استعادة الإبداع البشري بين الرقمنة والأنسنة

قراءة نقدية في تزييف الوعي وتحول الإبداع إلى منتج خوارزمي.

نعيش اليوم تحوّلًا دراميًا في طبيعة التأثير؛ فبعد أن كان الإنسان المبدع في مجاله ومهنته، سواء كانت مهنًا وعلومًا إنسانية أو تقنية تطبيقية، قمةً شاهقة لا يبلغها إلا أصحاب المواهب الفذّة، انهار ذلك الجدار واختلط بزحام الرقمنة والذكاء الاصطناعي.

لم يعد الخطر في فقد الإبداع فحسب، بل في تحوّل الإنسان من باحث عن إبداع حقيقي يتطلب الجهد والفكر والمثابرة، إلى غارق في "أوهام" تمنحها إياه الشاشات، حيث استُبدل الإلهام والموهبة الأصيلة بومضات زائفة تشتعل وتنطفئ في ثوانٍ، تاركةً وراءها خواءً روحيًا وفراغًا قيميًا في عالم افتراضي.

تفاقمت هذه المعضلة بدخول الذكاء الاصطناعي، الذي لم يكتفِ بصناعة مبدعين وهميين، بل تجاوز ذلك إلى "تزييف الوعي" واغتيال الحقيقة ذاتها. لقد انتقلنا من مرحلة "صناعة الصورة" إلى مرحلة "تزوير الحقيقة"، حيث باتت الخوارزميات قادرة على محاكاة الإبداع البشري بدقة مذهلة، مما جعل الإنسان سجين "فقاعة رقمية" تعزل عقله عن الواقع المجرّد.

هذا التطور خلق جيلًا يواجه "الضمور الإدراكي"؛ إذ أصبح يستهلك محتوىً مُعدّلًا جينيًا ليتناسب مع أهوائه، ففقد القدرة على التفرقة بين الموهبة البشرية وبين النتائج الباردة للمعادلات الرياضية.

يكمن الفارق الجوهري بين الإبداع الطبيعي والذكاء الصناعي في "روح التجربة" وما فيها من خطأ وصدفة؛ فالإنسان يبدع من رحم المعاناة والسياق العاطفي والخطأ الجمالي الذي يمنح العمل الفني هويته، بينما يعيد الذكاء الاصطناعي تدوير الماضي في قوالب مثالية تفتقر إلى النبض والإحساس.

ولحماية الأجيال القادمة من هذا الاستلاب، تبرز الحاجة الملحّة إلى "حصانة رقمية" تبدأ من إدراج التربية الإعلامية في المناهج لتعليم الطلاب مهارات التفكير النقدي، وفرض تشريعات دولية تُلزم بوضع أوسمة وشارات رقمية تميّز المحتوى المصنوع آليًا، لضمان عدم اختلاط الزيف بالواقع.

إن استشراف المستقبل ينبئ بصراع وجودي بين "الرقمنة" و"الأنسنة"، حيث قد نصل إلى مرحلة الاندماج البيولوجي التقني، مما يجعل "الأصالة" هي العملة الأندر والأغلى في العالم. في ذلك الزمن، لن تُقاس قيمة الإنسان بقدرته على التنفيذ، بل بامتلاكه "الرؤية والحكمة" التي تعجز الآلة عن محاكاتها. إننا أمام تحدٍّ لتعريف معنى أن نكون بشرًا، مما يتطلب استعادة "عضلة التفكير المستقل" قبل أن تتحول عقولنا إلى مجرد ملحقات برمجية في منظومة ربحية كبرى.

ختامًا، إن معالجة "انهيار الإبداع البشري" وتزييف الوعي تبدأ من العودة إلى الذات وتقدير الجهد الإنساني الخالص. إن الذكاء الاصطناعي يجب أن يظل أداة، مرآةً تعكس قدراتنا لا بديلًا يلغي هويتنا، والنجاح الحقيقي في المرحلة القادمة لن يكون في عدد المتابعين أو مهارة استخدام الأدوات، بل في القدرة على البقاء "إنسانًا" يملك قلبًا يشعر وعقلًا يحلّل، في عالم يحاول بكل قوته أن يحوّلنا إلى مجرد أرقام في فضاء افتراضي لا يشعر ولا يرحم.