلامه.

في عام 2005 صدر قرار بإغلاق المتحف لعمل الترميمات الخاصة به وتزويده بالإضاءة المناسبة لعرض المحتويات وشبكة للحماية ضد الحريق ومخرج طوارئ، وقد قامت اللجان التاريخية بتوصيف وتصنيف محتويات المتحف كاملا، وتجديد طلاء البيت والحفاظ على لونه كما كان في أيام العميد.

وجدير بالذكر أن أسرة العميد أهدت إلى المتحف حين إنشائه مجموعة من الأوسمة والنياشين والميداليات وقلادة النيل والشهادات والأوراق الخاصة بطه حسين، مما يمكّن الزائر أثناء جولته في الفيلا (المتحف) من استحضار التاريخ الثقافي والفكري والسياسي والمعيشي للعميد، ويقف على الأهمية التي كان يوليها لعائلته الصغيرة ومكانتها في وجدانه وضميره والأهمية البالغة التي كانت توليها أسرته له ولمكانته كقائد فكري مصري وعربي في القرن العشرين.

كما يبرز الجو الحميمي الخاص ذو الطقوس الخاصة في الاستمتاع بالعيش والتوفر على فضاء باعث على الراحة والإلهام والذوق الخالص والاستغراق في طيبات العيش بمعية العائلة الصغيرة في جو من المحبة والتفاهم. كل هذا وفر للعميد أجواء خاصة أملى فيها روائع كتبه من سيرة ذاتية وقصص فني، ونقد وإسلاميات باذخة تتناول صدر الإسلام ورجاله.

للإشارة فقد توفي العميد عام 1973 وتوفيت زوجته سوزان عام 1989، بينما توفي ولده مؤنس الذي لا يعرف له ذيوع كشاعر أو كاتب على الرغم من إصداره لكتب ودواوين شعرية بالفرنسية عام 2004.

إن متحف طه حسين اليوم هو منارة إشعاع ثقافي وفكري وسط صخب العصر وإيقاعه السريع والحفاظ عليه، مع بيوت أخرى لأعلام مصر في العصر الحديث، هو تربية وطنية تربي الجيل الجديد الذي لا يعرف الكثير عن أعلام وطنه، وقد نشأ وسط ثقافة الصورة والإيقاع السريع للعصر وإغراءات العالم السيبراني والشبكات العنكبوتية ووسائل التواصل الاجتماعي، على قيم الوطنية والاعتزاز بالانتماء إلى الوطن والافتخار برجاله الذين أنجبهم.

الوطن ليس مجرد تراب بل هو ذاكرة وعطاء ومساهمة حضارية وإنسانية ومبعث الفخار والانتماء، ومثل أولئك الأعلام من ساسة ورجال دين وعلماء وشعراء وكتاب وفنانين قد شكلوا وجه مصر الحضاري في القرن العشرين رغم أنهم ولدوا وقضوا طفولتهم وشبابهم في ظروف صعبة في قرى وأرياف الشمال أو الصعيد، ولكن حبهم للمعرفة وتوفرهم على ملكات واستعدادات خاصة استطاعوا أن يفرضوا أسماءهم على العصر ويشكلوا وجهه المشرق، وبكل تأكيد فإن أولهم عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين وسيبقى متحفه منارة إشعاع ثقافي وفكري ليس لمصر وحدها بل لكل زائر من ربوع الدنيا يستحضر روح وعطر هذا الكاتب العظيم.