كوميديا الخلود في أعمال ساراماغو

مع تحصن العالم بالحجر الصحي خوفاً من شراسة كورونا حاول الجميع تأثيث بيئة تعوض عن الإختلاط والتواصل في الواقع الفعلي.


التقنيات المطوعة تتنوعُ لمناقشة الأفكار في سياق الرواية


المناورات بالكلمة وطرح الفرضيات والأخذ بالسرد إلى حدود الغرائبية

يتقاطعُ النص الروائي في وظيفته الإستكشافية مع الفلسفة وذلك بإثارة مزيد من الأسئلة عن معطيات الواقع والإبانة عن الهواجس بشأن المستقبل والمصير، ولا يقف فن الرواية عند حدود ما هو موجود بشكله المعهود في الحياة، إنما يبحثُ عما هو منسيُّ أو واقع في طبقات سحيقة، كما الفلسفة ينحتُ إفتراضاته حول الإشكاليات الوجودية مع فرق أن في الرواية يتم إيجاد التوازن بين العناصر الفنية والقيم الفكرية المبثوثة في طيات العمل، لأنَّ الفكرة في العمل الروائي لا تعوض المستوى الفني، أكثر من ذلك لا يتجاهل الروائي عنصر السخرية في حياكة قماشة النص، وهذا ما يبعدهُ عن شرك التجريد. يذكر أنَّ السخرية لا تناقض المنهج الفلسفي، هي نوع من التفلسف، ومن المعلوم أنَّ النص يستمدُ أجواءه المرحة من السخرية. 
تتنوعُ التقنيات المطوعة لمناقشة الأفكار في سياق الرواية، إذ قد تكون الشخصية الروائية مكفولةً بإجلاء مضامين النص من خلال الرحلة والتنقل بين الأمكنة مثلما توجدُ هذه النماذج في الروايات العربية والعالمية، ولعلًّ الإشارة إلى تجربة باولو كويلو في "الخيميائي" و"إحدى عشرة دقيقة" تكفي مثالاً لرمزية الرحلة ودلالتها الفكرية، كما سلك عدد من الروائيين العرب المنحى نفسه في بناء أعمالهم خصوصاً فيما نشر عن الإرهاب والهجرة القسرية واللاهوت، حيثُ تكونُ الشخصية الروائية في مرآة تنعكسُ فيها صورة الواقعين المتضادين.
في حين تقعُ على تجارب أخرى تطمحُ إلى التغلغل إلى نخاع القيم والإشكاليات إذ تُطلقُ الفرضيات في إطار الأسئلة الجوهرية كما يحلو ذلك للكاتب البرتغالي جوزيه ساراماغو الذي تتكيءُ أعماله الروائية على البنية السجالية بحيثُ يكونُ الحدثُ عاملاً لمُساءلة المسلمات. وتنزلُ روايات الكاتب الفرنسي اريل ايمانويل شميت أيضاً في تخوم الفكر والفلسفة.

مشروع يتأسس ساراماغو الروائي على رؤى فلسفية ومداولات أسئلة وجودية بدلاً من اسلتهام الواقع أو سرد مواد تاريخية في متون الرواية

غرائبية
مع تحصن العالم بالحجر الصحي خوفاً من شراسة كورونا حاول الجميع تأثيث بيئة تعوض عن الإختلاط والتواصل في الواقع الفعلي، وذلك من خلال العودة إلى الكتب وزيارة المكتبات الخاصة، وحظيت مؤلفات الكاتب البرتغالي جوزيه ساراماغو بالإهتمام لاسيما روايته "العمى" غير أنَّ ما أجدر بالمتابعة هو "انقطاعات الموت" لأنَّ ساراماغو يشتغلُ على فرضية معارضة للخوف من الموت إذ يكونُ المتلقي طرفاً في سجالٍ ينظمُ خط العمل. 
لا تستمدُ نصوص ساراماغو أجواءها الغرائبية من الإثارة أو من اللامعقول، بقدر ما يعتمدُ على اللعبة الذهنية، فيضعُ القاريءَ في مستهل روايته "انقطاعات الموت" أمام فرضية توقف آلة الموت، ويريدُ المؤلف بذلك فتح الكوة على ما لم يكن موضع اهتمام الإنسان. صحيح أنَّ حلم الخلود قد راود هذا الكائن الفريد، ولا يزالُ يبحثُ عما يؤجلُ به القدر المحتوم، غير أنَّ اللامفكر فيه ضمن مسعاه الدؤوب هو ما يستتبعُ الخلودَ من المعضلات الجديدة عندما يتحولُ الجسد إلى حطام، ولا يربطهُ بالحياة سوى خيط أنفاس ثقيلة، ومن ثمَّ تبدأُ أعراض جائحة الخلود بالظهور على مناحي الحياة الإجتماعية والإقتصادية والروحية، إذ تتضاعف كلفة مصاريف خدمات الرعاية وتفسدُ العواطفُ والمشاعر الأسرية مثلما يتناولُ صاحب "العمي" كل ذلك في سرده المطعم بعنصر تراجيدكومديا في مفاصل روايته إذ تشهدُ سوقُ المشتغلين في المآتم والدفن ركوداً بعد وقف التموين بالموتي، ولا يخففُ إصدار قرار رسمي ينصُ على دفن الحيوانات الأليفة من معاناة الوكالات الجنائزية، وجهر القائمون على بيوت الأفول السعيدة بأنَّ الموتَ أفضل معلنة عن تضييق خناقها بالوافدين الجدد، كما المستشفيات تكتظُ بمن يتأرجح في البرزخ لا يموت ولا يحيى ويتحسر البعضُ بأنَّه لن يلتقي بمن سبقه إلى العالم الآخر كحال السيدة المترملة التى وجدت عوضاً لمسرات اللقاء في التلويح بعلم الوطن، ويحاكيها في ذلك بنو جنسها بكل مناطق البلاد. ويكشفُ هذا التفصيل ذكاء ساراماغو في التقاط ما يعبرُ عن الحاجة لإستعادة التوازن وصرف الإنفعال سواء في المحن أو في المسرات، حيثُ تكونُ للرموز قيمةُ. وما أنَّ يعود الموت إلى عمله الأزلي حتى ترفرف راية الوطن من جديد على مشارف البيوت. 
ملمحُ آخر من الرواية هو ما يرافق انقطاع الموت من تجارة تهريب المحتضرين إلى بلد مجاور لما يسميه الكاتب بمملكة إلدورادو فهناك يتعافى سجينُ الجسد المتهالك من داء الخلود، وهذا ما يوفر بيئة مناسبة لنشاط جماعات تزاحم الحكومة في السيادة على البلد. الأمر الذي يسبب المشاحنات على انتهاك الحدود بين البلدان المتجاورة. 
ماذا عن وظيفة الفلسفة عندما يتوقف الموتُ ألم يكن التفلسفُ تحضيراً للموت؟ هل يصادفُ الفلاسفةُ من يستمعُ إلى مقولاتهم؟ 
هنا تكونُ رؤيةُ ساراماغو مُتطابقةً مع شوبنهاور الذي علّل ظهور الفلسفة والدين بوجود الموت، فمن الطبيعي أن يخسرَ الأكليروس والفلاسفة دورهم حين ينتهي الخوف من الموت.  

Culture in the time of Corona
الخلود يتفشى مثل الوباء

يصعدُ ساراماغو بالمستوى الغرائبي إلى أقصاه، وذلك يتم مع عودة الموت إذ يشهدُ البلدُ أزمةَ تراكم الأموات، وما يطولُ الوقت حتى يبدأُ الموتُ بإرسال مغلف بنفسجي قبل أن يأتي أجله بأسبوع هكذا ينتظمُ أمر الموت مع فرائسه إلى أن يتعثر وصول مغلف إلى عازف الفيولونسيل، تخطيء الرسالةُ هدفها ثلاث مرات، لذا بعدما يناقشُ الموتُ مع المنجل تعثر الرسالة يقتنع بضرورة مواجهة الموقف بنفسه إذ يتقمصُ شخصية امرأة حسناء وتحضر في عرض موسيقي يشاركُ فيه العازفُ، وهي تترصدُ بالأخير ومن ثمَّ تنجحُ في إيجاد قناة التواصل معه، ويدور نقاش ساخن بين الاثنين ما يشغلُ تفكير الموسيقي وتصبح المرأةُ لغزاً بالنسبة إليه، والغريب في الأمر يقع في شرك حبها ويبوحُ لها بمكنون الفؤاد ويجمعهما سرير واحد، هنا يعلقُ الراوي العليم الذي يتابعُ تطورات الموقف قائلاً بأنَّ النوم قد داهم الموت الذي لا ينام أبدا، وعندما ينبلجُ الصبح لا يموت أحدُ طبعاً بعد إنتهاء الرواية تتخذُ الفرضيات طريقها إلى ذهن القاريء، ماذا أراد الكاتب من الجمع بين الموت والحب والخلود في سياق واحد هل نفهم ما يقصه ساراماغو بأنَّ الحياة تحفل بألغاز، وليس الموت إلا واحداً منها أو أنَّ من يعيشُ الحبَ مرة يقبل بالنهاية بدون التعقيد، أو ربما يفهمُ مما أثثه خيال الروائي بأنَّ الحب خدعة لاشك أنَّ أهمية أي كاتب تكمن في قدرته على فتح حلقة الأسئلة المتتابعة لدي قارئه، الأمر الذي تفوق فيه ساراماغو بإمتياز.
وما يعبرُ عنه هذا العمل بالإجمال أنَّ الخلود هو تطلع إليه البشر بالإستمرار وتوسل بالأساطير تارة، وبالتمائم تارة أخرى، لتذوق طعمه غير أنَّ ما يتحقق في الواقع لا يكون إلا مخيفاً، لئن كان الإنسانُ في البداية يتفاءلُ ويحسبُ الأمر إنتصاراً على عدو أبدي فما يلبث إلا أنَّ تعلو الأصوات التي تطالب بعودة ما كان عليه الواقع قبل أن يحل الخلود الذي يتفشى مثل الوباء. 
يطيبُ لـ ساراماغو المناورات بالكلمة وطرح الفرضيات والأخذ بالسرد إلى حدود الغرائبية ناهيك عن رغبته لتناول جذور الكلمات والعبارات "تيمولوجيا" يتأسس مشروع ساراماغو الروائي على رؤى فلسفية ومداولات أسئلة وجودية بدلاً من اسلتهام الواقع أو سرد مواد تاريخية في متون الرواية.