في ضرورة التحرر من نكبة الوهم والاستسلام للصهيونية

الشعب الفلسطيني يقف خلف من يتحدى ويتصدى للعدو.


يجب التخلّي عن الوهم المتمثّل في أسطرة إسرائيل كقوة لا تُهزم


الفلسطينيون اليوم يَعتبرون الفدائي الممثل الشرعي لجوهرهم الأصيل


كلما خاض الفلسطيني نضالًا واقترب شعوره من النصر، تسرق واشنطن والغرب نصره وتحوّله إلى هزيمة

ثمّة خبران، يُشير الأول إلى أنّ وزير الخارجية الصيني صرّح بأنّه "لا يُمكن وقف دوّامة العنف إلا بإيجاد حل جذري للقضية الفلسطينية"، بينما يُخبرنا الثاني بأنّ الاتحاد الأوروبي أكد على أنه "سيبحث كيفية المساهمة في إنهاء دوّامة العنف الحالية". يمنحنا هذان الموقفان رؤية حقيقية حول مقاربات دول العالم للقضية الفلسطينية، كونها تشبه إلى حدٍ كبير مواقف الأطراف الفلسطينية، والعربية أيضًا، فبعضهم يرى المشكلة في الصهاينة ووجودهم، وآخرون يرون أن المشكلة تتمثل في حماس والمقاومة، وبين هذا وذاك، هناك مواقف ومقاربات مختلفة ومختلطة.

لكن في حقيقة الأمر، وكلما اقترب الشعب الفلسطيني من إعادة تشكيل وعي العالم بأنّ المشكلة الحقيقة تكمن في الوجود الصهيوني والأيديولوجيا الصهيونية على أرض فلسطين – كل فلسطين؛ من رأس الناقورة وحتى أم الرشراش – نجد الولايات المتحدة؛ حُكامًا ولوبيات، تتصدى لأي محاولة لإدانة الكيان الصهيوني أو تقريب نهاية أجله. بل حتى أنها تسعى جاهدةً ومستنفرة كل أدواتها؛ إعلامًا ودبلوماسيين، لجعل ذلك يبدو بعيد المنال، إذا لم نقل مستحيلًا. يُضاف إلى أدواتها المباشرة، استخدام أدواتها في منطقتنا؛ من عملاء ورؤساء وأجهزة مخابرات ودعاية سوداء على رأسها التطبيع المذل لبعض العرب، وهو خنجر مسموم يؤسس للهزيمة العربية حاضرًا ودينًا وروايةً، حيث يؤدي إلى إحباط النفوس، وهزيمة الوعي الجمعي الناهض.

إنّ الوجود الصهيوني، وكما تبيّن خلال الثلاثة والسبعين عامًا الماضية، يُمثّل جريمة مكتملة الأركان. فلا تمر بضع سنين إلا ويُهاجِم شعب فلسطين الأعزل استيطانًا أو عدوانًا، وإذا لم يهاجم الفلسطيني (و"إذا" هذه من باب أن الفعل قد يصبح في الخارج أكبر)، فإنه يقوم بمهاجمة بلد أو هدف لشعب عربي أو مسلم شقيق مجاور، كما يفعل مع سوريا وإيران وقبلهما العراق. وكلما خاض الفلسطيني نضالًا واقترب شعوره من النصر والحصول على حقوقه غير القابلة للتصرف بالعودة وتقرير المصير، ويُصبح قاب قوسين أو أدنى بفضل مقاومته وصموده والتفاف شعوب العالم حوله، تسرق الولايات المتحدة وحليفاتها الغربية نصره وتحوّله إلى هزيمة وآلام لمدة طويلة، محاولةً كي وعيه بأنه ضعيف أمام الصهيونية، وعليه التسليم بالهزيمة.

ونرى هذا في عام 2021 مع الأحداث الحالية، فبعد صمود المقاومة في غزة، وانتفاضة الداخل المحتل وانتفاضة القدس المتزامنتين مع هبة الضفة الغربية التي تأخرت قليلًا، ظهر أصل المسألة وجذورها المتمثلة بإنشاء الكيان الصهيوني عام 1948، وما رافقه من تهجير ولحقه من استيطان وإحلال، يتم التركيز على قضايا صغيرة هامشية حلها أو تسكينها يُبقي الملف الفلسطيني مفتوحًا بكل صفحاته ومُرشحًا للتصعيد مرةً أخرى. إن المسكنات الآنية لن تغلق الملف الفلسطيني، بل ستزيد من حالة الصراع أمدًا آخر، فربما تستطيع بعض المبادرات والإلهاءات الدولية تجميده أعوامًا أخرى، لكنها لن تطول، إذ سيعود له الوعي مرّة أخرى وينفجر.

وعليه، في هذه المرحلة من النهوض الفلسطيني العام، على العرب ومن يُمثّل الشعب الفلسطيني مهما كانت صفته أو مدى شرعيته، الخروج من حالة المراوحة في الحاضر، والذهاب إلى الأصول في البحث عن حلٍ جذري للقضية الفلسطينية يستندُ إلى قاعدة دولة فلسطينية على كامل فلسطين الانتدابية؛ دولة عدل ومساواة دون تفرقة دينية أو عنصرية أو قومية، محاكاةً لنموذج جنوب أفريقيا. هذا هو الحل الوحيد، أما إعادة إنتاج نفس العناوين السابقة مثل حل الدولتين، أو إبقاء الوضع الراهن، فهو مهزلة واستخفاف وهدر للدماء وتدمير للإنجازات التي تحققت بفعل العمل المقاوم. وما سلوك هذا الطريق المُجرب مرةً تلو الأخرى إلا التفاف على الإرادة الشعبية ومحاولة لوأدها، كما حصل بعد انتفاضة العام 2000.

وما القانون الدولي، وما يسمى شرعية دولية، إلا ملهاة لتضييع القضية، لذلك يجب عدم الذهاب إلى القرار المسخ رقم 242 الصادر عن مجلس الأمن الدولي عام 1967، والذي تحوّل مع اتفاق أوسلو إلى قيدٍ يُدمر الانتماء الفلسطيني الشامل، مراعاةً لما تريده أوروبا وما يسمى المجتمع الدولي الذي جرت صهينته كي يقبل بطرد شعب وإحلال آخر غريب مكانه، بالحديث الجزئي عن صراع حدود وسيادة ودولة مسخ لم تتحقق ولن تتحقق قريبًا أيضًا بعد خمسة وعشرين عامًا من المفاوضات العبثية، التي شملت تنازلات مؤلمة وصلت حد التنازل عن ثمانية وسبعين في المئة من أرض فلسطين الانتدابية، وقبول فلسطيني (قيادي) بحق إسرائيل في الوجود على أرض فلسطين، مقابل اعتراف بسلطة إدارة مدنية هزيلة مرتبطة بالاحتلال وتُنسّق معه، وترك الكلي الذي هو جذر الصراع المُتمثل بالصهيونية ومقاومتها بوصفها أيديولوجيا عنصرية استعمارية إحلالية تعيثُ فسادًا في الأرض.

لذلك، وحتى لا يُلدغ الفلسطيني من الجحر ذاته مرةً أخرى، من المفترض في حال حدثت مفاوضات مستقبلًا، أن يكون المفاوض شابًا مقاتلًا وطنيًا، يتجاوز صيغ أوسلو وقرار 242 الذي يخص دول طوق فلسطين (سوريا ومصر والأردن تحديدًا)، ولا يخص الفلسطيني إلا فيما يتعلق بعودة اللاجئين إلى ديارهم. المقاتلون، بصرف النظرِ عن أداتهم؛ سلاحًا أو حجرًا أو كتابة وطنية، هم وحدهم من يحق لهم التفاوض كونهم يملكون روحًا جامحة غير مدجنة ومهزومة ولا يائسة، بل مشحونة بالأمل والعزيمة.

الفلسطينيون اليوم، وفق كل القراءات والمعطيات، يَعتبرون الفدائي الممثل الشرعي المعبر عن جوهرهم الأصيل، وهذا ما أثبتته الأيام الماضية في أن الشعب الفلسطيني يقف خلف من يتحدى ويتصدى للعدو. لذلك وإجابةً على سؤال ما العمل، يجب إعادة بوصلة التحرير والعمل الفدائي كجوهر وهدف لمنظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، وإلا سيتجاوزها الواقع الذي يتبلور يومًا تلو الآخر فلسطينيًا.

قد تنتهي المعركة بطابعها المسلح في قطاع غزة خلال ساعات أو أيام، لكن ذلك سيكون البداية؛ بداية جني الثمار بعد هذا الصمود الأسطوري والقتال المشرف، وبعد إعادة الروح الوطنية والأمل بالتحرير والعودة إلى كل القرى والمدن التي هُجّر منها أبناء فلسطين عام 1948.

لقد تعلّم الفلسطينيون درسًا بأن المفاوضات ليست خيارًا، ما لم تُدعّم بالمقاومة المستمرة وبكافة أشكال النضال، وتعلموا أنه ما لم يكن هناك برنامجًا وطنيًا وهدفًا شاملًا يُعيد القضية إلى جوهرها كصراع وجود لا حدود، فإن الصراع سيكون في غير محله. لذلك يجب التخلّي عن الوهم المتمثّل في أسطرة "إسرائيل" كقوة لا تُهزم، والتركيز على صناعة الأمل والنصر والتحرير والعودة، وكل ذلك لا يتأتى إلا بعبارة "ع القدس رايحين.. شهداء بالملايين"، فالعدو الصهيوني لا يفهم إلا لغة القوة، والقوة وحدها وبكافة درجاتها من ناعمة إلى خشنة وحتى القاتلة كرد على الإجرام الصهيوني، هي الخيار الوحيد القادر على إحداث التغيير والتقريب من النصر، الذي لن يتحقق إلا بهزيمة الأيديولوجيا الصهيونية.