قرقاش: عدوان إيران الارهابي على محطة براكة لن يلوي ذراع الامارات
أبوظبي - شدد أنور قرقاش المستشار الدبلوماسي للرئيس الإماراتي الأحد على أنه "لن يلوي أحد ذراع الإمارات، ولن ينجح في تقويض رؤيتها ونجاحها ورسالتها الملهمة لشعوب المنطقة في الأمن والاستقرار والتنمية والازدهار"، واصفا استهداف محطة براكة للطاقة النووية بإمارة أبو ظبي، بأنه عمل "إرهابي" و"تصعيد خطير يخرق كافة القوانين والأعراف الدولية"، مضيفا في تغريدة على حسابه بمنصة أكس أن "هذا التصعيد المحظور يأتي ليؤكد مجددا طبيعة التحديات التي تواجهها المنطقة في مواجهة قوى الشر والفوضى والتخريب".
وتعكس تأكيدات قرقاش جملة من الرسائل السياسية والأمنية التي تتجاوز مجرد الإدانة المباشرة للهجوم، إذ تكشف عن توجه إماراتي واضح نحو تثبيت معادلة الردع السياسي والمعنوي في مواجهة أي محاولات لاستهداف نموذج الدولة الإماراتية أو التأثير على مكانتها الإقليمية.
فتشديد المسؤول الإماراتي الكبير على عدم القدرة على "ليّ ذراع" بلاده يظهر تماسك الدولة وثقتها بقدرتها على تجاوز الضغوط والتحديات، خصوصا أن استهداف منشأة نووية حساسة كان من الممكن أن يثير مخاوف واسعة على المستويين الداخلي والدولي، وهو استهداف يرسخ أيضا الطابع الإرهابي للعدوان الإيراني.
كما أن ربط الهجوم بمحاولة تقويض "الرؤية" الإماراتية يضع الحادثة في إطار أوسع من البعد العسكري أو الأمني المباشر، ليحولها إلى صراع بين مشروعين متناقضين في المنطقة: مشروع يقوم على الاستقرار والتنمية والانفتاح الاقتصادي، وآخر يرتبط بمنطق التصعيد والفوضى واستخدام أدوات الضغط العسكري وهذه المقاربة تمنح الخطاب الإماراتي بعدا سياسيا وأيديولوجيا يتجاوز حدود الواقعة نفسها.
ومن اللافت أيضا أن التصريحات حملت رسائل موجهة إلى المجتمع الدولي بقدر ما هي موجهة إلى الداخل والخارج الإقليمي، فاستهداف منشأة نووية مدنية يعد من أخطر أشكال التصعيد وفق الأعراف الدولية، ولذلك فإن توصيف الحادثة بهذه اللغة يشير إلى محاولة إماراتية لحشد موقف دولي متضامن، خاصة أن أي تهديد لمنشآت الطاقة النووية يثير حساسيات عالمية مرتبطة بالأمن البيئي والإشعاعي وأمن الطاقة.
وفي المقابل، فإن تأكيد عدم وقوع أضرار أو تأثيرات تشغيلية يعكس حرص أبوظبي على امتصاص أي ارتدادات نفسية أو اقتصادية محتملة، سواء على مستوى الأسواق أو ثقة المستثمرين أو الرأي العام الداخلي، فالإمارات تدرك أن صورة الاستقرار تمثل أحد أهم عناصر قوتها الناعمة، ولذلك جاء التركيز على كفاءة الأنظمة الوقائية وقدرة المؤسسات على التعامل مع الحادثة كرسالة طمأنة مدروسة، مفادها أن الدولة قادرة على حماية بنيتها التحتية الحيوية حتى في ظل التهديدات المعقدة.
وتكشف هذه التصريحات أيضا عن تحول متزايد في طبيعة التهديدات التي تواجهها دول الخليج، حيث لم تعد المواجهات التقليدية هي الخطر الوحيد، بل باتت المنشآت الاقتصادية والاستراتيجية الكبرى في صلب الصراعات الإقليمية، خصوصا مع تصاعد استخدام الطائرات المسيرة والصواريخ الدقيقة في النزاعات الحديثة. ومن هنا، فإن الحديث الإماراتي عن "قوى الفوضى والتخريب" يعكس قناعة بأن المنطقة دخلت مرحلة أكثر حساسية، تتداخل فيها الحسابات الأمنية مع الرسائل السياسية والاقتصادية بصورة غير مسبوقة.
وتبدو تصريحات قرقاش محاولة لرسم صورة مزدوجة: إظهار الحزم في مواجهة التهديدات، وفي الوقت نفسه تأكيد أن الإمارات ما زالت قادرة على الحفاظ على نموذجها القائم على الاستقرار والتنمية، رغم تصاعد التوترات الإقليمية. وكأن الرسالة الأساسية هنا أن استهداف المنشآت لا يعني بالضرورة نجاح استهداف الدولة أو مشروعها السياسي والاقتصادي.
لم يسفر العدوان الإيراني الذي استهدف محطة براكة للطاقة النووية في منطقة الظفرة عن أي أضرار، كما لم يؤثر على مستويات السلامة الإشعاعية أو على سير العمليات التشغيلية داخل المحطة. وأكدت الإمارات أن الأنظمة الوقائية وإجراءات الحماية المعتمدة تعاملت بكفاءة مع الحادثة.
وشددت أبوظبي على أن استهداف منشأة مرتبطة بقطاع الطاقة يمثل تصعيداً خطيراً واعتداءً على الأمن والاستقرار، لاسيما أن محطة براكة تعد من المشاريع الاستراتيجية التي ترتبط بأمن الطاقة والتنمية المستدامة في الدولة.
وذكر مسؤولون إماراتيون أنهم يحققون في مصدر الهجوم، وأضافوا أن الإمارات لها الحق الكامل في الرد على مثل هذه "الاعتداءات الإرهابية".
وتُظهر الحادثة مستوى عالياً من الجاهزية الأمنية والفنية للإمارات في التعامل مع أي تهديدات محتملة تستهدف منشآتها الحيوية والحساسة، وشدد المكتب الإعلامي في أبوظبي في بيان أن "الحريق لم يؤثر على سلامة المحطة، أو جاهزية أنظمتها الأساسية". حيث تمكنت فرق الطوارئ من احتواء الوضع بسرعة وكفاءة، وهو ما يعكس حجم الاستعدادات المسبقة التي وضعتها الدولة لحماية منشآتها الاستراتيجية.
وتحرص الإمارات على التعاون المستمر مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية والشركاء الدوليين لضمان سلامة المنشأة واستمرارية عملها حتى في الظروف الاستثنائية.
وفي هذا الإطار، أكدت الوكالة الدولية للطاقة الذرية الأحد إن الإمارات أبلغتها بأن مستويات الإشعاع في محطة براكة للطاقة النووية لا تزال ضمن المعدل الطبيعي، ولم يتم الإبلاغ عن أي إصابات بعد هجوم بطائرة مسيرة تسبب في حريق.
وأضافت الوكالة "نتابع الوضع عن كثب وعلى اتصال مستمر مع سلطات دولة الإمارات ومستعدون لتقديم المساعدة إذا لزم الأمر".
وتدرك الإمارات أن بنيتها التحتية الاقتصادية والطاقة والموانئ والمطارات تمثل أهدافاً محتملة في أي تصعيد إقليمي، لذلك عملت خلال السنوات الماضية على بناء منظومة دفاعية وأمنية متطورة تعتمد على التكنولوجيا الحديثة والتنسيق بين المؤسسات العسكرية والأمنية والمدنية.
وشملت هذه الإجراءات تعزيز أنظمة الدفاع الجوي والصاروخي القادرة على اعتراض الطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية، إلى جانب تطوير شبكات الرادار والإنذار المبكر وربطها بمنظومات مراقبة متقدمة تعمل على مدار الساعة لرصد أي تهديدات محتملة قبل وصولها إلى أهدافها.
كما كثفت الإمارات من إجراءات حماية المنشآت الحساسة، وعلى رأسها المنشآت النفطية ومحطات الطاقة والموانئ والمطارات، عبر إنشاء طبقات متعددة من الحماية الأمنية والإلكترونية، وإجراء تدريبات دورية تحاكي سيناريوهات الهجمات الجوية أو التخريبية، بما يضمن سرعة الاستجابة وتقليل الأضرار إلى أدنى حد ممكن.
وفي ملف الأمن النووي، تحظى محطة براكة بإجراءات حماية استثنائية تتوافق مع أعلى المعايير الدولية، سواء من ناحية التحصين الهندسي أو أنظمة الأمان والتبريد والطوارئ.
كما عززت الإمارات تعاونها الدفاعي مع حلفائها الدوليين، وخاصة الولايات المتحدة وفرنسا، في مجالات الدفاع الجوي والأمن البحري وحماية الممرات الاستراتيجية، إلى جانب الاستثمار في الصناعات الدفاعية المحلية وتطوير قدراتها في مجال الأمن السيبراني لمواجهة أي هجمات إلكترونية قد تستهدف البنية التحتية الحيوية.
ويرى مراقبون أن الرسالة الأبرز من سرعة احتواء الحادث الأخير هي أن الإمارات تمتلك قدرة متقدمة على إدارة الأزمات والتعامل مع التهديدات المعقدة، وأنها عملت خلال السنوات الماضية على بناء منظومة أمنية متكاملة لا تقتصر على الرد العسكري فقط، بل تشمل الوقاية والاستباق وحماية المنشآت الحيوية وضمان استمرارية الخدمات الأساسية حتى في أوقات الأزمات.
وفي ظل استمرار الاضطرابات ومعركة شد حبل المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، تظهر الإمارات حرصا على الموازنة بين تعزيز قدراتها الدفاعية والحفاظ على الاستقرار الاقتصادي وجذب الاستثمارات، من خلال التأكيد الدائم على أن أمن المنشآت الحيوية والطاقة والبنية التحتية يمثل أولوية وطنية لا يمكن التهاون فيها.
وكانت الإمارات ودول عربية أخرى تعرضت لهجمات إيرانية بعد الحرب التي شنتها عليها تل أبيب وواشنطن منذ 28 فبراير/ شباط الماضي. وقالت إيران حينها إنها استهدفت قواعد ومصالح أميركية في المنطقة، غير أن الكثير من هجماتها أصابت أهدافا مدنية وأسفرت عن قتلى وجرحى، وهو ما أدانته الدول المستهدفة وطالبت بوقفه.
وحتى بعد بدء سريان الهدنة الراهنة في 8 أبريل/نيسان الماضي، تعرضت الإمارات أكثر من مرة لهجمات بصواريخ ومسيرات، قالت إنها أُطلقت من إيران، بينما نفت الأخيرة ذلك.