"كانديد" .. غرائبية الرحلة وتحوّلات الرمز

شريف مليكة يستدعي شخصية بطل "فولتير" من رواية كتبت في القرن الثامن عشر، ويجعله جزءًا من عالم غرائبي تقع أحداثه في القرن الواحد والعشرين.


عتبات الرواية تحتضن التاريخي والأسطوري، الجنون والعقل، الإلهي والإنساني، وكأنها تشي بلا محدودية التأويل أو انفتاحه على هذه الاحتمالات كلها


كيف استعاد شريف مليكة شخصية "كانديد" في روايته؟ وما هي مقاصده؟ ما هي أهم الدلالات المتولدة عن هذا التناص مع رواية قديمة؟

لطالما كانت الأساطير القديمة والخرافات نبعا ملهما لكثير من الأدباء استلهموا منها حياة أبطالهم فأعادوا صياغة أحداثها وأعادوا نحتها من جديد ضمن رواية أو مسرحية أو رسم فني. وليست أنتقون ونرسيس وبجماليون وشهرزاد سوى عينات قليلة مما تفاعل معه الأدباء العرب وغيرهم واستلهموه في كتاباتهم لما جسدته هذه الشخصيات من قيم مجردة ومعان إنسانية وقيم، وما رمزت إليه من عمق إنساني، فاستعادة شخصية تاريخية أو أسطورية أو روائية وإعادة تشكيلها في أثر فني جديد ليس بالأمر النادر في الأدب العربي والغربي عموما.
وهي اللعبة التي مارسها الروائي المصري شريف مليكة بشكل جديد في روايته الأخيرة "البحث عن كانديد"، الصادرة عن دار غراب للنشر بالقاهرة، حين استدعى شخصية بطل "فولتير" من رواية كتبت في القرن الثامن عشر، وجعل "كانديد" جزءًا من عالم غرائبي تقع أحداثه في القرن الواحد والعشرين، حيث يسعى "أمير" بطل رواية مليكة إلى ملاقاة "كانديد" في شتى البلدان ويلهث هو وعدد من شخوص الرواية وراء سراب خلّب متقلب يتقفّون أثره فلا يمسكون به. 
كيف استعاد شريف مليكة شخصية "كانديد" في روايته؟ وما هي مقاصده؟ ما هي أهم الدلالات المتولدة عن هذا التناص مع رواية قديمة؟
يمكن أن نقرأ في عتبات الرواية بعض ما يهيئ المتلقي لتوليد المعاني من ذلك إيحاءات العنوان بأننا سنكون إزاء عملية "بحث" قد يكون بوليسيًا أو فكريًا فلسفيًا.

كأن الكاتب شريف مليكة يخاتل القارئ أو يريده أن يواصل رحلة البحث عن كانديد.. أو أن يتيه بين هذه المتناقضات ليعيد طرح السؤال بنفسه: أين الحقيقة؟ 

أما "كانديد" الاسم والعلامة فقد اقترن في ذاكرة القارئ المطلع على الأدب الفرنسي بمعاني البراءة والطهر وهو ما ستكشفه الرواية لاحقًا. وتتكفل المناصات التي تنفتح بها الرواية بتوجيه القارئ إلى أهمية البعد الفكري الفلسفي الذي سيكون خلفية للأحداث "هناك حقائق ليست لكل الناس أو لكل الأزمنة".
بل إن عتبات الرواية ستحتضن التاريخي والأسطوري، الجنون والعقل، الإلهي والإنساني، وكأنها تشي بلا محدودية التأويل أو انفتاحه على هذه الاحتمالات كلها.
ويضيف "التمهيد" الذي صاغه الكاتب لروايته توضيحًا آخر لسياقات الحكي، سواء عبر جمله الافتتاحية (ص25) أو عبر متنه السردي، في رمزية شفّافة نفهم منها أن البناية الشامخة التي يقطنها الراوي ويروي تاريخها ليست سوى رمز لتاريخ مصر مختزلًا، وأن الوقائع لن تكون بعيدة عن أيام ثورة  25 يناير 2011 وما تبعها من تحولات. فهل سيكون البحث عن كانديد في رواية مليكة مرتبطًا بسياق تحولات عاشها المجتمع المصري بعد هذه الثورة؟
تنطلق أحداث الرواية على لسان راوٍ بضمير المتكلم "عاطف" يسرد قصته مع "أمير" انطلاقًا من بداية التعارف بينهما، وتتنزل الحكاية في سياق مرجعي تاريخي هو بداية ثورة 25 يناير 2011 في مصر. وبذلك يدرك القارئ أن "أمير" هذا مريض "يعاني من رؤية خيالات وهمية"، وهو مرض نفسي يدفعه أحيانًا كثيرة إلى اختلاق حكايات لم تقع. ويتهيأ المتلقي لولوج عوالم "أمير" الغرائبية، لا في مستوى الأحداث التي يعيشها فقط، بل في مستوى الحكي عمومًا. وهذه الغرابة قد عاشها الراوي "عاطف" أيضًا في حياته الخاصة إذ أوحت له تهيؤاته أن زوجته المتوفاة تخاطبه (بعد خروجها من إطار الصورة). تلتقي الشخصيتان إذن: "الراوي" و"أمير" في توليد عالم غريب، وإن بدرجات متفاوتة. إذ تمثل التهيؤات والأوهام حالة دائمة عند "أمير" (قبل علاجه)، وهي عرضية عند الراوي، غير أنها تعد المتلقي لقبول هذا العالم الغرائبي حيث يمكم أن تنتقل الشخصية من رواية فرنسية إلى الواقع المحسوس (اللقاء بكانديد ورؤيته) وتحافظ على نفس صفاتها التي رسمت بها في الأثر. 
تنطلق إذن رحلة البحث عن "البراءة" المفقودة هروبًا من سواد العالم وفساده وقذارته. نقاط عديدة تجمع "أمير" بـ "كانديد"، وتبرر اختيار هذه الشخصية الخيالية واستعادتها. هي نقاط يوضحها الكاتب في طيات الحوار ولحظات التفاعل بين الشخصيات. 
تقول "سيسي" المرأة الضريرة ذات البصيرة العالية (ص 175): "ألا ترى وجه الشبه بين عصرنا والعالم في زمن كانديد الأول عند منتصف القرن الثامن عشر، من تحارب وتشرذم وتباه من قبل الإنسان حيال الآخر وانعدام الثقة بين الناس، والشر بشكل عام، والذي أدّى بكانديد إلى أن تتلاطمه أمواج العالم وقتها، من شرقه إلى غربه، حتى وصل أخيرًا إلى مزرعته تلك؟"  

Candide
الاسم والعلامة 

هي رحلة بحث عن قيمة نادرة "البراءة" أو عن لحظة الخلق الأولى سيخوضها "أمير" و"عاطف" و"زياد" ومجموعة أخرى من الشخصيات التي انضمت إلى مشروع "أمير" في رحلته شرقًا وغربًا. غير أن هذه القيمة التي ارتبطت بكانديد فولتير ستتحول في رواية "مليكة" إلى قيمة جديدة هي "التسامح" يجسدها السؤال الذي يردده كانديد مليكة في كل مكان يزوره ويلقيه على كل من يتصل بهم ،سؤال: "الإيمان الحقيقي والمؤمنون الحقيقيون".
وبذلك نشهد تحولًا في رمزية الشخصية التي استعادها "مليكة" من رواية قديمة، حيث يبدو موضوع الصراعات الدينية التي عاشها العالم في كل العصور، وزادت حدتها في العالم العربي، وفي مصر خاصة، بعد قيام الثورات العربية مهيمنًا ومحركًا أساسيًا للأحداث في الرواية. فلم يعد سؤال البراءة والطهر هو الهاجس، بل سؤال الدين والإيمان وما يترتب عنه من سلوكات وعلاقات بين البشر ومواقف تجاه الآخر المختلف. وهو السؤال الذي هيأ له الكاتب شريف مليكة في بداية الرواية باستحضار أهم محطات ثورة يناير في مصر، وتحول شعاراتها من: "الشعب يريد إسقاط النظام" و"تغيير.. حرية.. عدالة اجتماعية.." إلى شعار "إسلامية.. إسلامية" كما هيّأ القارئ لفهم هذا التحول في القيم عند تعرضه لظاهرة العداء الديني عبر إشعال النار في الكنائس قبل "استعادة البلد من قبضة الإخوان المسلمين". 
على أن الراوي سرعان ما سينشغل عن هذه الأحداث المهمة وعن رصد تحولات المجتمع المصري بعد الثورة بسرد حكاية "أمير" وقصة بحثه عن "كانديد". أو برسم حلم شاب بتغيير العالم وإن بشكل فردي. هل هو تواصل النفس الثوري بشكل رمزي؟ هل هو البحث عن الأمل الهارب دومًا وعن تغيير ممكن يطل أحيانًا ويختفي أخرى؟
صحيح أن مجموعة من الشخصيات ستنضم إلى مشروع "أمير" وحلمه وقد ضمنت بعض التنوع النسبي في سماتها وانتماءاتها، غير أن مشروع الجماعة وإن امتد في الزمان والمكان (جولات في شتى بقاع العالم قبل العودة إلى مصر) قد أخفق مرة أخرى وأفلت "كانديد" من أيديهم مرارًا، فبدا وهما عابرًا أو سرابًا خلبًا.
ويتواصل وهم القارئ والشخصيات مجددًا في نهاية الرواية حين يشكك رجل الأمن (المخابرات) الذي التقى أميرًا ومجموعته في مصر في الحكاية كلها. فإذا "كانديد" موضع متابعة من رجال الأمن وهو متهم في نظرهم "بتشكيك الناس في صحة إيمانهم" أي بتكفيرهم. وهو في ذلك يلتقي مع دولة داعش وجماعتها. بل إن التهمة تصل إلى الربط بين البلدان التي زارها "كانديد" والعمليات الإرهابية التي وقعت فيها.. مما يجعل جهاز الأمن الوطني المصري يتابع تحركاته.
تتفاقم الغرائبية وتصل حد العجيب. حد عدم التمييز بين الممكن منطقيًا وواقعيًا وغير الممكن. بل تتخذ الرواية بذلك منحى البحث البوليسي. لذا لا يسع الراوي إلا أن يصرخ بعد هذا "أسقط في أيدينا .. ما كل هذا الهزل؟" وهو ما يولد أيضًا حالة هستيرية عند "أمير". لنتذكر أنه لم يشف بعد من مرض الوهم والتهيؤات التي كان يعيشها. ويبقى المتلقي في حيرة من أمره. من نصدّق؟؟ حكاية الراوي أم حكاية رجل الاستخبارات؟ هل ما زال "كانديد" رمزًا للبراءة بعد هذا، أم شابته هو أيضًا لوثة العصر وجنونه؟ هل أضحى فعلًا رمزًا للتكفير والإرهاب؟
تبدو شخصية "كانديد" إذن متحولة في رمزيتها إذ تحولت من مثال البراءة حد السذاجة في رواية فولتير إلى مثال التسامح في بعده الكوني في رواية شريف مليكة حين يبحث في رحلاته عن الإيمان الحقيقي ذاك الذي يسمح بالتعايش بين كل الأديان ويمكن أن يخلص العالم من شر الإرهاب. لكنه يغدو في نهاية الرحلة متهمًا بالتورط في تدبير عمليات إرهابية حسب ما صرح به رجل الأمن، أي أنه أضحى رمزًا للإرهاب في شكله المتقلب المخاتل.
غرائبية الرحلة إذن تتجاوز حدود استعادة بطل رواية قديمة وإدراجه في واقع تخييلي جديد إلى توليد دلالات متنافرة وغريبة للشخصية الواحدة، وتحويل رمزيتها. وكأن الكاتب شريف مليكة يخاتل القارئ أو يريده أن يواصل رحلة البحث عن كانديد.. أو أن يتيه بين هذه المتناقضات ليعيد طرح السؤال بنفسه: أين الحقيقة؟