كم عراق.. وكم أميركا؟!

يجب ان نتحدث لاميركا ودول الاقليم جميعا بوصفنا عراقيين وليس زعماء طوائف واعراق.


ثمة مبالغة في القول ان الاستراتيجية الأميركية لا تتغير بتغير الرؤساء


اغلب القوى السياسية الممسكة بأمور العراق ارتضت الولاء للخارج وضيعت القرار الوطني


العراقيون لا يريدون لبلدهم ان يكون مخلبا لأميركا ضد ايران او العكس، بل يتطلعون لعلاقات طبيعية مع الجميع

لعل اكثر ما تنبذه السياسة هو القلب والذاكرة، وكل سياسي يتصرف وفقا لأهواء قلبه لن يكون ناجحا، مثلما كل سياسي يضع الماضي نصب عينيه في تعامله مع الاخرين، يجد نفسه خاسرا في الغالب. فتاريخ الدول والشعوب مليء بالمآسي والبقع السود والمناطق المظلمة، وان المكوث فيها يتعارض مع منطق الحياة نفسها، كونها متجددة والرؤى فيها تتوالد باستمرار.

للعراق واميركا تاريخ حافل بالمآسي والخلافات العويصة، وان أي متابع يريد ان يستعرض دور اميركا في الكثير من المشاكل التي عطّلت الدولة العراقية واسهمت في تدميرها، لاسيما بعد العام 1958، لن تكفيه محاضرة ولا محاضرات. نعم، هذه حقيقة، لكن الحقيقة الأهم هي، كم اميركا عرفها العالم منذ منتصف القرن الماضي في الاقل، الى اليوم، وكم عراق ايضا؟!

معلوم للجميع ان اميركا دولة مؤسسات وان سياستها، لاسيما الإستراتيجية لا تتغير بتغير الرؤساء. لكن هذا القول ينطوي على مبالغة بعض الشيء. فالاستراتيجيات الاميركية نفسها، وضعت في عالم متحرك وانها تحاكي هذا الحراك وتتفاعل معه.

أثناء الحرب الباردة اعتمدت اميركا مبدأ الاستقطاب، وكيفما كان النظام وفي اي دولة، يحتضن اميركيا، طالما يقف بالضد من المعسكر الاشتراكي.. والعكس صحيح ربما! بعد الحرب الباردة اصبح لأميركا سياسة مختلفة مع الكثير من بلدان العالم، فهامش المناورة لديها بات اوسع واكثر مرونة، والمزاج الدولي بشكل عام تغيّر وتغيرت معه طبيعة العلاقات بين الدول، اذ اصبحت المصالح والبرامج بديلا للعقائد المتناشزة، وان ما حصل من كوارث في مختلف بلدان العالم كان نتيجة لتلك الاستقطابات العقائدية. ولعل منطقة الشرق الاوسط اكثر بلدان العالم حساسية للغرب واميركا بشكل خاص، وما حصل للعراق منذ العام 1958 كان بسبب ميله العقائدي والسياسي بشكل عام باتجاه المعسكر الاشتراكي، اذ تخفت الاحداث التي عاشها العراق او فرضت عليه تحت اقنعة مختلفة، لكن سببها الحقيقي، هو رغبة اميركا في ان تكون هذه المنطقة الغنية بالثروات بعيدة عن نفوذ الخصم العقائدي الاشتراكي وبالاتفاق مع السوفييت انفسهم في العام 1945 خلال لقاء القرم الشهير الذي جمع روزفلت وستالين وتشرشل، عندما تقاسموا النفوذ في العالم لمرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية. ولعل الدول التي بقيت مستقرة طيلة سني الحرب الباردة في منطقتنا، كانت هي الحليفة لاميركا او الاقرب اليها! لان السوفييت لم يدعموا حلفاءهم العقائديين، كي لا يثيروا حساسية "حلفائهم" السياسيين وينقضوا اتفاقهم الإستراتيجي معهم!

نحن العراقيين ذاكرتنا مثقلة بالكثير من اميركا، بدءا بحرب العالم 1991 وما قبلها مرورا بالحصار الاجرامي، وصولا الى الاحتلال وما حصل بعده من مآس مروعة، تتحملها او تتحمل اغلبها اميركا. لكن اميركا اليوم تختلف عن اميركا الامس في الكثير من التفاصيل، وايضا عراق اليوم يختلف، بعد ان انضجت شعبه التجارب، وبات اليوم يتطلع الى علاقات طبيعية مع جميع بلدان العالم، بما يضمن استقراره ونهوضه، لاسيما دول الجوار المؤثرة، تركيا وايران والسعودية ودول الخليج، وهذه ايضا جميعا تعيش صراعات علنية وخفية في العراق وعلى العراق، ولها علاقات غير متشابهة مع اميركا. ولعل حال العراق المبعثر اسهم في تأجيج التنافس فيما بينها عليه، فاغلب القوى العراقية السياسية الممسكة بأمور البلاد ارتضت ان تكون ممثلة لتلك الدول في ميدان الدولة العراقية ومصنع قرارها، فضاع القرار الوطني العراقي بينها.

العراقيون لا يريدون لبلدهم ان يكون مخلبا لأميركا ضد ايران او العكس، بل يتطلعون الى علاقات طبيعية مع الجميع، وهذه تتحقق بوحدة القرار السياسي العراقي، اذ عندها سيكف الجميع عن التنافس الشرس على العراق، لانه لم يعد مصدر خطر على احد ولم يعد فريسة لأحد.

العراقيون يرفضون التبعية لأية قوة اقليمية او دولية، وعليه فان الحوار مع اميركا على قضايا استراتيجية، بوصفها قوة عظمى، يجب ان يستحضر هذه الحقائق، ويستحضر ايضا حساسية موقع العراق الجيوسياسي للجميع وضرورة استقلال قراره، لأنه السبيل الوحيد الذي يبعده عن التجاذبات الحادة التي اغرقته في الدم والفوضى، ويجب ان نتحدث لاميركا ودول الاقليم جميعا بوصفنا عراقيين وليس زعماء طوائف واعراق وحينها لن يقدر احد ان يدحرنا او يقسّم بلدنا.