قراءة في معرض 'أطوار' لمحمد عبدالسلام

عودة عبدالسلام إلى الساحة التشكيلية تمثل دعوة للتحليق، ومشاهدة مشهد بصري ممتد يلخّص تحولات الإنسان وصراعاته النفسية.

يعود عبدالسلام إلى الساحة التشكيلية بمعرضه الجديد "أطوار" بمتحف محمود مختار. هذه العودة، مع بداية العام، ليست مجرد عرض لوحات فقط، بل هي دعوة للتحليق، ومشاهدة مشهد بصري ممتد يلخّص تحولات الإنسان وصراعاته النفسية.

استلهم الفنان فكرة المعرض من الآية الكريمة: "وقد خلقكم أطواراً"، لكنه لم يكتفِ بالتفسير المادي للنمو والتطور، بل انتقل بنا إلى "أطوار الإدراك والفهم"، لأن الإنسان في لوحاته ليس كائناً جامداً ثابتاً، بل هو في حالة تطور وتغيّر مستمر.

ومن هنا انتقل الفنان من تصوير الأماكن (كما في معرضه السابق "بقايا موطن أزرق") إلى تصوير الإنسان والكائنات من الداخل، وكأن اللوحة أصبحت مجهراً يكشف العمق أو ما تحت السطح.

يقدم عبدالسلام مفهوماً بصرياً معاصراً، حيث يظهر أبطال لوحاته بأعين مضاعفة: عين تنظر إلى الخارج، ترصد الجسد والواقع المادي، وعين تنظر إلى الداخل، تبحث عن الجوهر، والمشاعر، والحقيقة الغائبة.

الفنان هنا يرسم "خريطة عصبية" للمشاعر، حيث تحلّ الخطوط والألوان محلّ الأسلاك والدوائر الكهربائية، لتربط بين أسطورة اللوحة وعقل المشاهد.

استخدم الفنان 51 لوحة فنية ليعبّر عن صراعاتنا النفسية بأسلوب يمزج بين الخيال والواقع.

اللون الأخضر والأحمر: صراع بين النمو الفطري الهادئ (الأخضر) والتوتر العاطفي المتفجّر (الأحمر).

فلسفة الأسود: في هذا المعرض، الأسود ليس لوناً كئيباً أو مكاناً مظلماً، بل هو "رحم" يولد منه الضوء.

يطرح الفنان رؤيته الخاصة؛ فالشر ليس مطلقاً، وكذلك الخير، مما يعلّمنا أن الحياة مليئة بالمناطق الرمادية والمساحات المشتركة المتداخلة.

وباعتباره أديباً وله 12 إصداراً بين الرواية والقصة والشعر، فإن لوحاته منظّمة كفصول الرواية، سهلة الاستيعاب رغم عمقها. لقد استطاع التحرر من التقليدي والسائد؛ ليخلق سريالية خاصة به تشبهه، متأثراً بالقصص القرآني، والحكايات الشعبية، والأساطير القديمة.

معرض "أطوار" ليس للمشاهدة فقط، بل هو رحلة، يثبت فيها عبدالسلام أن الفن الحقيقي هو الذي يقرأ التاريخ جيداً ليعيد كتابته المعاصرة، ويستشرف به المستقبل.