كلمات مظفر النوّاب المنغّمة
كثيرة هي الدراسات والمقالات والبحوث التي تناولت قصائد الشاعر الكبير الراحل مظفر النوّاب سواء تلك التي كتبها باللغة الفصحى أو باللهجة العراقية الدارجة، فكثير من النقاد والدارسين والباحثين اشتغلوا على منجزه الكبير وصدرت كثير من الكتب التي تناولت أشعاره.
لكن ذلك لم يجعل الباحثين والنقاد يكفّون عن مطاردة تلك القصائد والبحث عن جمالياتها واختلافاتها وتشخيص غير السائد منها أو المألوف، كون النوّاب مدرسة شعرية يمكن دائماً العودة لفصولها والحصول على حصة جديدة.
مؤخراً وعن منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق للعام 2025 صدر كتاب جديد بعنوان "مظفر النواب الكلمة المنغمة" لمؤلفه الناقد والباحث حاكم حداد، وهو كتاب يستقصي كثير من قصائد النوّاب، واضعاً التنغيم في مفرداته كمادة تستحق التمحيص والاستقصاء، حيث يأخذنا في سياحة أدبية شعرية شعبية في عمق عالم النوّاب الشعري الجميل.
الكتاب الذي جاء بواقع 178 صفحة من القطع المتوسط تضمن مقدمة وعشرة مباحث وخاتمة مع فصل يتحدث عن نشأة وبدايات النواب، وقد جاء في مقدمة الكتاب ما نصّه "تمتاز التجربة النوّابية بسمات عدة، أهمها أنها تركز على الحداثة والأصالة، فقبل تجربة النوّاب لم يكن الشعر الشعبي، سوى آهات وبكاء وتوّجع بنمطية واحدة ذات بناء كلاسيكي متزمت، وعند مجيء النوّاب حصلت ثورة حقيقية في هذا اللون الشعري، ثورة تجسدت في الشكل والمضمون والروح واللغة والصورة".
في مبحثه الأول الذي اشتغل فيه المؤلف على بدايات النوّاب وما تأثر به، يأخذنا في رحلة شيقة في تأريخ الشاعر وعائلته، مركزاً على العمق المعرفي لهذه البدايات التي تأتي متواشجة بين النوّاب وعائلته التي ورث منها الوعي الحقيقي، وكمثال على ذلك كانت والدته التي كانت تجيد اللغة الفرنسية والإنكليزية والفارسية فضلاً عن العربية، كما يخبرنا المؤلف عن تأثير المعلمين والمدرسين في شخصية النوّاب ومنها أستاذه حمدي الناصري الذي اكتشف موهبته في صياغة المفردة، كما يتحدث المؤلف عن تأثيرات البيئة والمكان الذي نشأ فيه ويقصد مدينة الكاظمية، كما يستشهد المؤلف بحكايات يرويها مجايلو النوّاب ومنهم عبدالرزاق عبدالواحد ويوسف العاني.
في المبحث الأول من الكتاب والذي جاء بعنوان "الشاعر واللغة" يقدم لنا المؤلف تعريفات عدة للغة واللهجة الشعبية وكذلك يحكي لنا عن خصوصيات وملامح اللهجة وقدرتها على التغيير، كما أنه يشرح لنا امتيازات اللهجة الشعبية ومستقبلها وأهميتها، كما أنه يقدم تعريفاً للغة الشعرية، وعن هذا يقول المؤلف ما نصّه "تكتسب اللغة الشعرية أهميتها الفذة، في حال نجاحها الباهر، عن التعبير بصدق، عن الحالة والرؤية للموقف، الذي يكون فيه الشاعر".
وفي المبحث ذاته كان هناك عنوانا فرعياً بعنوان "طبيعة لغة النوّاب الشعرية" يتحدث فيه المؤلف عن كون الشاعر النوّاب كان يقدم في قصائده نماذج جديدة للشعر، حيث يرى أنه دخل الحداثة بوعي مختلف كونه يمتلك أسرارها، حيث يقول "مظفر النوّاب عرف المسارب التي تقوده إلى هذا السرّ منذ البداية"، ثم يؤكد "لا ينكر أن قصائد ديوان' الريل وحمد' قد أعطت في زمن ما لشعر اللهجة العامية مشروعية وحضوراً".
المبحث الثاني من الكتاب الذي جاء بعنوان "الشاعر والغناء" خصص لعشق مظفر للنواب للغناء، حيث يستقصي المؤلف هذه الخاصية التي تفرّد بها، حيث كان يغني قصائده بنفسه، ويخبرنا أن النوّاب كان على علاقة ومعرفة بمطرب معروف في الأوساط وكان يسمى بلبل الجامعة كون صوته جميلاً، ويعرّفنا المؤلف أن هذا العشق للغناء كان بسبب والدته حيث يقول المؤلف ما نصّه "لقد كان الشاعر محباً للغناء والموسيقى منذ نعومة أظفاره، وهذا الحب هو الذي زرعته أمه داخل روحه وعقله، فنشأ وهو منفتح الذهن على هذا الحب الذي جعله يصاحب أهل الغناء المعروفين".
وفي المبحث ذاته يقول المؤلف "إن أكثر القصائد الشعبية التي كتبها الشاعر، إنما كتبها وهو يغني، وهذه حالة فريدة ونادرة، وأعتقد أنه كان يقوم بذلك ليشحنها بفيض هائل من الغنائية".
كثيرة هي مباحث هذا الكتاب الذي يوجز سيرة جديدة للشاعر الكبير مظفر النوّاب، فالمؤلف تارة يأخذنا إلى عوالمه التشكيلية مؤكداً على موهبة النوّاب في الرسم، وكيف أنه كان يتردد بشكل دائم على مرسم الجامعة الذي كان يديره الفنان حافظ الدروبي وصار متأثراً بهذا الفنان الانطباعي، ومن ثم يصبح عضواً في جمعية أسسها الدروبي تحت مسمى "جماعة الانطباعيين" ومما ورد في هذا المبحث ما نصّه "لقد كان الرسم بالنسبة إلى مظفر عالماً حلمياً لا يمكن التغاضي عنه أو الابتعاد عنه حتى في أصعب الظروف والحالات".
وعن الحب في حياة مظفر النوّاب كان هناك مبحثاً بعنوان "الشاعر والحب" حيث يستقصي الباحث حياة النوّاب العاطفية وكيف كانت قصائده تضمّ بين دفاتها عاطفة جيّاشة، ويلتقط المؤلف كثيراً من النصوص التي كان العشق هو ثيمتها الواضحة، حتى أن المؤلف يعتقد بأن ديوان الريل وحمد لم يكن سوى قصيدة عشق طويلة واحدة موزعة على عناوين كثيرة، ومن النصوص التي يستشهد بها الباحث هذا المقطع
"يغنيدة أمس،
يا حلوة الحلوات،
صار العمر طرفة عين،
وغنينه ولكينه الدرب والسماك وقمر الدين".
علاقة مظفر النوّاب بالسياسة هي الحقبة الأهم في حياته، فالجميع يعلم ويتفق عن أن هذا الشاعر نذر نفسه للوطن والشعب، وصار مناضلاً كبيراً ومعروفاً ليس في العراق وحسب بل على المستوى العربي وحتى العالمي، فهو الشاعر الأممي الذي يناضل من أجل الحرية والرفاهية لشعوب العالم أجمع.
المؤلف خصص مبحثاً في هذا الكتاب جاء بعنوان "الشاعر والسياسة" وفيه يستقصي العلاقة الكبيرة التي جمعت النواب بالسياسة، خصوصاً مسيرته مع الحزب الشيوعي العراقي، والسنوات التي قضاها في سجون الأنظمة الدكتاتورية، ويؤكد المؤلف أن النوّاب دخل عالم السياسة مذ كان طالباً في كلية الآداب في الزمن الملكي، ولذلك تعمقت صلته بالسياسة وصار أحد أبرز الشعراء الذين يناضلون بالفعل والكتابة، حيث كتب كثير من القصائد التي بقيت راسخة في الذاكرة الجمعية للعراقيين ومنها قصائد "سفن غيلان ومضايف هيل وعشاير سعود وابن ديرتنه حمد".