كركوك قلب كردستان: سردية شعب بين التاريخ والصراع والتحولات

كركوك مدينة مركزية في معادلة الاستقرار، ومفتاح لأي مستقبل عراقي عادل يضع الناس قبل النفط، والذاكرة قبل السياسة.

تبدو كركوك مدينة تُشعل في الذاكرة نارًا لا تنطفئ. مدينةٌ أكبر من حجارتها، وأثقل من صمتها، تعيش منذ أكثر من قرن في قلب معركةٍ بين من يريد أن يكتب تاريخها كما هو، ومن يريد أن يعيد كتابته كما يشتهي. ورغم كل ما مرَّ عليها من تغييرات سياسية وقسرية، ظلّت كركوك تحمل ملامحها الكردية العميقة، وتتمسّك بوجدانها القديم الذي حفظته الحكايات قبل أن تحفظه الوثائق.

منذ عام 2003، كان واضحًا أن العراق يدخل مرحلة انتقالية معقدة ستعيد تركيب علاقات القوة والهوية. وفي هذا المشهد المتشابك، كانت كركوك الأكثر تعرضًا للاهتزاز، لأنها تمثّل نقطة التقاء كل التناقضات العراقية: النفط والسياسة والذاكرة والهوية.

بالنسبة للكرد، لم تكن كركوك مدينةً فحسب، بل كانت رمزًا لامتدادهم الطبيعي نحو الجنوب، ومركزًا اقتصاديًا وتاريخيًا ظلّ جزءًا من روحهم منذ قرون.

وعندما أعادت وثائق التاريخ فتح أبوابها، بدا واضحًا أن جذور كركوك أبعد من كل النزاعات الحديثة. فالتعداد العثماني لعام 1898 — وهو من أهم السالنامات التي وثّقت سكان المدينة — أظهر بوضوح الغالبية الكردية في كركوك المدينة وقصباتها، مع حضور تركماني وعربي أقل، لكن مع توازن اجتماعي كان يعيش دون اضطراب. لم تكن كركوك حينها ساحة صراع، بل

بالنسبة للكرد، لم تكن كركوك مدينةً فحسب، بل كانت رمزًا لامتدادهم الطبيعي نحو الجنوب

فسيفساء تستند إلى قاعدة كردية راسخة، تعيش معها المكونات الأخرى في ظل توازن اقتصادي وعشائري واضح.

ثم جاء تعداد عام 1957 — وهو آخر تعداد عراقي موثوق وغير مسيّس — ليؤكد مرة أخرى الصورة ذاتها: الكرد شكّلوا الشريحة الأكبر من سكان محافظة كركوك، يليهم التركمان، ثم العرب. هذا التعداد كان يصعب الطعن فيه لأنه سبق سياسات التعريب الواسعة، وقبل أن تتحول كركوك إلى عنوان للنزاع. لهذا السبب يتمسّك به الباحثون كمرجع ديموغرافي نهائي يحدد هوية المدينة قبل أن تُصبغ سياسياً لاحقًا.

بعد 2003، ومع الانهيار الكامل لمنظومة التعريب القسري، عادت المدينة لتلتقط أنفاسها. عاد كثير من الكرد إلى بيوتهم، تعافت الروح القديمة نسبيًا، وبدأت القوى السياسية في بغداد وأربيل مفاوضات شاقة حول مستقبل المدينة، لكنها لم تكن خالية من التوتر. وكانت السنوات بين 2006 و2014 صعبة، إذ تحاول كل جهة رسم مستقبل كركوك عبر الواقع على الأرض.

ثم جاءت مرحلة 2014 وما بعدها، عندما انهار الجيش العراقي أمام هجمات داعش، فتقدمت قوات البيشمركة لتحمي كركوك من السقوط. لم يكن ذلك موقفًا عابرًا، بل امتدادًا لطبيعة المدينة التي طالما وجدت أمانها في كردستان. وقد عبّر الكثير من الكتاب حينها عن حقيقة شعورية تداولها سكانها: حين يحدث الخطر، يهرب الجميع نحو الشمال، نحو المدن الكردية، حيث يجدون الأمان بعيدًا عن ضجيج الميليشيات والصراعات.

وفي عام 2017، جاءت واحدة من أعقد اللحظات التاريخية. الاستفتاء في إقليم كردستان وما صدر بعده من إجراءات حكومية وعسكرية أدى إلى تغيير ميزان القوة في كركوك، ودخول الحشد الشعبي إليها. ومنذ تلك اللحظة عاشت المدينة قلقًا جديدًا؛ ليست لأنها فقدت خصوصيتها فحسب، بل لأن الخط الفاصل بينها وبين أربيل أصبح مشوبًا بالمخاوف، بينما بقيت روح المدينة تبحث عن استقرار يشبه ما عاشته قبل ذلك.

كركوك ليست عقدة سياسية، بل جوهر قصة شعب.
كركوك ليست عقدة سياسية، بل جوهر قصة شعب.

ومع مرور السنوات، ووسط أزمات الحكم في بغداد وتقلّب التحالفات، بقيت كركوك سؤالًا مفتوحًا لا يستطيع أحد تجاوزه. إن كل نقاش حول شكل الدولة العراقية، وكل حديث عن التوازن بين المكونات، وكل مشروع لمستقبل البلاد — يبدأ من كركوك وينتهي عندها.

ولعل هذا ما جعل مسرور بارزاني يكتب قصيدته المؤثرة التي أصبحت جزءًا من الوجدان الكردي المعاصر، حين وصف كركوك بأنها "وجعٌ يسكن القلب" وأنها "مدينةٌ لا يغيب ضوؤها عن عيوننا مهما تعثّر الطريق". هذه القصيدة لم تكن مجرد كلام، بل كانت استعادة وجدانية لمكانة كركوك في الثقافة الكردية: ليست مدينة جغرافية، بل مدينة شعورية.

يجب أن تعود كركوك كما كانت، مدينة تجمع كل العراق بمختلف أقوامه وأعراقه وأديانه ومعتقداته. وهنا أذكر ما قاله السيد مسرور البارزاني في أحد خطاباته قبيل الانتخابات البرلمانية الأخيرة قائلاً "دعونا نحكم كركوك وسنري العالم أجمع نموذجاً في التعايش". ومن يزور مدينة أربيل يدرك تماماً صحة هذا القول.

كركوك ليست عقدة سياسية، بل جوهر قصة شعب.

من التعداد العثماني لعام 1898، إلى تعداد 1957، إلى ما عاشته بعد 2003 وما واجهته بعد 2017، يظل الثابت الوحيد هو حقيقة المدينة وناسها وهويتها التي حاول كثيرون تغييرها، لكنها بقيت مثل نبعٍ يعود إلى مجراه مهما حُرفت مياهه.

كركوك هي قلب كردستان لأنها التاريخ الذي لا يمكن محوه، لأنها الجغرافيا التي لا يمكن فصلها، ولأنها الذاكرة التي لا يستطيع الزمن أن يتجاوزها. هي مدينةٌ كلما اشتدّ عليها الظلام، زاد حضورها في الوعي الكردي وفي هوية الإقليم. ويمكن للعراق أن يتغير كثيرًا في عقوده القادمة، لكن لا يبدو أن كركوك ستغادر موقعها: مدينة مركزية في معادلة الاستقرار، ومفتاحًا لأي مستقبل عراقي عادل يضع الناس قبل النفط، والذاكرة قبل السياسة.