في ذكرى ميلاد كاتب الحب والحرية

إحسان عبدالقدوس شغل الدنيا بجرأة كتاباته والتي لاتزال إلى يومنا هذا منجماً فنياً لصناع الدراما والتلفزيون والمسرح.


أولى قصصه كانت بعنوان "صانع الحب" 1948، ثم كتب "بائع الحب" 1949


"أنا حرة" 1954 تحولت إلى فيلم سينمائي، ثم توالت أعمال أحسان الأدبية

تمر علينا هذه الأيام ذكرى ميلاد الكاتب والصحفي الكبير أحسان عبدالقدوس، هذا الرجل الذي شغل الدنيا بجرأة كتاباته والتي لاتزال إلى يومنا هذا منجماً فنياً لصناع الدراما والتلفزيون والمسرح .
تأثير  "برنار الشرق" في حياة أحسان عبدالقدوس 
ولد أحسان عبدالقدوس في الأول من يناير/كانون الثاني من عام 1919 ونشأ في بيت جده لوالده الشيخ رضوان الذي كان من خريجي الجامع الأزهر، ويعمل رئيس كتاب بالمحاكم الشرعية. وهو بحكم ثقافته وتعليمه متدين جداً، وكان يفرض على جميع العائلة الالتزام والتمسك بأوامر الدين. أما من والدته السيدة فاطمة اليوسف (روز اليوسف) 1897 – 1958 فهي ممثلة لبنانية من أصول تركية سافرت  إلى مصر وبدأت رحلتها الفنية مع فرقة عزيز عيد، ثم انتقلت إلى فرقة جورج أبيض، ولكن تألقها الكبير كان مع فرقة رمسيس التي أسسها الفنان يوسف وهبي في عام 1923، وقدمت من خلالها العديد من الأدوار المميزة؛ مثل دور مارغريت غوتيه في رواية "غادة الكاميليا"، حيث نالت آنذاك لقب "برنار الشرق"، لكنها سرعان ما اعتزلت التمثيل واتجهت، بعدها، إلى الصحافة، وأسست مجلة وصحيفة "روز اليوسف"، ومجلة "صباح الخير".. 
كانت روز قد تعرفت إلى زوجها المهندس محمد عبدالقدوس (1888 - 1969) والد أحسان، ولكنهما انفصلا بعد أن أنجبا عبدالقدوس الابن. وكان زواجهما من البداية بمثابة شرارة أشعلت النار في بيت الحاج أحمد رضوان، جد أحسان، الذي رفض أن يرتبط ابنه بممثلة متحررة. وقد حدثت قطيعة مؤقتة بين والد أحسان وجده بسبب هذا الزواج. 
كان محمد عبدالقدوس عاشقاً للفن والمسرح، قدم مجموعة أدوار في المسرح ثانوية وفي عدد قليل من الأفلام. وهو أديب له مسرحية من تأليفه بعنوان "أحسان بيه". كان لروز اليوسف تأثير كبير على شخصية صاحب "الوسادة الخالية" وهي السيدة المتحررة التي كانت تعقد الصالونات الأدبية في بيتها في زمن لم تكن المرأة تمتلك فيه الحرية الكاملة للظهور في المجتمع، فنلاحظ أن رواياته كانت تصور الضغوط الاجتماعية والنفسية التي تتعرض لها المرأة في المجتمع. 
ويرد أحسان  عبدالقدوس على سؤال غالي شكري عن  المرأة التي تشغل تفكيره دائما فيقول: "شغلت المرأة تفكيري، هل هذه هي تهمة. إن إيماني بحرية المرأة ليس له حدود، أحد دوافعه الأساسية مستمدا من إيماني بتفرد تجربة أمي فاطمة اليوسف. هذه المرأة التي أثبتت وجودها في عالم الرجال، ونجحت في فرض نفسها عليهم، وحققت ما لم يستطع كثير من الرجال أن يحققوه.

الصحافة والأدب في حياة أحسان عبدالقدوس 
تخرج  أحسان من كلية الحقوق عام 1942، وفشل في أن يكون محامياً. وبدأ في عام 1944 كتابة نصوص أفلام، وقصص قصيرة وروايات، وهو ما جعله يقرر التفرغ تماما للصحافة والأدب، وأصبح في بضع سنوات صحفيا وكاتبا سياسيا وروائيا متميزا، وتهيأت له في مجلة "روز اليوسف"، الفرصة كاملة للعمل والنجاح.
ظهرت أولى قصصه بعنوان "صانع الحب" 1948، ثم "بائع الحب" 1949، ثم القصة الطويلة "أنا حرة" 1954 التي تحولت إلى فيلم سينمائي، ثم توالت أعماله الأدبية.
كتب عبدالقدوس أكثر من ستمائة قصة ورواية، تحول 49 روايةٍ منها إلى نصوص للأفلام السينمائية، و5 روايات تم تحويلها إلى نصوص عُرضت على المسرح، و9 روايات كانت من نصيب الإذاعة التي قدمتها مسلسلات، و10 رواياتٍ ظهرت مسلسلات تلفزيونية، إضافةً إلى ترجمة 65 من رواياته إلى الإنجليزية والفرنسية والأوكرانية والألمانية وغيرها من لغات العالم.
وكانت لأحسان مقالات سياسية تعرض للسجن والاعتقالات بسببها. ومن أهم القضايا التي طرحها قضية الأسلحة الفاسدة التي نبهت الرأي العام إلى خطورة الوضع.
ومقاله الخطير "هذا الرجل يجب أن يذهب" الذي شنه على ممارسات القصر، والبوليس السياسي، وهجومه على اللورد "كيلرن" واتهمه فيه أنه يتصرف كما لو كان ملك مصر .
عبدالغفور البرعي وأنا حرة 
لا يمكن أن يتم الحديث عن أعمال أحسان عبدالقدوس دون الوقوف عند رواية "أنا حرة" من المشاهدة إلى القراءة.
في طفولتي كنت أشاهد عائلتي تتابع المسلسل الشهير "لن أعيش في جلباب أبي" وكنت أسمع دائماً من والدتي الجملة التي تقولها بصيغة الانبهار "إنه من تأليف أحسان عبدالقدوس" وبقيت هذه الجملة إلى اليوم مطبوعة في ذاكرتي، وعند مرحلة المراهقة جذبني فيلم "في بيتنا رجل" لكنني لم اكن أهتم بالقصة أكثر من اهتمامي بجمال ورقة زبيدة ثروت وقصة الحب التي جمعتها بـ (حسين) البطل الذي مثل دوره الراحل عمر الشريف.
بعد مرور عدة سنوات عندما تخرجت من الجامعة وبدأت الذهاب إلى شارع المتنبي لشراء الكتب والروايات العربية والعالمية، وبالحقيقة أنني بدأت بقراءة الروايات العالمية قبل العربية. كانت هناك رغبة في نفسي أن اقرأ روايات أحسان عبدالقدوس ونجيب محفوظ، وأن أبتعد عن الأفلام السينمائية التي اقتبست منها رواياتهم، فاقتنيت في فبراير/ شباط 2017 أول رواية للكاتبين هما "أنا حرة" لأحسان عبدالقدوس و"القاهرة الجديدة" لنجيب محفوظ . 
إلى يومنا هذا أكثر رواية أثرت بي هي رواية "أنا حرة". الكثير من القراء ينتقد رواية "أنا حرة" ويركزون على نهايتها التي تركت أمينة وعباس يعيشون في علاقة خارج حدود الزواج. أما بالنسبة إلي فكرة "أنا حرة" هي فكرة الفتاة التي قررت أن تكون مختلفة عن بنات حيها وقريباتها وأن لا يكون طموحها رجلا، فطموح أمينة تخطى البيت والرجل لتدخل الجامعة الأميركية وتحظى بوظيفة مرموقة في إحدى الشركات الأجنبية وتذهب لزيارة بيت عمتها التي كانت تعايرها دائماً بأنها إن دخلت الجامعة وتعلمت فلن تجد الزوج المناسب لها، وكأن الزواج في الشرق هو طوق النجاة.
ولازلت أذكر المحادثة التي تخبرها بها أن فلانة تطلقت وفلانة لم تتعلم ولم تتزوج ولن تتقدم خطوة في حياتها. بعد أن كانت العمة في بداية الرواية تضغط عليها لترك التعليم والزواج أسوة ببنات جيرانها وأقربائها .
اليوم وبعد أن قرأت عددا غير قليل من روايات صاحب "دمي ودموعي وابتسامتي" ألاحظ حجم التنوع في المواضيع المختلفة العاطفية والسياسية والاجتماعية التي تناولها في رواياته فـ "أنا حرة" تختلف جذرياً عن رواية "لن أعيش في جلباب أبي"، وعن رواية "في بيتنا رجل". فنلاحظ  أن أحسان ينتصر للمرأة ويطالب بحقها بالمساواة بالرجل في "أنا حرة" ويكتب عن حكمة عبدالغفور البرعي الرجل الذي ينتمي إلى الطبقة الشعبية، وكذلك عن عاشق الوطن الحر (حسين) في رواية "في بيتنا رجل". الحرية التي يبحث عنها في كل أعماله هي القيمة المركزية المحركة لتفكيره.

تطور تيار الواقعية في الأدب المصري متمثلاً في روايات أحسان عبدالقدوس 
تعرض صاحب "العذراء والشعر الأبيض" للكثير من الضغوط والانتقادات، بسبب طبيعة ونوعية المواضيع والمشاكل التي كان يتناولها في كتاباته، وخصوصًا "الجنس"، لكن ذلك لم يثنه عن متابعة المسيرة، فهو يؤمن بمسؤوليته تجاه مجتمعه حيث يقول: "لست الكاتب المصري الوحيد الذي كتب عن الجنس، فهناك المازني في قصة "ثلاثة رجال وامرأة" وتوفيق الحكيم في قصة "الرباط المقدس" و.. و…. وكلاهما كتب عن الجنس أوضح مما كتبت، ولكن ثورة الناس عليهما جعلتهما يتراجعان، ولكنني لم أضعف مثلهما عندما هوجمت فقد تحملت سخط الناس عليّ لإيماني بمسؤوليتي ككاتب.  
نجيب محفوظ أيضاً يعالج الجنس بصراحة، لكن معظم مواضيع قصصه تدور في مجتمع غير قارئ، أي المجتمع الشعبي القديم أو الحديث الذي لا يقرأ أو لا يكتب أو هي مواضيع تاريخية، لذلك فالقارئ يحس كأنه يتفرج على ناس من عالم آخر غير عالمه، ولا يحس أن القصة تمسه أو تعالج الواقع الذي يعيش فيه، لذلك لا ينتقد ولا يثور. أما أنا فقد كنت واضحًا وصريحًا وجريئًا، فكتبت عن الجنس حين أحسست أن عندي ما أكتبه عنه سواء عند الطبقة المتوسطة أو الطبقات الشعبية، دون أن أسعى لمجاملة طبقة على حساب طبقة أخرى".
كما أن الرئيس المصري السابق جمال عبدالناصر قد اعترض على روايته "البنات والصيف"، والتي وصف فيها حالات الجنس بين الرجال والنساء في فترة إجازات الصيف، ولكنه لم يهتم لذلك بل وأرسل رسالة إلى جمال عبدالناصر، يبين له فيها أن قصصه هذه من وحي الواقع بل أن الواقع أقبح من ذلك.
وكذلك رصدت كتابات عبدالقدوس الحياة الاجتماعية للأبطال التي تبرز الخير والشر في الشخصيات على حد سواء، والصراع الدائر والدائم بينهما في النفس الإنسانية، وهو ما يتضح في أفلام "أين عمري" 1956، "الوسادة الخالية" 1957، "لا أنام" 1957، "الطريق المسدود" 1958، "البنات والصيف" 1960، "النظارة السوداء" 1963، "هي والرجال" 1965، وأعمال أخرى عديدة.
أحسان عبدالقدوس والسينما 
كان لأحسان عبد القدوس دور بارز في صناعة السينما ليس فقط عن طريق الأفلام التي أعدت عن قصصه ورواياته، ولكن بالتي شارك في كتابة السيناريو والحوار للكثير منها، فقد كان على النقيض من الأديب نجيب محفوظ، فهو لم يكن يؤمن بأن صاحب العمل الأدبي الأصلي لا علاقة له بالفيلم أو المسرحية التي تعد من عمله الأدبي. فقد شارك في صياغه وكتابة حوار العديد من الأفلام مثل فيلم "لا تطفئ الشمس" للمخرج صلاح أبو سيف الذي كتب نص الحوار فيه، كما كتب الحوار أيضاً لفيلم "إمبراطورية ميم" الذي كانت قصته مكتوبة على أربعة أوراق فقط والذي أخرجه حسين كمال، كما شارك كذلك الكاتبين سعدالدين وهبة ويوسف فرنسيس في كتابة سيناريو فيلم "أبي فوق الشجرة".
يقول أحسان عبدالقدوس: "أما الممثلات اللاتي استطعن أن يجدن تمثيل شخصيات قصصي في مقدمتهن كانت فاتن حمامة. فقد استطاعت أن تصور خيالي عندما مثلت دور (نادية) في فيلم (لا أنام)، وعندما جسدت دور (فايزة) في فيلم (الطريق المسدود).
وتقول بطلة فلم "أنا حرة"  لبني عبدالعزيز: إن شخصية الفتاة المتمردة التي قدمتها في الفيلم مستوحاة من شخصيتها. وتستطرد قائلة في كتاب «نجوم لا يعرفها أحد» للكاتب مصطفي ياسين، إنها بدأت تختلف مع والدتها خلال مرحلة المراهقة، ويصبح لها آراء ومواقف ووجهات نظر في كل شيء حولها، وكانت تشعر بأن والدتها ضدها على طول الخط، ولم تعجب الأم بأفكار ابنتها التي كانت ضدها. وكان والدها يحاول أن يقف في صفها في صراعها مع والدتها. 

وتواصل لبني كلامها قائلة: "أذكر أن الكاتب الكبير أحسان عبدالقدوس قال لي: أنا كتبت رواية «أنا حرة» بعد أن استوحيت ملامحها وشخصية البطلة منك. فقد كان أحسان صديقا لوالدي وجارا لنا في حي جاردن سيتي، وعاصر إصراري على رفضي كلية الآداب ورغبتي في الالتحاق بالجامعة الأميركية، لأن الدارسين بها عددهم قليل وشهادتها غير معترف بها.
من أشهر المقدمات التي كتبها في رواياته
"الخطيئة لا تولد معنا ولكن المجتمع يدفعنا إليها" عن رواية "الطريق المسدود".
"أسألوا الظروف لاتسألوا الناس ".
"في حياة كل منا وهم كبير يسمى الحب الأول" عن رواية "الوسادة الخالية ".
تم تكريم الكاتب في مرات عديدة حيث منحه الرئيس المصري الأسبق جمال عبدالناصر وسام الاستحقاق من الدرجة الأولى. وكذلك منحه الرئيس المصري السابق محمد حسني مبارك وسام الجمهورية. وحصل على جائزة الدولة التقديرية في الآداب سنة 1989. وجائزة أحسن قصة فيلم عن روايته "الرصاصة لا تزال في جيبي".
توفي كاتب الحب والحرية في 12 يناير/كانون الثاني 1990 ولازلنا نستمتع بقراءة أعماله وبمشاهدة الأفلام السينمائية والمسلسلات المقتبسة من قصصه. وعلى الرغم من مرور 101 عام على وفاته فإننا لا نستطيع أن نتخيل كاتب الحب والحرية رجلا كبر بالسن وتوفي، وكان يعيش في زمن غير زمننا مع جيل غير جيلنا، فهو حاضر في كتاباته التي تخاطب جيلنا والأجيال القادمة، ويمتلك قاعدة عريضة من القراء الشباب في الوطن العربي.